يتحرّك الإنسان اليوم داخل فضاءٍ واسعٍ من الأصوات المتداخلة، والخطابات المتزاحمة، والمفاهيم المتحوّلة، حتى غدا الحكم على الأشياء ساحةً مفتوحةً لتأثيراتٍ متراكمة، تُشكّل المواقف أكثر مما تُبنى على ميزانٍ واضحٍ أو أصلٍ مستقر. وفي قلب هذا المشهد تتقدّم مسألة حاسمة تتصل بجذر الوعي ذاته: من يحدّد الحق؟ وبأي معيار يُعرف؟
القضية ليست في كثرة الأقوال، بل في الميزان الذي تُعرض عليه تلك الأقوال؛ فحين يستقرّ المعيار تنتظم الرؤية، وحين يضطرب تختلط المواقف، مهما بدا في الظاهر من كثرة الاستدلال وتنوّع العناوين. ومن هنا يبدأ الإصلاح من موضعه الصحيح: من تثبيت معيار الحكم قبل تتبع صور الخلاف.
أولًا: الوحي… المصدر الذي يستقر عليه كل حكم
يضع القرآن هذا الأصل في صورةٍ قاطعةٍ لا تقبل التردّد:
﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]،
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 10].
ويأتي البيان النبوي ليجعل الطريق بيّنًا في غاية الوضوح:
«وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله» (مسلم: 1218)،
«ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (سنن الترمذي: 2831).
في هذا البناء تتكامل صورة المعيار:
الوحي أصل الحكم،
والاتباع طريق السلامة،
والحق ثابت بثبات مصدره، ممتدٌّ بامتداد هديه، محفوظٌ من تقلب الأذواق وتحوّل الاتجاهات.
ومن جعل الوحي مرجعه، استقرت لديه جهة النظر، واتّسق عنده الحكم، وأصبح قادرًا على التعامل مع تعدد الأقوال دون أن يفقد ميزانه.
ثانيًا: الدليل… حيث تُبنى القناعة ويستقيم الحكم
حين يستقرّ الوحي مرجعًا، تتشكل قاعدة فاصلة في بناء الوعي:
«اعرف الحق تعرف أهله» (ابن عبد البر، 2/91)،
«يُعرف الرجال بالحق» (إعلام الموقعين، 1/50).
بهذه القاعدة ينتقل مركز الحكم انتقالًا واضحًا:
من الأشخاص إلى المعاني،
ومن الانبهار بالأسماء إلى فحص الأدلة،
ومن التأثر بالمكانة إلى التثبّت من البرهان.
فالقيمة الحقيقية للقول تنبع من موافقته للوحي، لا من شهرة قائله، ولا من اتساع دائرته. ولهذا جاء البيان القرآني حاسمًا:
﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116].
فتتضح المعادلة بجلاء:
الذيوع ظاهرة… والدليل يُقرّر القيمة.
ثالثًا: المؤثرات… حضورٌ قويّ لا يصنع معيارًا
تتشكل المواقف في الواقع تحت ضغط عوامل متعدّدة:
الكثرة، والإعلام، والانتماء، والعاطفة، والعرف السائد.
وهذه العوامل تترك أثرًا في النفوس، وتوجّه كثيرًا من الاختيارات، لكنها لا تملك صفة الحسم في تحديد الحق.
فالكثرة لا تمنح القول صحته،
والعاطفة لا تمنحه دلالته،
والانتماء لا يحدّد قيمته.
وتستقيم الرؤية حين تُفهم هذه المؤثرات في موقعها الصحيح:
تُعرض على الميزان… ولا تقوم مقامه.
وبهذا يستعيد العقل توازنه، ويخرج من دائرة التأثر إلى فضاء التمييز.
رابعًا: الفهم الراشد… حيث ينتظم النص وتتحقق الدلالة
ثبوت المصدر يحتاج إلى فهمٍ يُحسن إدراكه، ويضبط دلالته، ويوجّه تنزيله.
وقد جاء التوجيه القرآني واضحًا في هذا الباب:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: 43]،
﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83].
ويتحدد مسار الفهم في أصول متكاملة:
اتباع هدي النبي ﷺ،
الاقتداء بفهم الصحابة،
الرجوع إلى أهل العلم في البيان والاستنباط.
وقال الإمام مالك:
«كلٌّ يؤخذ من قوله ويُردّ إلا صاحب هذا القبر» (القاضي عياض، التنبيهات المستنبطة: 112).
فتتضح العلاقة بدقة:
العلماء يقرّبون المعنى،
ويكشفون الدلالة،
ويربطون النص بالواقع،
بينما المرجعية العليا تبقى للوحي الذي تُوزن به الأقوال.
خامسًا: من التأصيل إلى التطبيق… كيف يعمل الميزان في الواقع؟
حين ينتقل المعيار من البناء النظري إلى ساحة الحياة، تتجسد معالمه في قواعد عملية واضحة، يتبين من خلالها مسار الحكم واتجاه النظر، ومن ذلك:
- · وزن الأقوال بالدليل: تُفهم المواقف في سياقها، وتُقوَّم بمقدار موافقتها للوحي.
- · تمييز التأثير عن الحقيقة: ما ينتشر يُدرك، وما يقوم عليه البرهان يُعتمد.
- · ربط النص بالواقع: تُقرأ الأحكام في سياقاتها، ويُحسن تنزيلها دون انفصال.
- · ضبط الانفعال: يتجه الحكم إلى التحقيق، فيستقر بعيدًا عن الاندفاع.
- · الرجوع إلى أهل الاختصاص: تُبنى المواقف على العلم، فيتحقق الاتزان.
بهذه القواعد يتحول معيار الحق من مفهومٍ عام إلى ممارسةٍ واعية، ويغدو الإنسان قادرًا على التعامل مع الواقع دون أن يفقد بوصلته.
سادسًا: أثر الميزان… وعيٌ ثابت ومسارٌ مستقيم
حين يستقر هذا الميزان في الداخل، يتغيّر شكل النظر قبل أن تتغيّر النتائج:
تتضح الرؤية،
تستقر المواقف،
يهدأ الاضطراب،
يثبت المسار.
وينتقل الإنسان من التلقي المتأثر إلى الحكم المنضبط، ومن التردد أمام كثرة الأقوال إلى الطمأنينة بوضوح المرجع. ويتشكّل وعيٌ قادر على التمييز بثبات، وعلى السير بثقة، فيزن قبل أن يندفع، ويتثبت قبل أن يحكم، ويهتدي بنورٍ لا يتبدّل.
وحين تنتظم هذه الأصول في النفس، تستعيد المعرفة توازنها، ويستقيم الحكم على الأشياء، ويغدو الطريق واضحًا لا يتشوش مهما اشتدت الأصوات.
الخاتمة:
معيار الحق في الإسلام يقوم على أصلٍ جامعٍ واضح:
الكتاب والسنة مرجعًا، وما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه طريقًا، وما اجتمعت عليه الأمة توثيقًا؛ فيُعرف الحق بدليله، ويستقيم الفهم بمنهجه، ويتحقق العدل بضبطه.
وباستقرار هذا الميزان يتكوّن وعيٌ راشد، وفهمٌ منضبط، وسلوكٌ مستقيم، في زمنٍ تتعدّد فيه الأصوات ويبقى فيه الحق واحدًا لا يتعدد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
