صَلَاحُ الْبِلَادِ عَلَى رُكْنَيْنِ عَظِيمَيْنِ
“أمْنٌ
يَحْفَظُ النُّفُوسَ، وَرِزْقٌ يَكْفِي النَّاسَ”
بقلم: د. توفيق زبادي
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
فِي
صَفَحَاتِ الْقُرْآنِ تَتَجَلَّى دَعَوَاتُ الْأَنْبِيَاءِ، بِوَصْفِهَا رُؤًى
تَبْنِي الْحَيَاةَ، وَتُؤَسِّسُ لِمُسْتَقْبَلِ الْأُمَمِ. وَمِنْ أَعْظَمِ
تِلْكَ الدَّعَوَاتِ دُعَاءُ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ
السَّلَامُ، وَهُوَ يَقِفُ فِي وَادٍ قَفْرٍ لَا زَرْعَ فِيهِ وَلَا مَاءَ،
فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَى رَبِّهِ طَالِبًا لِذُرِّيَّتِهِ وَلِمَنْ يَسْكُنُ
هَذَا الْمَوْضِعَ أَعْظَمَ مُقَوِّمَاتِ الْحَيَاةِ: الْأَمْنَ وَالرِّزْقَ.
لَمْ
يَكُنْ دُعَاؤُهُ طَلَبًا لِرَاحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ، بَلْ كَانَ
رُؤْيَةً إِيمَانِيَّةً عَمِيقَةً؛ فَالْأَمْنُ يُطْمَئِنُّ الْقُلُوبَ،
وَالرِّزْقُ يُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَبِاجْتِمَاعِهِمَا تَقُومُ الْحَيَاةُ
الْمُسْتَقِرَّةُ الَّتِي تَزْدَهِرُ فِيهَا عِبَادَةُ اللَّهِ وَيُرْفَعُ فِيهَا
لِوَاءُ التَّوْحِيدِ. وَهَكَذَا يُعَلِّمُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
أَنَّ بِنَاءَ الْمُجْتَمَعَاتِ الصَّالِحَةِ يَبْدَأُ بِدُعَاءٍ صَادِقٍ،
وَرُؤْيَةٍ رَبَّانِيَّةٍ تَجْعَلُ الدُّنْيَا طَرِيقًا إِلَى الْآخِرَةِ، لَا
غَايَةً تُنْسِي الْإِنْسَانَ رِسَالَتَهُ فِي الْحَيَاةِ.
قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ
قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ
الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ
كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ
الْمَصِيرُ} [الْبَقَرَةِ: 126].
دَعَا
إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِذُرِّيَّتِهِ وَغَيْرِهِمْ بِمَكَّةَ
بِالْأَمْنِ مِنَ الْخَوْفِ، مِنَ الْجَبَابِرَةِ وَالْمُسَلَّطِينَ، وَمِنَ
الْعَدُوِّ الْمُسْتَأْصِلِ، وَالْمُثُلَاتِ الَّتِي تَحِلُّ بِالْبِلَادِ؛ حَتَّى
لَا يَرْعَبَ أَهْلُهُ، وَقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ شَرْعًا وَقَدَرًا،
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ
دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آلِ عِمْرَانَ: 97]، وَقَوْلُهُ: {أَوَلَمْ
يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [الْعَنْكَبُوتِ: 67]. وَكَانَتْ مَكَّةُ وَمَا يَلِيهَا حِينَئِذٍ قَفْرًا لَا مَاءَ فِيهِ
وَلَا نَبَاتَ؛ فَبَارَكَ اللَّهُ فِيمَا حَوْلَهَا، وَنَبَتَتْ فِيهَا أَنْوَاعُ
الثَّمَرَاتِ.
الْحِكْمَةُ مِنَ الْبَدْءِ بِالْأَمْنِ قَبْلَ الرِّزْقِ:
والابتداء
بطلب نعمة الأمن في هذا الدعاء يدل على أنه أعظم أنواع النعم
والخيرات، وأنه لا يتم شيءٌ من مصالح الدين والدنيا إلا به، وسئل بعض
العلماء: الأمن أفضل
أم الصحة؟ فقال: الأمن أفضل.
ثُمَّ
إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَابَ دُعَاءَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ،
وَجَعَلَهُ آمِنًا مِنَ الْآفَاتِ؛ فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ جَبَّارٌ إِلَّا
قَصَمَهُ اللَّهُ، كَمَا فَعَلَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ.
وَمَقْصِدُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ دَعْوَتِهِ
هَذِهِ أَنْ تَتَوَفَّرَ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَسْبَابُ الْإِقَامَةِ فِيهَا؛ فَلَا
تَضْطَرُّهُمُ الْحَاجَةُ إِلَى سُكْنَى بَلَدٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ رَجَا أَنْ
يَكُونُوا دُعَاةً لِمَا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ لِأَجْلِهِ مِنْ إِقَامَةِ
التَّوْحِيدِ وَخِصَالِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَهِيَ خِصَالُ الْكَمَالِ، وَهَذَا
أَوَّلُ مَظَاهِرِ تَكْوِينِ الْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ.
وَلَقَدْ كَانَتْ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
هَذِهِ مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِ النُّبُوَّةِ؛ فَإِنَّ
أَمْنَ الْبِلَادِ وَالسُّبُلِ يَسْتَتْبِعُ جَمِيعَ خِصَالِ سَعَادَةِ
الْحَيَاةِ، وَيَقْتَضِي الْعَدْلَ وَالْعِزَّةَ وَالرَّخَاءَ؛ إِذْ لَا أَمْنَ
بِدُونِهَا، وَهُوَ يَسْتَتْبِعُ التَّعْمِيرَ وَالْإِقْبَالَ عَلَى مَا يَنْفَعُ
وَالثَّرْوَةَ.
وَهُنَا سُؤَالٌ: دُعَاءُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَجْعَلَ الْبَلَدَ
آمِنًا كَثِيرَ الْخِصْبِ، وَهَذَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِمَنَافِعِ الدُّنْيَا،
فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ الْمُعَظَّمِ طَلَبُهَا؟
وَالْجَوَابُ:
1- أَنَّ الدُّنْيَا إِذَا طُلِبَتْ؛ لِيُتَقَوَّى
بِهَا عَلَى الدِّينِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ أَرْكَانِ الدِّينِ؛ فَإِذَا
كَانَ الْبَلَدُ آمِنًا وَحَصَلَ فِيهِ الْخِصْبُ؛ تَفَرَّغَ أَهْلُهُ لِطَاعَةِ
اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا كَانَ الْبَلَدُ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ كَانُوا عَلَى
ضِدِّ ذَلِكَ.
2- أَنَّهُ
تَعَالَى جَعَلَهُ مَثَابَةً لِلنَّاسِ، وَالنَّاسُ إِنَّمَا يُمْكِنُهُمُ
الذَّهَابُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَتِ الطُّرُقُ آمِنَةً وَالْأَقْوَاتُ هُنَاكَ
رَخِيصَةً.
3- الْأَمْنُ
وَالْخِصْبُ مِمَّا يَدْعُو الْإِنْسَانَ إِلَى الذَّهَابِ إِلَى تِلْكَ
الْبَلْدَةِ؛ فَحِينَئِذٍ يُشَاهِدُ الْمَشَاعِرَ الْمُعَظَّمَةَ وَالْمَوَاقِفَ
الْمُكَرَّمَةَ؛ فَيَكُونُ الْأَمْنُ وَالْخِصْبُ سَبَبَ اتِّصَالِهِ بِتِلْكَ
الطَّاعَةِ.
وَهُنَا سُؤَالٌ آخَرُ: لِمَاذَا خَصَّ إِبْرَاهِيمُ الْمُؤْمِنِينَ بِالدُّعَاءِ؟
وَخَصَّ
إِبْرَاهِيمُ الْمُؤْمِنِينَ بِطَلَبِ الرِّزْقِ لَهُمْ؛ حِرْصًا عَلَى شُيُوعِ
الْإِيمَانِ لِسَاكِنِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا عَلِمُوا أَنَّ دَعْوَةَ
إِبْرَاهِيمَ خَصَّتِ الْمُؤْمِنِينَ، تَجَنَّبُوا مَا يَحِيدُ بِهِمْ عَنِ
الْإِيمَانِ؛ فَجَعَلَ تَيْسِيرَ الرِّزْقِ لَهُمْ عَلَى شَرْطِ إِيمَانِهِمْ؛
بَاعِثًا لَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ.
الْخَاتِمَةُ:
إِنَّ دَعْوَةَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تُعَلِّمُنَا
أَنَّ صَلَاحَ الْبِلَادِ لَا يَقُومُ إِلَّا عَلَى رُكْنَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أَمْنٍ يَحْفَظُ النُّفُوسَ، وَرِزْقٍ يَكْفِي النَّاسَ؛
فَإِذَا اسْتَقَرَّتِ الْقُلُوبُ بِالْأَمْنِ، وَتَيَسَّرَتِ الْمَعَايِشُ
بِالرِّزْقِ، تَفَرَّغَتِ الْأَرْوَاحُ لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَإِقَامَةِ الْحَقِّ.
وَلِذَلِكَ كَانَ طَلَبُ هَذِهِ النِّعَمِ مِنْ أَعْظَمِ مَقَاصِدِ الدُّعَاءِ
حِينَ تُطْلَبُ لِتَكُونَ عَوْنًا عَلَى الطَّاعَةِ وَبِنَاءِ مُجْتَمَعِ
الْإِيمَانِ. وَمَا أَحْوَجَ الْأُمَّةَ الْيَوْمَ إِلَى أَنْ تَسْتَحْضِرَ هَذَا
الْمَعْنَى؛ فَالْأَمْنُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَالرِّزْقُ الْوَاسِعُ رَحْمَةٌ،
لَكِنَّ تَمَامَهُمَا أَنْ يَقُودَا إِلَى الشُّكْرِ وَالطَّاعَةِ، لَا إِلَى
الْغَفْلَةِ وَالْجُحُودِ. فَمَنْ شَكَرَ النِّعْمَةَ ثَبَتَتْ، وَمَنْ أَعْرَضَ
عَنْهَا زَالَتْ، وَتِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الْأُمَمِ.
الدُّعَاءُ:
اللَّهُمَّ يَا رَبَّ إِبْرَاهِيمَ وَرَبَّ الْبَيْتِ
الْحَرَامِ، نَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ آمِنَةً
مُطْمَئِنَّةً، وَأَنْ تُفِيضَ عَلَيْهَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
اللَّهُمَّ
ارْزُقْ أَهْلَهَا الْإِيمَانَ الصَّادِقَ، وَالشُّكْرَ لِنِعَمِكَ، وَحُسْنَ
الْقِيَامِ بِطَاعَتِكَ.
اللَّهُمَّ
اجْعَلِ الْأَمْنَ فِي أَوْطَانِنَا سَبَبًا لِانْتِشَارِ الْخَيْرِ، وَالرِّزْقَ
الْوَاسِعَ عَوْنًا عَلَى عِبَادَتِكَ وَخِدْمَةِ دِينِكَ.
اللَّهُمَّ
كَمَا أَجَبْتَ دَعْوَةَ خَلِيلِكَ إِبْرَاهِيمَ، فَأَجِبْ دُعَاءَنَا، وَأَدِمْ
عَلَيْنَا نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الشَّاكِرِينَ
الذَّاكِرِينَ، وَلَا تَحْرِمْنَا فَضْلَكَ وَرَحْمَتَكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.