شمولية الرجاء.. حين
يصبح الإلحاح لغة القلوب
بقلم: د. عبد
المجيد عكروت
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
في مسيرة الإنسان لحظات يدرك
فيها أن الأبواب الأرضية مهما اتسعت تظل محدودة، وأن الأيدي مهما امتدت لا تملك كل
شيء. هناك، في تلك اللحظات العميقة من الافتقار، يتجه القلب تلقائيًا نحو السماء،
حيث الباب الذي لا يُغلق، والرجاء الذي لا يخيب، والكرم الذي لا ينفد.
صاحب الحاجة معنيٌّ بالطلب؛
فالحاجة ليست نقصًا في الإنسان بقدر ما هي تذكير بلطف الله به، ودعوة خفية ليعود
إلى ربه. والعبد حين يطرق أبواب السماء بالإلحاح لا يكرر الكلمات بقدر ما يعبّر عن
حالة روحية عميقة؛ حالة حبّ، وثقة، وتعلق بالله. إن الإلحاح في الدعاء هو لغة
المحبين، ولسان المحتاجين، وصدق العبودية حين يعترف القلب أن لا ملجأ ولا منجى إلا
إلى الله.
ولذلك كان الدعاء في حقيقته
أكثر من مجرد طلبٍ للحاجات؛ إنه صلة، ونور، ومناجاة. وكلما ازداد العبد إلحاحًا،
ازداد قربًا، لأن الإلحاح ليس إصرارًا على قضاء الحاجة فحسب، بل هو إعلان دائم بأن
القلب لا يرى بابًا غير باب الله.
ومن هنا تتجلى شمولية الرجاء؛
أن يرجو الإنسان ربَّه في كل شيء: في دنياه وآخرته، في همومه الصغيرة كما في
قضاياه الكبرى، في لحظات القوة كما في أوقات الضعف. فالرجاء الحقيقي ليس انتظار
الفرج فقط، بل اليقين بأن الله يدبر الأمر بحكمة ورحمة، حتى وإن تأخر الجواب.
وتأتي العشر الأواخر من رمضان
كأجمل مواسم هذا الرجاء؛ أيام تتسع فيها أبواب الرحمة، وتصفو فيها القلوب، وتلين
الأرواح بين يدي خالقها. إنها أيام يتجدد فيها العهد مع الله، وتستيقظ فيها القلوب
من غفلتها لتعود إلى مصدر الطمأنينة الحقيقي.
في هذه الليالي المباركة تتغير
ملامح الحياة؛ الليل يمتلئ بآيات القرآن، والسجود يطول بخشوع، والدموع تنهمر في
لحظات صفاء لا يراها إلا الله. هنا يشعر الإنسان أن الدعاء ليس مجرد كلمات تُقال،
بل نبض روحٍ تبحث عن قرب الله، وطمأنينة قلبٍ يتوق إلى رحمته.
إنها ليالٍ تُربّي القلب على
الصدق؛ صدق التوبة، وصدق الرجاء، وصدق العودة إلى الله.
وربما كانت أعظم هدايا هذه
الأيام أنها تذكرنا بأن الطريق إلى الله ليس بعيدًا، وأن لحظة إخلاص واحدة قد
تغيّر مسار حياة كاملة.
رسالة إلى كل صاحب قلبٍ يبحث عن
السعادة الحقيقية: لا تملّ من الدعاء، ولا تتعب من الإلحاح، ولا تظن أن الرجاء
يضيع. فالله يحب أن يسمع صوت عبده، ويحب أن يرى قلبه معلقًا به، ويحب أن يعود
العبد إليه مرة بعد مرة.
وما أجمل أن يغتنم الإنسان هذه
الليالي المباركة فيكثر من القيام، ويطيل الدعاء، ويملأ قلبه بالاستغفار، لعلّ
دعوة صادقة في لحظة خلوة تفتح بابًا من الخير لم يكن في الحسبان.
فربّ دمعة في السَّحر تُبدّل
قدرًا، وربّ دعاء في ليلةٍ خاشعة يكتب بداية فرج، وربّ قلبٍ أقبل على الله بصدق.. فوجد
السعادة التي كان يبحث عنها طوال الطريق.
هكذا يبقى الرجاء حياة القلوب،
ويبقى الإلحاح في الدعاء سرّ المحبين، وتبقى أبواب السماء مفتوحة لكل من عرف
الطريق إليها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها،
ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
-150x150.jpg)