آخر الأخبار

الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز بين الإصلاح الراشدي والتمكين الحضاري

Picture of د. طالب عبد الجبار الدغيم

د. طالب عبد الجبار الدغيم

شارك المقال على :

(قراءة ومراجعة في كتاب الدكتور علي محمد الصلابي)

يأتي كتاب الخليفة الراشد والمصلح الكبير عمر بن عبد العزيز ومعالم التجديد والإصلاح الراشدي على منهاج النبوةللشيخ الدكتور علي محمد الصلابي ضمن مشروعه الواسع في قراءة التاريخ الإسلامي قراءةً تجمع بين التوثيق والتحليل، وبين الرواية والرؤية، وبين استحضار الماضي واستلهام سننه في الحاضر. وإن هذا الكتاب، على امتداده واتساع موضوعاته، لا يقدّم سيرةً تقليدية لعمر بن عبد العزيز (رحمه الله) بقدر ما يسعى إلى إعادة اكتشاف تجربته بوصفها نموذجاً إصلاحياً متكاملاً في التاريخ الإسلامي، ونقطة التقاء بين العقيدة والسياسة، وبين الزهد الشخصي وإستراتيجية إدارة الدولة، وبين الأخلاق والنهوض الحضاري.

ومن الصفحات الأولى يتّضح أن الدكتور علي محمد الصلابي لا ينظر إلى عمر بن عبد العزيز باعتباره شخصيةً استثنائية في تاريخ بني أمية فحسب، وإنما يراه امتداداً لتجربة الخلافة الراشدة داخل الدولة الأموية، ومحاولة تاريخية لإعادة السلطة إلى قيم النبوة والعدل والشورى بعد أن أخذت الدولة تميل إلى منطق الملك والوراثة والصراع السياسي والتنافس على السلطة. ولهذا فإن الكتاب يتحرك في مستويين متوازيين؛ مستوى السيرة التاريخية، ومستوى فقه الإصلاح الحضاري.

ويُلاحظ أن المؤلف بنى كتابه وفق منهجٍ متدرّج يبدأ بتكوين شخصية عمر بن عبد العزيز العلمية والروحية والسياسية، قبل أن ينتقل إلى مشروعه الإصلاحي في الحكم. وهذه البداية ذات دلالة منهجية مهمة؛ إذ لا يتعامل الشيخ الصلابي مع الإصلاح كونه إجراءاً سياسياً مفاجئاً، وإنما باعتباره ثمرة بناء طويل للإنسان من الداخل: علماً، وورعاً، وخبرةً، وفقهاً، ووعياً بمسؤولية الحكم. ولذلك يركّز على نشأته في المدينة، وصلته بالعلماء، وتأثره بفقهاء التابعين، ليؤكد أن مشروعه الإصلاحي لم يولد من فراغ، وإنما تخرج من مدرسة علمية وتربوية متجذّرة في ميراث النبوة.

ومن ثم ينتقل الكتاب إلى مرحلة الخلافة، وهنا تتجلّى قوة العمل؛ لأن الشيخ الصلابي لا يكتفي بعرض الأحداث التاريخية في عهد عمر بن عبد العزيز، وإنما هو يحاول تحليل فلسفة الحكم عنده. فالخلافة في تصوره كانت أمانة شرعية ومسؤولية أخلاقية، ولهذا بدأ مشروعه بردّ المظالم، وعزل الولاة الظالمين، وتقليص اِمتيازات الأسرة الحاكمة، وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والرعية على أساس العدل. ومن خلال هذه القراءة يبرز الكتاب كيف تحوّل مفهوم الحكم عند عمر من إدارةٍ للقوة إلى دعوة إلى الحق، ومن توسيعٍ للسلطة إلى نشر الرخاء وإقامة القسط بين الناس.

ومن أبرز ما يميّز الكتاب أن الدكتور الصلابي لا يفصل الإصلاح السياسي عن الإصلاح العقدي والتربوي؛ فنراه يخصص مساحة واسعة للحديث عن عقيدة عمر بن عبد العزيز، وحرصه على نشر منهج أهل السنة والجماعة، واعتصامه بالقرآن والسنة، وموقفه من الفرق والانحرافات الفكرية. وهذه المعالجة تكشف رؤية المؤلف نفسه؛ فهو يرى أن الخلل السياسي في التاريخ الإسلامي لم يكن منفصلاً عن الاضطراب الفكري والعقدي والأخلاقي، وأن إصلاح الدولة يبدأ من إصلاح المرجعية التي تحكمها، وأن إصلاح الأفراد يكون بالتربية والإعداد الأخلاقي، والنفسي، والقيمي، والروحي. ولذلك تبدو العقيدة في هذا الكتاب أساساً لبناء العدالة والاستقرار ووحدة الأمة.

كما يبرز في الكتاب اهتمام واضح بالبُعد الاجتماعي والإنساني في تجربة عمر بن عبد العزيز رحمه الله. فالدكتور الصلابي يقدّم عمر بوصفه مصلحاً للمجتمع بقدر ما هو مصلح للدولة؛ إذ يتحدث عن عنايته بالفقراء، وقضاء ديون الغارمين، وفك أسرى المسلمين، وإغناء المحتاجين، ومحاربة العصبية القبلية، وتقريب الناس من بعضهم بعضًا. وهذه المعالجة تمنح الكتاب بُعداً أخلاقياً عميقاً؛ لأن الإصلاح عند الخلفية عمر كان إصلاحاً للإنسان نفسه، وإعادة بناء للعلاقات الاجتماعية على أساس الرحمة والأمن والعدل.

وفي الجانب العلمي، يولي الدكتور علي محمد الصلابي أهمية كبيرة لدور العلماء في مشروع الخليفة عمر الإصلاحي، فيعرض علاقته بالإمام الحسن البصري وغيره من علماء التابعين رحمهم الله، واهتمامه بنشر العلم وتدوين السنة النبوية، وربطه بين الحكم والعلم. وهذه النقطة من أكثر النقاط أهمية في الكتاب؛ لأنها تكشف أن مشروع عمر كان قائماً على شراكة بين السلطة والعلم، وبين الدولة والمرجعية الشرعية، وهو ما منح تجربته عمقها واستقرارها.

أما على المستوى المنهجي، فإن الكتاب يقوم على منهجٍ مركّب يجمع بين:

Ø      التوثيق التاريخي

Ø      والتحليل السياسي

Ø      والقراءة العقدية

Ø      والاستنباط التربوي

Ø      والرؤية الحضارية

فالدكتور الصلابي لا يتعامل مع التاريخ بوصفه أرشيفاً للأحداث، وإنما باعتباره مجالاً لظهور السنن الإلهية في حياة الأمم والدول. ولهذا تتكرر في الكتاب فكرة أن قيام الحضارات وسقوطها مرتبط بالعدل والإحسان والظلم والفساد والترف، وبمدى قرب الدولة أو بعدها عن منهج الله تعالى. ومن هنا تتحول سيرة الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى شاهدٍ تاريخي على قدرة الإسلام على إنتاج نموذج حضاري متوازن بين الجانب الروحي والمادي والسياسي.

ومن الجوانب اللافتة أيضاً أن الكتاب لا يغرق في المثالية المجردة؛ فالدكتور علي محمد الصلابي يعرض التحديات التي واجهها الخليفة عمر بن عبد العزيز، والمقاومة التي تعرّض لها مشروعه الإصلاحي داخل بنية الدولة الأموية نفسها، ويبيّن كيف اصطدمت محاولات الإصلاح بمصالح القوى النافذة، وهو ما يمنح القراءة قدراً من الواقعية التاريخية، ويجعل التجربة أكثر عمقاً من صورة مثالية للحاكم العادل.

وعلى مستوى الأثر، يمكن القول إن الكتاب نجح في إعادة تقديم الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله للأجيال المعاصرة بوصفه نموذجاً عملياً للإصلاح الإسلامي الممكن. فهو يربط بين السيرة والواقع، وبين التاريخ والحاضر، ويجعل من تجربة عمر مساحة للتفكير في قضايا العدالة، والحكم الرشيد، والعلاقة بين السلطة والقيم، ودور العقيدة في بناء الدولة والمجتمع.

وبناء على ذلك، فإن القيمة الكبرى لهذا الكتاب تتمثل في كثافة مادته التاريخية، وكذلك في الرؤية التي تحكمه؛ إذ يقدّم التاريخ الإسلامي على أنه تاريخاً حيّاً يحمل قوانين وسنناً قابلة للفهم والاستلهام. ولذلك فإن كتاب الدكتور الصلابي عن عمر بن عبد العزيز يتجاوز هو نموذج لفكرة الشهود الحضاري التي شغلته طيلة سنوات تأليفهـ وهو دائماً يعيدسؤال الإصلاح الإسلامي من داخل التجربة التاريخية نفسها.

وفي نهاية المطاف، فإن هذا الكتاب يعد واحدة من الدراسات التاريخية الإسلامية المعاصرة التي نجحت في الجمع بين أصالة المرجعية الإسلامية ووعي القراءة التاريخية، وبين قوة التوثيق وعمق التحليل، وهو ما يجعله عملاً متميزاً ومصدراً رئيسياً في فهم شخصية عمر بن عبد العزيز لدى الجيل الجديد بلغة سلسة وهينة، وفهم معنى الإصلاح الراشدي في التاريخ الإسلامي، بالإضافة إلى فهم العلاقة العميقة بين الإيمان والعدل والعمران في التجربة الحضارية الإسلامية التي كانت مرحلة حكم الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله ورضي عنه إحدى أبرز محطاتها في تاريخنا الإسلامي.

حمّل الكتاب مجاناً من الموقع الرسمي للدكتور علي محمد الصلابي:

https://alsalabi.com/salabibooksOnePage/798

أو رابط جوجل درايف:

https://drive.google.com/file/d/18TR2pIrIrU2VpxeauPi9Ma8bY9cp_Ptv/view?usp=drive_link

د. طالب عبد الجبار الدغيم
كاتب وباحث سوري |  + posts

أخبار ذات صلة

أين الدعوة إلى الله؟

إن الدعوة إلى الله بالنسبة للمسلم خاصة، والبشرية عامة، إحياءٌ

المصلحون وعصر “التفاهة”

إنَّ مِنْ أهمِّ ما ينبغي أنْ ينشغلَ بهِ المصلِحونَ في

حين تتعدّد الأصوات… من يضبط معيار الحق؟

يتحرّك الإنسان اليوم داخل فضاءٍ واسعٍ من الأصوات المتداخلة، والخطابات