بسم الله
الرحمن الرحيم
نصرة الأسرى
الفلسطينيين؛ واجب شرعي وإنساني
بقلم: د. أحمد
الإدريـسي
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
يواصل الاحتلال الإسرائيلي ارتكاب
انتهاكات جسيمة بحق المقاومة الفلسطينية، في ظل ما يوصف بـالغطاء الدولي والدعم
الأمريكي، وهو ما شجّعه على المضي في سياساته دون محاسبة.
وهذه
المرة يرتكب انتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين، حيث أقر الكنيست الإسرائيلي قانوناً
يتيح فرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين الذين أدينوا بعمليات ضد الاحتلال
الإسرائيلي في تحول جذري للسياسة العقابية، والذي ينهي عقوداً من الامتناع عن
تطبيق هذه العقوبة.
أولا: واجب نصرة
الأسرى الفلسطينيين.
إن نصرة
الأسرى في الإسلام واجب شرعي وضرورة إنسانية؛ حيث أمر النبي ﷺ بفكاك الأسرى
المسلمين وإعانتهم، فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (فُـكُّـوا العاني، وأطعموا الجائع وعودوا المريض)[1].
العاني هو الأسير. والأمر هنا للوجوب بإجماع الأصوليين.
قال شيخ
الإسلام ابن تيمية: (نصر آحاد المسلمين واجب بقوله صلى الله عليه وسلم: “انصر
أخاك ظالماً أو مظلوما”، وبقوله: “المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه”).
وتتنوع
سبل نصرة الأسرى والسعي لإنقاذهم بكل الوسائل الممكنة، ومنها على سبيل المثال،
لا الحصر:
– الدعاء: التضرع إلى الله لنصرتهم وتفريج
كربتهم.
– نشر قضيتهم إعلاميا، التوعية
بقضيتهم، إشهار مظلمتهم، والتعريف بمعاناتهم في وسائل الإعلام ومنظمات حقوق
الإنسان.
– النصرة بالمال: كفالة الأسرى
وعائلاتهم، وتوفير الدعم المالي والقانوني لهم، والدفاع عنهم في المحافل الدولية.
– العمل على فكاكهم بكافة الوسائل المتاحة، مثل
الضغط الدولي للإفراج عنهم، والضغط عبر المواقف السياسية والدولية.
ثانيا: التحذير من
خذلان الأسرى.
حرّم
الإسلام خيانة المسلمين بعضهم لبعض، وكل أنواع الخيانة لله ولرسوله ولدماء
الشهداء، وخيانة المسجونين والأسرى، وكل أشكال المولاة للعدو، قال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا
عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ“ (سورة:1).
كما حذر
الشرع من ترك نصرة المسلم عند القدرة عليها، وتوعّد خذلان المسلم بعقوبة في الدنيا
والآخرة، وعن جابر بن عبد الله وأبي طلحة بن سهل الأنصاري أنهما قالا: قال رسول
الله -صلى الله عليه وسلم-: مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي
مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا
خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَه، وما من امرئ ينصر مسلما
في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته”[2].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه
ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله
عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)[3].
قال ابن
حجر رحمه الله: قوله: “باب لا يظلم المسلمُ المسلمَ ولا يسلمه” بضم
أوله يقال: أسلم فلان فلانا إذا ألقاه إلى الهلكة ولم يحمه من عدوه، وهو عام في كل
من أسلم لغيره، لكن غلب في الإلقاء إلى الهلكة)[4].
ثالثا: دعوة
العلماء إلى نصرة الأسرى الفلسطينيين.
أجمع
علماء فلسطين وكل الهيئات العلمائية على وجوب الدفاع الأسرى، وأنه على المسلم أن
ينصر أخاه المسلم في كل وقت يحتاج فيه إلى مناصرته، في الصحيحين عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: “ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن
مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم
القيامة”[5].
وقد دعا
رئيس هيئة علماء فلسطين نواف تكروري، إلى تحرّك واسع في العالمين العربي والإسلامي
لنصرة الأسرى الفلسطينيين، وهذا واجب شرعي وأخلاقي لا يجوز التخلّي عنه. وقال:
“إن العلماء أجمعوا على أن نصرة الأسرى وفكّ أسرهم واجب على الأمة، وأكد أن؛ “مسؤولية
إنقاذ الأسرى لا تقتصر على بلد دون آخر، إنما تشمل المسلمين كافة”.
ودعا
جميعُ العلماء، ومنهم علماء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، إلى تحرك شعبي واسع،
وإلى الضغط على المجتمع الدولي، وطالبوا بممارسة كافة أشكال الضغط من أجل الإفراج
عن الأسرى.
وأكدوا
أن القضية الفلسطينية وقضية الأسرى تتقدم على أي اعتبارات أخرى، معتبرًا أن فداءهم
واجب تُبذل فيه التضحيات، وأن الدفاع عنهم يمثل دفاعًا عن كرامة الأمة جمعاء.
خاتمة:
إن فـكّ
الأسرى واجب شرعي على الأمة، وقد ذكر العلماء -ومنهم الإمام القرطبي- وجوب فداء
الأسرى وتخليصهم من العدو وإن استغرق ذلك جميع أموال المسلمين.
وواجب
نصرة الأسرى هو مسؤولية جماعية، وهو فرض كفاية، لكن قد تتحول إلى فرض عين إذا توقف
إنقاذهم على أفراد بعينهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنين في
تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضواً تداعى له سائر الجسد بالسهر
والحمى”[6].
إننا ندعو من هذا
المنبر أحرار
الأمة وأحرار العالم
والمفكرين والهيئات المدنية، وكل من
له غيرة على الإنسانية، بالتحرّك الفوري لوقف هذه الغطرسة
الصهيونية؛ والحكم بالإعدام على الأسرى الفلسطينيين، وهذا العدوان البشع على إخواننا في فلسطين،
وفي كل بلاد المسلمين.
ونؤكد على
ضرورة استمرار الحراك الشعبي والرسمي حتى تحقيق الحرية للأسرى، وإنهاء معاناتهم
داخل سجون الاحتلال.
“وَاللَّهُ
غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ”.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
[1]– فتح
الباري لابن حجر العسقلاني. كتاب الجهاد والسير، باب فكاك الأسير، رقم:2881،
ج:6/ص:193.
[2]– أخرجه
الإمام أبو داود، حديث رقم: 4884، والإمام أحمد، حديث رقم: 16368.
[3]– فتح
الباري لابن حجر العسقلاني. كتاب المظالم، باب باب لا يظلم
المسلمُ المسلمَ ولا يسلمه، رقم:2310، ج:5/ص:116.
[4]– فتح
الباري لابن حجر العسقلاني. ج:5/ص:117.
[5]– واه
الإمام البخاري في صحيحه، كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلمُ
المسلمَ ولا يسلمه، رقم:2442.
[6]– واه
الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب رحمة الناس
والبهائم،
رقم:6011.
-150x150.jpg)