آخر الأخبار

أين الدعوة إلى الله؟

Picture of التهامي مجوري

التهامي مجوري

شارك المقال على :

إن الدعوة إلى الله بالنسبة للمسلم خاصة، والبشرية عامة، إحياءٌ لرسالة النبوة في حياة الناس، التي هي سنة من سنن الله في الخلق، إذ لم يخلُ زمنٌ من نبي يحمل رسالته إلى البشر جميعًا: ﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۚ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24].

لقد اختار الله لهذه الدعوة أن تكون على يد هذه الأمة بعد ختم النبوة، بحيث انتقلت واجبات النبوة من أشخاص يصطفيهم الله للقيام بهذه المهمة، إلى اصطفاء الأمة الإسلامية، اصطفاءً مشروطًا باتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فكانت هي الأمة الوارثة للنبوة ومهامها في الحياة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].

ورغم اختلاف أهل التفسير في وجوب هذه المهمة، أهو على الكفاية أم على التعيين؟ بسبب اختلافهم في حرف “مِنْ” في قوله تعالى: ﴿منكم﴾، أهي للتبعيض أم للبيان؟ فإن مهمة الدعوة إلى الله، بحكم ختم النبوة وانتقالها إلى عموم الأمة الوارثة لها، تقع على عاتق جميع أفراد الأمة، بحسب مكاناتهم ومواقعهم في هذا الوجود، كما جاء في حديث تغيير المنكر: “مَنْ رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”، وكل تقصير يقع في هذا الجانب تتحمل تبعاته الأمة بأسرها أفرادًا وجماعات، وحتى إذا اعتبرنا ذلك واجبًا كفائيًا، فإن الواجب الكفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين كما هو معلوم، وإذا لم يقوموا به بالقدر الكافي، فإنه يتحول إلى واجب عيني، ينعكس رأسًا على الواقع البشري عمومًا؛ لأن الدعوة إلى الله سنة من سنن الوجود وقوانينه الثابتة، كان يقوم بها الأنبياء، ولما خُتمت النبوة انتقلت إلى الأمة الوارثة للنبوة الخاتمة كما أسلفنا، وانتقال الشيء إلى الأمة يعني أن مجموع أفرادها على عاتقهم من المسؤولية بحسب مكانة كل فرد وموقعه في المجتمع… وتزداد الحاجة إليها وتظهر ضرورتها بقدر ما يظهر من حاجة الناس إليها، وتقصير القائمين عليها.

إن الدعوة إلى الله ليست مجرد واجبات تقع على عاتق الأمة وحسب، إذا قامت بها تؤجر، وإذا قصرت فيها تأثم، وإنما هي سنة من سنن الله في المجتمعات، لها علاقة بالحاجات الإنسانية وبمضامين هذه الدعوة، وعلى رأسها رسالة التوحيد، التي تمثل قانون الوجود الأمثل، ولا تزال هذه الحاجة قائمة، وتزداد الحاجة كلما شعرت الإنسانية بالفساد والضلال وانحرافها عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وذلك بسبب ما يطرأ عليها من انحرافات عقدية وسلوكية، ويكون هناك تقصير من الأمة المصطفاة للقيام بهذه الرسالة.

قد نغفل عن هذه المهمة، بسبب ما تراكم من تطور معرفي وتطور تكنولوجي، فانشغلنا بالحياة الدنيا عن المصير الأخروي، فحُرمت الإنسانية من الكثير من فضائل الدين الذي نحن مأمورون بتبليغه للناس، بسبب انغماسنا في مساعي الصراعات السياسية، وتقديم قضايا التدافع المادي على التدافع الثقافي والفكري والعقدي، فلم نتمكن من تحقيق ما نصبو إليه من أوهام تعلقنا بها، ولا بلغنا الرسالة التي في أعناقنا إلى الذين هم في أمس الحاجة إليها، من المجتمعات الغربية والشرقية على حد سواء، من الذين شبعوا من الدنيا وملذاتها، وهم يبحثون عمّن ينقذهم من انعكاسات هذا الرفاه والتخمة المادية المحضة.

إن الدعوة إلى الله قائمة إلى قيام الساعة، وإذا لم تقم بها هذه الأمة، فلن يقوم بها غيرها، بل إن كل تقصير في ذلك يكون له من التداعيات ما لا يُحصى من الرذائل والموبقات؛ لأن الحياة كما خلقها الله فيها جانب على عاتق النبوة، المتمثل في الدعوة إلى الله، وجانب آخر مهمة الشيطان، المتمثلة في الإغواء: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82]، والإنسان بطبيعته التي خلق عليها مهيأ لاستقبال هذه وتلك من الدعوات: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10].

إن الدعوة إلى الله ليست تعليمات وأوامر ونواهي فحسب، وإنما هي هداية الله إلى عباده، تشمل جميع مناحي الحياة، منها ما يتعلق بتقرير الأحكام والتوجيهات العبادية والقيمية، التي جاء بها الإسلام، وهي ليست مستوى واحدًا، وإنما هي مستويات متفاوتة، يمكن أن يكون فيها المؤمن العامي مصدر هداية لغير المؤمن بما يقوم به من التزامات شرعية… فتكون مثلًا دعوةً بفضل اهتمام الفرد المؤمن بنفسه، فيوطنها على الاستقامة والقول الحسن وفعل الخير، ونظافة المظهر والمخبر، بحيث يكون قدوة لكل من يراه… وكثيرًا ما تكلم المهتدون إلى الإسلام أن سبب إسلامهم أفعالٌ وسلوكات إيمانية لاحظوها على مؤمن يقوم بواجباته بعفوية وطبيعة، ربما تحولت إلى عادة… ثم ترتقي مستويات الدعوة إلى مراتب ومراقٍ أخرى، يقوم بها العلماء والمتخصصون في مجالات كثيرة، وكل ذلك من الدعوة إلى الله التي لا ينبغي أن يخلو منها عصر أو مصر.

وهذا المستوى في فهم معنى الدعوة إلى الله وشموليتها وعمومها هو نفس المعنى الذي قرره الوحي لمصطلح الجهاد، بوصفه فعلًا متعديًا إلى الغير في نشر القيم وتثبيتها في حياة الناس، واعتبارها غاية سامية تهدف إلى تعبيد الناس لله رب العالمين.

قال العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله: “لما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام وقبته، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرفعة في الدنيا، فهم الأعلون في الدنيا والآخرة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا منه، واستولى على أنواعه كلها، فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجنان والدعوة والبيان والسيف والسنان، وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده، ولهذا كان أرفع العالمين ذكرًا، وأعظمهم عند الله قدرًا. وأمره الله تعالى بالجهاد من حين بعثه، وقال: ﴿ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا﴾ [الفرقان: 51]، فهذه سورة مكية أُمر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن، وكذلك جهاد المنافقين إنما هو بتبليغ الحجة، وإلا فهم تحت قهر أهل الإسلام، قال تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير﴾ [التوبة: 73]، فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواص الأمة وورثة الرسل، والقائمون به أفراد في العالم، والمشاركون فيه والمعاونون عليه، وإن كانوا هم الأقلين عددًا، فهم الأعظمون عند الله قدرًا.

ولما كان من أفضل الجهاد قول الحق مع شدة المعارض، مثل أن تتكلم به عند من تخاف سطوته وأذاه، كان للرسل -صلوات الله عليهم وسلامه- من ذلك الحظ الأوفر، وكان لنبينا -صلوات الله وسلامه عليه- من ذلك أكمل الجهاد وأتمه”.

ورغم وضوح هذه المهمة، فإن واقع الأمة وتفاعلها مع الموضوع قد مرّ بتقلبات كثيرة، بلغ بعضها مستوى من التفاؤل الكبير بفضل الانتفاضات الثقافية التي شهدتها الساحة الإسلامية خلال ثمانينيات القرن العشرين فيما يعرف بالصحوة، كما شهدت الكثير من الاختلالات والانتكاسات التي أوقعت الأمة في مطبات كانت سببًا في اضطرابات أخلّت بجوهر الموضوع… فمثلما أوجدت الدعوة الإسلامية موقعًا لها في ظل الصراع الفكري الأيديولوجي، في عقود الحرب الباردة، بحيث تحولت إلى رقم لا يمكن تجاوزه، فقد سجلت إخفاقات داخلية لم يعد من السهل تجاوزها، وهي تُساق اليوم على أنها هزيمة للإسلام السياسي، أو هي انحراف للخطاب الإسلامي عن الجادة..

ولكل ذلك أسباب مباشرة وغير مباشرة، ولكل من يتكلم في هذا الموضوع يمكنه أن يستحضر ما يريد الوصول إليه في هذا الاتجاه أو ذاك؛ لعمق الموضوع وشساعة مساحاته الكبرى، ولكن مع ذلك يبقى موضوع الدعوة إلى الله بالنسبة للإنسانية مكسبًا مهمًا ينبغي أن نحرص عليه وعلى بقائه للجميع؛ لأنه الساحة الوحيدة التي تضمن الحرية والحياد والحوار والتعارف والالتقاء على المعروف واستهجان المنكر.

ذلك أن الدعوة إلى الله هي ميراث النبوة وحاملة الرسالة العاملة على تقرير مراد الله سبحانه في الوجود.

إن حاجة الإنسانية لهذه الدعوة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بسبب الفراغ الذي يغطي مساحات واسعة من حياة البشر غير المسلمين خاصة، وهي مساحات لا يغطيها إلا الإيمان بالله، ومع ذلك لا نزال غافلين عن ذلك، منشغلين بما دون ذلك من الأعمال التي أقنعنا أنفسنا بأنها الأولى… لا شك أن معاناتنا من مظالم الغرب، ربما تشغلنا عن تقديم الهداية له، وربما كانت أحقادنا التي نكنها له بسبب جرائمه التي تعاني منها الأمة، ولكن إذا جاز هذا لعامة الأمة، فما كان ينبغي أن تنشغل نخب الأمة بذلك؛ بل إن شعورها بواجب التبليغ لهذا الغرب الظالم ربما كان سببًا في إصلاح حاله، لا سيما الشعوب التي لا تدري شيئًا عن مظالم حكامها الفاسدين.

ولذلك أرى من الضروري الاستثمار في العمل الدعوي في الغرب، والانشغال به عن غيره من الأعمال الأخرى، ومنها الجانب السياسي الذي يمثل “الجعجعة بلا طحين”

وما كشفت عنه حركة الشعوب الغربية من مساندة لحركة المقاومة، لَخيرُ شاهدٍ على حاجة هذه الشعوب إلى البلاغ المبين في جميع المجالات، وذلك هو جوهر الدعوة إلى الله.

التهامي مجوري
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين |  + posts

أخبار ذات صلة

المصلحون وعصر “التفاهة”

إنَّ مِنْ أهمِّ ما ينبغي أنْ ينشغلَ بهِ المصلِحونَ في

الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز بين الإصلاح الراشدي والتمكين الحضاري

(قراءة ومراجعة في كتاب الدكتور علي محمد الصلابي) يأتي كتاب

حين تتعدّد الأصوات… من يضبط معيار الحق؟

يتحرّك الإنسان اليوم داخل فضاءٍ واسعٍ من الأصوات المتداخلة، والخطابات