آخر الأخبار

مسائل ضاعت من حياة الأمة

Picture of الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

شارك المقال على :

مسائل ضاعت من حياة الأمة

بقلم: أ.د/ عبد السلام المجيدي

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

الآيات القرآنية تشرق على العالم بالبصائر التي تنير الحياة وتغرس المحبة وتحقق المقاصد الإلهية من تنزيلها، وفي أثناء بيان قسمة التركات ذكر الله تعالى في الآيات قوانين كثيرة، منها قانون (الرضخ).

فما الرضخ؟

إنه الإهداء المصاحب لعملية توزيع الإرث، وذلك بإعطاء الفئات غير الوارثة من القرابة، وضعفاء الـمجتمع شيئًا من الإرث بشرط حضور القسمة، ويُبَصِّرُنا به قوله: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 8].

فإذا كانت الآية السابعة {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 7] قد مثلت دستورًا عامًّا، ثم سيحدد الله تفاصيل الذين يرثون في الآية الحادية عشرة والثانية عشرة، فإنه قبل أن يفصل كأنه يقول: لا تنسوا بأن هناك فئاتٍ ليست وارثةً، وقد تحضر القسمة فلا تحرموها من شيءٍ من الرزق من هذا المقسوم، فأثبت الله تعالى لهذه الأصناف الثلاثة: (الأقرباء، واليتامى، والمساكين) حقين:

الحق الأول: {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} [النساء: 8]

فأثبت لهم حقًا في القسمة وليس نصيبًا مفروضًا منه، فيرزقون من الإرث لكنه لم يحدده، فيكون رضخًا لهم على سبيل الإهداء وتطييب الخاطر، وإطعامًا لهم على هيئة الاحتفال.

الحق الثاني: {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 8]

فعندما ترزقونهم من الإرث فليصحب هذا العطاء قول معروف، أي متعارف على حسنه وجماله، ومن القول المعروف ترك المن والأذى مع التلطف في العبارة عند العطاء.

فلماذا أمرهم بالقول المعروف؟

لأن طبيعة الإنسان أن يضيق عند حضور غيره في حقٍّ من حقوقه المالية كما قال -تعالى جده-: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 19 – 21]، فأراد الله تعالى تربية هذه النفس الإنسانية النافرة التي أحضرت الشح.. أراد تزكيتها وتهذيبها.. انظر كيف يربط الإسلام بين قلوب أفراد المجتمع.. فانظر لعَظَمة التربية القرآنية الواقعية في تهذيب النفوس وتربيتها.

ما حكم هذين الحقين؟

ويظهر لي أن هذين الحقّين واجبان كما ذهب إليه سعيد بن جبير رحمه الله، وليسا مندوبين كما ذهب إليه الجمهور، والظاهر أن حملها على الندب أقرب إلى أن يكون من تفسير القرآن بالرأي، فقد جعل ابْن عَبَّاسٍ ﭭ هذه الآية {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ} [النساء: 8]﴾ مُحْكَمَة، وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، وإذا كانت بظاهر صيغتها أمرًا فما الذي صرف مقتضاه عن الوجوب أو التأكيد؟ ألأنه يتعلق بحقوق غير متوقعة للغير؟ أما ترى الأثر العظيم الذي يحدثه تطبيق هذا الأمر في تماسك المجتمع وتراحمه، ووحدته؟

وكما رأيت فعندنا قولان: قولٌ بندب الرضخ، وقول يجعله واجبًا، ويبقى من الأقوال الواردة في الآية قولان:

القول الثالث: مال إليه ابن عباس رضي الله عنه -إن صحت الرواية عنه- فذهب إلى أن هذا الحق المذكور في الآية حقّ وصية؛ فعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر أنه قسم ميراث أبيه عبد الرحمن، وعائشة رضي الله عنها حية، فلم يدع في الدار مسكينًا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه، وتلا {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ} [النساء: 8]، فذكر ذلك لابن عباس رضي الله عنه، فقال: ما أصاب، ليس ذلك له، إنما ذلك إلى الوصية، وانما هذه الآية في الوصية يريد الميت أن يوصي لهم [1].

الرابع: ما ذكر عن سعيد بن جبير: أنه سئل عن هذه الآية فقال: هذه الآية يتهاون بها الناس. ثم قال: وهما وليَّان، أحدهما يرث، والآخر لا يرث. والذي يرث هو الذي أُمِر أن يرزقهم. -يعني يعطيهم- قال: والذي لا يرث هو الذي أمر أن يقول لهم قولًا معروفًا، وهي محكمة وليست بمنسوخة [2].

وبغض النظر عن مدى صحة الروايتين إلا أنه لا يظهر صحة الرأيين الواردين؛ فإن الوصية التي نُسبت لابن عباس إنما تأتي في باب آخر، وليس في الآية ما يدل عليها؛ والأصل فهم الآية على ظاهرها، وكذلك اللف والنشر الذي ارتضاه ابن جبير لا يوجد ما يشير إليه، بل إن الآية تقرر قانون الرضخ والإعطاء للفئات غير الوارثة من القرابة وضعفاء المجتمع المعبر عنهم في الآية باليتامى والمساكين، فما أجمل ذلك!

إنك تشعر أنه يتحقق بذلك عددٌ من الأهداف العظيمة في بناء الـمجتمع، وحماية حقوق الفئات الـمستضعفة فيه، ومنها:

 

الهدف الأول: زيادة تأليف ذوي القربى، وجبر الخواطر للقلوب المنكسرة، فإخوة الميت لا يرثون مثلًا في وجود الأولاد، وهم أعمام أولاد الميت.. أفلا يقوم أولاد الميت بـتأليف نفوسهم، وجبر خواطرهم بشيءٍ من المال يصحبه لطيفٌ من القول؟ فيريد ربك أن توثق علاقتك بقرابتك، فتعطيه من الإرث شيئًا ثم تقول له إن كان عمك مثلًا: يا عم! أنت تذكرني بأبي، ونحو ذلك من لين القول.

الهدف الثاني: إدماج ضعفاء المجتمع ضمن الرعاية العامة، وإشاعة المحبة بينهم وبين أصحاب الأموال مهما قلت الأموال. فالهدفان يعنيان توثيق اللحمة الأسرية والمجتمعية.

الهدف الثالث: تعويد أصحاب الأموال على مجاهدة النفس في الإنفاق، اسمع ربي وربك يقول: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 8] وتتعجب من تغير الناس وعدم تحكيم شريعتهم في مثل هذه الآيات مع تقدم الزمان، ولذا روى الطبري عن الحسن رحمه الله قال: «هي ثابتة، ولكن الناس بخلوا وشحوا»[3].

الهدف الرابع: إيجاد الحصن الواقي والأمن الذاتي والقومي للقرى والبلدان بالمشاركة المجتمعية لشيء من المال الموهوب من الله تعالى، أو ما ترى أن المنفَق عليهم سيظلون يدعون للميت وذويه الوارثين كلما ذكروا هذا الموقف غالبًا؟

ويبين ابن كثير رحمه الله تعالى ذلك بعبارة رائعة فيقول: «إِذَا حَضَرَ هَؤُلَاءِ الفُقَرَاءُ مِنَ القَرَابَةِ الَّذِينَ لَا يَرثون، وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينُ قِسْمَةَ مَالٍ جَزِيلٍ، فَإِنَّ أَنْفُسَهُمْ تَتُوقُ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ، إِذَا رَأَوْا هَذَا يَأْخُذُ وَهَذَا يَأْخُذُ وَهَذَا يَأْخُذُ، وَهُمْ يَائِسُونَ لَا شَيْءَ يُعْطَوْنَ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى -وَهُوَ الرَّؤوفُ الرَّحِيمُ -أَنْ يُرضَخ لَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الوسَط يَكُونُ بِرًّا بِهِمْ وَصَدَقَةً عَلَيْهِمْ، وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ، وَجَبْرًا لِكَسْرِهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] ، وَذَمَّ الَّذِينَ يَنْقُلُونَ المَالَ خِفْيَةً؛ خَشْيَةَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمُ المَحَاوِيجُ وَذَوُو الفَاقَةِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنِ أَصْحَابِ الجَنَّةِ {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} [القلم: 17] أَيْ: بِلَيْلٍ.

وَقَالَ: {فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ} [القلم: 23، 24] {دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} [محمد: 10] فَمَنْ جَحَد حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ عَاقَبَهُ فِي أَعَزِّ مَا يَمْلِكُهُ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «مَا خَالَطَتِ الصَّدَقَةُ مَالًا إِلَّا أَفْسَدَتْهُ»[4] أَيْ: مَنْعُهَا يَكُونُ سَبَبَ مِحَاقِ ذَلِكَ المَالِ بالكلية» [5].

ويتأسف يحيى بن يعمر على إهمال العمل بمثل هذه الآيات التي تحقق الأهداف القرآنية في تزكية الأنفس، وتنظيم المجتمع وإشاعة المحبة في الدائرة القريبة من الإنسان فيقول: ثلاث آيات محكمات مدنيات تركهن الناس: هذه الآية، وآية الاستئذان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النور: 58]، وهذه الآية: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} [الحجرات: 13] [6].

والاتصال بين {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} وما بعدها يؤكد وجوب الرضخ من الإرث لمن حضر القسمة من الأصناف الثلاثة خوفًا من التبعات المستقبلية في الذرية، فإن الله تعالى جده يقول بعدها: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9].

وهكذا تبث السورة الحياة وتحمي الفئات المستضعفة وتنشر المحبة بين ذوي الأرحام ليتنشر الناس على بساط من المحبة والشفقة والإكرام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مفصل تفسير سورة النساء

[1] تفسير ابن أبى حاتم(3 / 875). [2] تفسير الطبري ت شاكر (7/ 8). [3] تفسير الطبري ت شاكر (7/ 8). [4] رواه البيهقي في شعب الإيمان (5/166) برقم 3246، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير، برقم 5057. [5] تفسير ابن كثير ت سلامة (2/ 221). [6] تفسير الطبري (7/ 8).

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

أين الدعوة إلى الله؟

إن الدعوة إلى الله بالنسبة للمسلم خاصة، والبشرية عامة، إحياءٌ

المصلحون وعصر “التفاهة”

إنَّ مِنْ أهمِّ ما ينبغي أنْ ينشغلَ بهِ المصلِحونَ في

الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز بين الإصلاح الراشدي والتمكين الحضاري

(قراءة ومراجعة في كتاب الدكتور علي محمد الصلابي) يأتي كتاب