السنة المهجورة التي تقضى بها الحاجات وينال بها أجر وثواب الصدقات
بقلم: الأستاذ بن سالم باهشام
(سلسلة خطبة الجمعة)
عباد الله، روى مسلم في صحيحه، عن أبي ذرٍّ الغفاري رضي الله عنه قال: قال لي النَّبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعروفِ شيئًا، ولو أنْ تَلْقَى أخاكَ بوَجْهٍ طَلْقٍ.)،[رواه مسلم (2626) ]
أي لا تقلل مِنَ المَعروفِ شيئًا، ولو أنْ تَلْقَى أخاكَ بوَجْهٍ سهل منبسط. وفي الحديث حث على فضل المعروف، وما تيسَّر منه وإن قلَّ، حتى طلاقة الوجه عند اللِّقاء، وروى الترمذي وحسنه، وأحمد، والطبراني في المعجم الأوسط، والبغوي في شرح السنة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلُّ معروف صدقة، وإنَّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْق) [رواه الترمذي (1970)، وأحمد (3/360) (14920)، والطبراني في المعجم الأوسط (9/31) (9044) وحسنه الترمذي، والبغوي في شرح السنة (3/406)]، أي: من جملة أفراد المعروف ؛أن تلقى أخاك المسلم، منبسط الوجه متهلِّله، ضاحكا مستبشرا، وذلك لما فيه من إيناس الأخ المؤمن، ودفع الإيحاش عنه، وجبر خاطره، وبذلك يحصل التَّأليف المطلوب بين المؤمنين، لأنَّ الظَّاهر عنوان الباطن، فلُقْيَاه بذلك، يشعر لمحبَّتك له، وفرحك بلُقْيَاه، والمطلوب من المؤمنين التوادُّ والتحابُّ.
وروى الترمذي، والبزار، وابن حبان، وقال الترمذي: حسن غريب، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة،…) الحديث، [رواه الترمذي (1956)، والبزار (9/457) (4070)، وابن حبان (2/287) (529). قال الترمذي: حسن غريب. وصححه شعيب الأرناوؤط في تحقيق صحيح ابن حبان (2/287).]، أي إظهارك لأخيك المسلم البَشَاشَة، والبِشْر إذا لقيته، تؤجر عليه ، كما تؤجر على الصَّدقة، قال بعض العارفين بالله: [التبسُّم والبِشْر من آثار أنوار القلب، قال تعالى في سورة عبس: ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ) ] [سورة عبس، الآيتان: 38 – 39 ]، والبَشَاشَة مصيدة المودَّة، و البِرُّ شيء هيِّن، وجه طليق، وكلام ليِّن، وفيه رَدٌّ على العالم الذي يصَعِّر خدَّه للناس، كأنَّه معرض عنهم، وعلى العابد الذي يعبِّس وجهه ويقطِّب جبينه، كأنَّه منزَّهٌ عن النَّاس، مستقذر لهم، أو غضبان عليهم، قال الغزالي رحمه الله: (ولا يعلم المسكين أنَّ الورع ؛ ليس في الجبهة حتى يُقَطَّب، ولا في الوجه حتى يُعَفَّر، ولا في الخدِّ حتى يُصَعَّر، ولا في الظَّهر حتى ينحني، ولا في الذَّيل حتى يُضَمَّ، إنَّما الورع في القلب). [فيض القدير (3/226). ]، ومن فوائد هذا الحديث، أنَّ لقاء النَّاس بالتَّبسُّم، وطلاقة الوجه، من أخلاق النُّبوة، وهو مناف للتكبُّر، وجالب للمودَّة. [ابن بطال، شرح صحيح البخاري (5/193)].
عباد الله، الابتسامة في وجه الناس عموما والمسلمين خصوصا، والتي هي السنة المهجورة، والخلق المتروك، ليست صدقة فقط ينال بصاحبها الأجر والثواب، بل تقضى بها الحاجات كذلك، فهي مفتاح لكل خير، مغلاق لكل شر، والشواهد من الواقع المعيش الذي هو محك التجارب كثيرة، ودليل على صحة هذه الحقيقة، من ذلك؛ أن رجلا توجه إلى إحدى الإدارات العمومية، قصد إنجاز بعض أغراضه، فقصد أحد الموظفين دون غيرهم، وقال له: “لقد جئتك مبعوثا من قبل أحد الأشخاص المهمين لقضاء حاجتي عندكم في هذه الإدارة، ولم يرد الرجل أن يفصح له عن هوية من أرسله إلا بعد إنجاز مطلبه، عندها قال له: إن الذي بعثني عندك ؛ هو الرسول صلى الله عليه وسلم، فتعجب الموظف من كلامه الغريب، وقال: كيف أرسلك الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ ومتى كان ذلك؟ وكيف تم؟ ومن عرّفه بي؟ فأجابه بالأثر الذي رواه ابن أبى الدنيا في قضاء الحوائج ، والدارقطني في الأفراد، عن أبى هريرة رضي الله عنه. وابن أبى شيبة عن عطاء مرسلاً، (الْتَمِسُوا الْخَيْرَ عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ)، والحديث ورد بألفاظ مختلفة منها : (اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه)، (اطلبوا الخير عند حسان الوجوه)، (اطلبوا حوائجكم عند حسان الوجوه)، وعند بعضهم من الزيادة : (فإن قضى حاجتك قضاها بوجه طلق، وإن ردك ، ردك بوجه طلق، فرب حسن الوجه ذميمه عند طلب الحاجة، ورب ذميم الوجه حسنه عند طلب الحاجة)، وفي رواية للخطيب: (الْتَمِسُوا الْخَيْرَ عِنْدَ صباح الوجوه) ؛ أي: الوجوه الطلقة المستبشرة ؛ فإن الوجه الجميل، مظنة لفعل الجميل؛ [أخرجه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج (ص 58 ، رقم 53) ، والدارقطني في الأفراد، كما في أطراف ابن طاهر (5/239/5382) . وابن الجوزي في الموضوعات (2/498 ، رقم 1064) ،وقال : هذا حديث لا يصح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من جميع جهاته .وحديث عطاء المرسل : أخرجه ابن أبى شيبة (5/299 ، رقم 26277)]، وبعدها قال الرجل للموظف، وبناء على هذا الحديث النبوي الشريف، تصفحت وجوه الموظفين في إدارتكم، فما وجدت وجها بشوشا مبتسما غيرك، لهذا قصدتك دونهم، وها أنت والحمد لله؛ وقفت بجانبي، وقضيت حاجتي.
عباد الله، إن بين الخلْق؛ والخلُق تناسب قريب غالبا؛ فإنه قلّ صورة حسنة يتبعها نفس رديئة؛ وطلاقة الوجه عنوان ما في النفس؛ وليس في الأرض من قبيح إلا ووجهه أحسن ما فيه.
عباد الله، إن الابتسامة خلق كريم ، ينم على صفاء القلب وطهارته، ولقد ارتقى بها الإسلام فجعلها عبادة وخلقا وصدقة، ليُكثر الفرد من هذه الصدقة، ويتحلى بهذا الخلق، ويتقرب إلى الله بهذه العبادة، فيبتسم في وجه كل من لاقاه، بدءا من الوالدين، وانتقالا إلى الزوجين، ومرورا بالأبناء، وانتهاء بأفراد المجتمع.
عباد الله، إن الابتسامة هي سر وقبول الأشخاص من حولك، والابتسامة لا تكلف شيئاً، ولكنّها تعني الكثير، الابتسامة في ديننا الإسلامي الحنيف، تعني الصدقة، وتعني الخلق الحسن الذي هو مقصد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي من ضمنه أن يكون الشخص بشاشا هشاشا، و الابتسامة تنشر روح الأمل والتفاؤل بين الناس، فما أجمل أن تنشر أيها المؤمن، وأنت أيتها المؤمنة، الابتسامة، وتنشر معها روح البهجة فيما حولكم.
عباد الله، إن للابتسامة فوائد كثيرة، لا تعد ولا تحصى، ولا نكون مبالغين إذا قلنا: إن الابتسامة هي أساس التنمية البشرية، بحيث إن الإنسان وبخاصة في حياتنا المعاصرة، في أمس الحاجة عادة إلى الراحة الجسدية والعقلية والنفسية، حيث تشابكت سبل الحياة وتعقدت، وأمست المزعجات والمُنغِصات تطاردنا في كل مكان، وحتى لا نرضخ للأمر الواقع، علينا أن نرتفع فوق هذه المنغصات، ونرسلها ابتسامة هادئة ساخرة من كل هذه الأحداث، حتى تحفظ توازننا العقلي، والجسدي، والسكينة لأنفسنا، وبهذا تكون الابتسامة دربا من دروب المناعة النفسية التي تحول بيننا وبين التأثر بما نتعرض إليه من ضغوط في هذه الحياة – وما أكثرها – ، كما أن الابتسامة كما أثبت العلم الحديث، تسارع في التماثل إلى الشفاء من الأمراض، وهي خير علاج لقلب الإنسان، لأن الابتسامة هي غذاء للنفس والروح، لأنها تساعد على الهضم، وتحفظ الشباب، وتزيد العمر، وتنعش الابتسامة عملنا، وتدفعه إلى الأمام، وتجعله محببًا إلينا. كما تزيد الابتسامة من نشاط الذهن ومردوده، وتقوي القدرة على تثبيت الذكريات، وتوسيع ساحة الانتباه، والتعمق الفكري، وبالتالي يصبح المرء أقدر على التخيل والإبداع؛ ودقة التفكير، وتبعث الابتسامة فينا السعادة الداخلية، وبالتالي تزداد إشراقة الوجه من جديد بالحيوية والنشاط.
عباد الله، الابتسامة هي سلوى للقلوب المفجوعة، ودواء للجروح العميقة، وهي سبيل إلى توسيع الشرايين والأوردة، وتنشيط الدورة الدموية، وتعميق التنفس، وحمل الأكسجين إلى أبعد أطراف الجسم. وهي تؤدي بنفس الوقت إلى زيادة إفرازات الغدد الصم ، مثل غدة البنكرياس، والغدد الكظرية والدرقية والنخامية والتوتة، وفي مقدمة تلك الغدد القلب ، لأن القلب غدة صماء أيضًا ، ويفرز هرمون الببتيد الأذيني المدر للصوديوم.، وقد اكتشف العلم كذلك أن الابتسامة تزيد بصورة خاصة من إفراز مادة البيتاإندورفين، وهي الهرمون الذي يصل إلى خلايا الدماغ، ويعطي أثرًا مخدرًا شبيهًا بأثر المورفين، ومن نتائج ذلك ، خلود الإنسان إلى النوم الرغيد. وهذه نقطة مهمة لأصحاب الكآبة الذين يعانون بصورة خاصة الأرق والقلق والنوم الممتلئ بالكوابيس.
عباد الله، تعتبر الابتسامة شعاعًا من أشعة الشمس، وبلسمًا حقيقيًا للشفاء من الأمراض، ومتنفسًا هادئاً لأصحاب التوترات العصبية، والاضطرابات النفسية، وكم يود المريض أن يرى وهو جالس على سرير المرض، ابتسامة الطبيب المعالج له، أو الممرضة المشرفة على علاجه، أو حتى على شفاه أحد أصدقائه وأهله ومحبيه من عواده، لأن الابتسامة في وجه المريض لها أهمية كبرى في الشفاء، وخاصة لمرضى القلب والسرطان، ويجب أن تكون ابتسامة صافية، بريئة وعريضة، مفعمة بالحب والعطف والحنان، لأنها تعتبر في تلك اللحظة المفتاح الأول ، وضوء الأمل بزوال المرض، والتمسك بالحياة، رغم صعوبة تلك الأمراض، وهكذا سمي الطبيب طبيبًا لترفقه ومداراته، والحكيم حكيمًا لأنه يعرف المريض والمرض.
عباد الله، إن الابتسامة هبة من الله عز وجل للطبيعة البشرية، لإنعاش الأعضاء واسترخائها، وكذلك فيها حركة آلية ذاتية لتدليك الكثير من الأعضاء، وبالأخص بواسطة الحجاب الحاجز الذي يؤثر على الرئتين، فيساعد على دخول وخروج الهواء بسرعة،. فانشروا عباد الله، هذا الخلق العظيم بينكم ؛ تؤجروا وتسعدوا دنيا وأخرى، فما أحوج الإدارات في بلدنا إلى ابتسام مديرهم في وجه موظفيه، وما أحوج المواطنين إلى ابتسامة الموظفين في وجوههم، وما أحوج المرضى إلى ابتسامة الأطباء في وجوههم، وما أحوجهم إلى ابتسامة عوادهم في وجوههم، وما أحوج التلاميذ إلى ابتسامة الطاقم التربوي في مؤسساتهم التعليمية، وما أحوج الزوجات إلى ابتسامة أزوجاهم عند الدخول إلى منازلهم، وما أحوج الأزواج إلى ابتسامة زوجاتهم في وجوههم عند استقبالهم، وما أحوج الأبناء إلى ابتسامة والديهم في وجوههم…، إنها عبادة سهلة على من سهلها الله عليه، وخلق حميد ينم على صفاء القلوب وطهارتها، وصدقة لا تتطلب جهدا ولا مالا ولا مشقة، فاعرفوا قيمة الابتسامة، وعيشوا مبتسمين ، حتى تموتوا مبتسمين، وتحشروا مبتسمين، فمن شب على شيء شاب عليه، ومن شاب على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، قال تعالى في سورة عبس: (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ *وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ) [عبس: 33 – 42]، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* بن سالم باهشام؛ أستاذ العلوم الشرعية بخنيفرة المغرب. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء المغرب.