لم يكن الإغلاق الأخير للمسجد «الأقصى» مجرد إجراء أمني عابر، ولا تدبيراً مؤقتاً فرضته ظروف الحرب كما ادعت سلطات الاحتلال، فما جرى في الحقيقة كان اختباراً عملياً خطيراً، إذ أجاب الإغلاق عن سؤال: هل تستطيع دولة الاحتلال أن تغلق المسجد الأقصى بالكامل 40 يوماً متصلة؛ تشمل 20 يوماً من رمضان بما فيها العشر الأواخر، وليلة السابع والعشرين من رمضان، و5 جُمع متتابعة، ثم تعيد فتحه حين تشاء، من دون أن يترتب على ذلك ثمن سياسي أو قانوني أو شعبي يوازي خطورته؟
والجواب الذي خرجت به دولة الاحتلال من هذه التجربة كان مقلقاً جداً؛ لأنها لم تختبر فقط قدرتها على الإغلاق، بل اختبرت كذلك قدرتها على تحويل فعل الإغلاق نفسه إلى أداة سيادة.
الإغلاق الطويل لم يكن مجرد إجراء أمني وإنما اختبار لمدى قدرة الاحتلال على فرض سيادته على «الأقصى»
أخطر ما في المشهد لم يكن أن المسجد أُغلق، بل أن الإغلاق مرّ بوصفه أمراً قابلاً للتكرار، إذ حين يصبح «الأقصى» خاضعاً لقرار شرطة الاحتلال فتحاً وإغلاقاً، فنحن لا نكون أمام اعتداء على حرية العبادة فحسب، بل أمام إعادة تعريف عملية للجهة التي تتحكم بالمكان، وهذه هي البذرة الأخطر في مسار التهويد؛ انتزاع إدارة الواقع من يد دائرة الأوقاف الإسلامية، وإحلال القرار الشُّرَطي الاحتلالي محلها، بحيث لا يعود الاحتلال مجرد قوة اقتحام، بل يتحول إلى مرجعية تنفيذية عليا تحدد متى يدخل المسلمون، وبأي عدد، وتحت أي شروط، ومتى يُمنعون بالكامل.
وقد حذرنا تكراراً قبل وبعد إعادة فتح المسجد مباشرة من أن مجرد تحكم شرطة الاحتلال بقرار الإغلاق والفتح يمثل خطوة إضافية في تقويض الوضع القائم.
تطبيع السيطرة الأمنية والفتح المشروط
ومن هنا تحديداً، ينبغي قراءة مظاهر التهويد التي برزت بعد الإغلاق، إذ إن أول هذه المظاهر تطبيع السيطرة الأمنية على المسجد؛ فخلال فترة الإغلاق فُرضت إجراءات عسكرية مشددة في محيط «الأقصى»، وأغلقت أبواب البلدة القديمة، ثم استمر التدقيق بالهويات ومنع بعض الشبان والاعتداء على مصلين حتى بعد إعادة فتح المسجد، وهذا يعني أن الفتح لم يكن عودة إلى ما قبل الإغلاق، بل انتقالاً من إغلاق شامل إلى فتح مشروط، ومن منع كامل إلى سماح انتقائي، والتهويد لا يبدأ دائماً ببناء جدار أو هدم مَعْلَمٍ، بل يبدأ أحياناً بتحويل الحق الأصيل إلى إذنٍ مؤقت.
ضرب مركزية الوجود الإسلامي اليومي
ومن مظاهر هذا التهويد كذلك ضرب مركزية الوجود الإسلامي اليومي داخل المسجد، فالمعركة لا تتعلق فقط بالصلاة، بل بكل ما يجعل «الأقصى» فضاء حياة للمقدسيين؛ من حلقات العلم، ووجود العائلات، ولعب الأطفال، والرباط، والاعتكاف، والامتلاء البشري الدائم الذي يَحُول دون تَفَرُّد الاحتلال بالمكان.
الخطر الأكبر يكمن في سلب صلاحيات الأوقاف الإسلامية وتحويل شرطة الاحتلال إلى المرجعية العليا
وهذا المعنى ليس إنشائياً؛ إذ إن أحد أخطر النقاشات التي كُشفت خلال الإغلاق كان توظيف مفهوم «تدنيس الأماكن المقدسة» في تشريعات الاحتلال -ولا سيما ما يسمى قانون الحائط الغربي الذي يخضع حالياً للفحص في كنيست الاحتلال- بما يسمح باستهداف الأنشطة الإسلامية الطبيعية داخل المسجد، لا بوصفها عبادة مشروعة، بل بوصفها «استعمالاً دنيوياً» ينازع التعريف اليهودي لقدسية المكان، وهنا لا يعود التهويد مجرد اقتحام، بل يصبح محاولة لإعادة تعريف ما يجوز للمسلم أن يفعله في مسجده أصلاً.
من «إدارة الاقتحام» إلى «الأفضلية الدينية»
بالإضافة إلى ذلك، فإن الانتقال من إدارة الاقتحام إلى إدارة الأفضلية الدينية اليهودية يعتبر من أهم مظاهر التهويد في المسجد «الأقصى» المبارك، فقبل سنوات كانت دولة الاحتلال تحاول تسويق اقتحامات المستوطنين بوصفها أمراً محدوداً وخاضعاً للضبط، وباعتبارها مجرد زيارات.
أما اليوم، فالمسار أوضح بكثير؛ حيث تقليل الوجود الإسلامي إلى الحد الأدنى، وتوسيع الاقتحامات زمنياً ومادياً ورمزياً، ثم فرض قاعدة غير معلنة مفادُها أن الاعتبار الديني اليهودي يتقدم متى تعارض مع الاعتبار الإسلامي، وهذا المعنى يتقاطع مع الوقائع الميدانية في الأشهر الأخيرة، حيث ارتبط تقييد أعداد المسلمين بملفات الاقتحام والاعتكاف وباب الرحمة، فالاحتلال لا يريد مشاركة في المكان أصلاً، بل يريد أن يصل من خلال المشاركة المزعومة إلى نتيجة واحدة هي تفوق يهوديّ دائم، ومسلمون يدخلون مسجدهم تحت السقف الذي يرسمه لهم شرطي الاحتلال.
استهداف المنجزات الشعبية.. باب الرحمة نموذجاً
وكذلك يبرز عندنا في هذا المجال مسألة استهداف باب الرحمة والمنجزات الشعبية السابقة باعتبارها واحدة من أهم مظاهر تهويد المسجد الأقصى، فالمسار الاحتلالي لا يتحرك إلى الأمام فقط، بل يحاول أيضاً الرجوع إلى الوراء لإلغاء كل ما انتزعه المقدسيون برباطهم في السنوات الماضية.
إعادة الفتح ترافقت مع قيود وإجراءات أمنية مشددة ما يعني تحويل حق المسلمين إلى مجرد «إذن مؤقت»
ومن أهم مظاهر هذه العملية محاولة إلغاء الإنجاز المقدسي في باب الرحمة الذي ظل تحت حصار متصاعد قبل رمضان، وكان الاحتلال يتعامل مع الشهر الكريم بوصفه مرحلة «تدريب» على وقائع يريد تكريسها بعده، وقد منح الإغلاق الأخير دولة الاحتلال فرصة ذهبية لتجربة هذا المنطق على نطاق أوسع؛ إذ ما الذي يمنع أن يتحول أيُّ مصلى أو باب أو مساحة داخل «الأقصى» إلى ملف تفاوض أمني يفتحه الاحتلال أو يغلقه متى شاء؟ وهذا بالضبط هو معنى التهويد المتدرج؛ تحويل ما حسمه الناس في الميدان إلى ملف قابل للمراجعة الشُّرَطِية.
إعادة صياغة الوعي العام وتدني سقف المطالب
وتأتي محاولة إعادة صياغة الوعي العام تجاه «الأقصى» في قمة أساسيات ومظاهر التهويد في المسجد، فحين يُغلَق المسجد 40 يوماً ثم يُعاد فتحه، قد ينصرف البعض إلى الاحتفاء بعودة الصلاة وكأن الحدث انتهى، لكن الخطر الحقيقي أن تتحول إعادة الفتح إلى ستار يحجب ما رسّخه الإغلاق مِن سوابق.
ودولة الاحتلال لا تحتاج في كل مرة إلى انتزاع مكسب جديد ظاهر؛ بل يكفيها أحياناً أن تجعل الجريمة السابقة قابلة للنسيان، ثم تبني عليها الجريمة التالية، لهذا فإن واحدة من أخطر نتائج الإغلاق الأخير أن الاحتلال حاول نقل النقاش من سؤال: كيف يمنع الاحتلال من المساس بـ«الأقصى»؟ إلى سؤال أدنى كثيراً هو: متى سيسمح الاحتلال بإعادة فتح «الأقصى»؟ وعندما يهبط سقف النقاش إلى هذا الحد، يكون التهويد قد تقدم خطوة كبيرة حتى قبل أن يلمس الناس كل آثاره.
نحو نموذج «المسجد الإبراهيمي»
خلاصة الأمر أن مظاهر التهويد بعد الإغلاق الأخير لا تختصر في الاقتحامات وحدها، بل تتجلى في مسارات متداخلة؛ منها فرض حق الإغلاق والفتح، وتكريس الفتح المشروط، واستهداف الوجود الإسلامي اليومي، وتقديم الأفضلية الدينية اليهودية، ومراجعة المنجزات الشعبية السابقة وعلى رأسها باب الرحمة والاعتكاف.
الهدف النهائي للاحتلال استنساخ نموذج «المسجد الإبراهيمي» للتحكم الكامل في هوية «الأقصى»
وهذه ليست تفاصيل متناثرة، بل أجزاء من مشروع واحد يسعى إلى نقل المسجد الأقصى من كونه مسجداً إسلامياً خالصاً تحت سيادة إسلامية حقيقية، إلى مكان تتحكم دولة الاحتلال في تعريف وظيفته الدينية وحدود استعماله وقواعد الدخول إليه، تماماً كما فعلت في المسجد الإبراهيمي في الخليل، وبعد الإغلاق الأخير، لم يعد السؤال يتمحور حول وجود أو عدم وجود عملية تهويدٍ في «الأقصى»؛ فهذا الأمر بات أوضح من أن يُجادل فيه.
والسؤال الحقيقي الآن: كم سيُترك هذا المسار ليتقدم قبل أن يُدرك الجميع أن ما ضاع لم يكن مجرد 40 يوماً من الصلاة، بل 40 يوماً استُخدِمت لإعادة هندسة العلاقة كلها بين الاحتلال والمسجد.
