آخر الأخبار

وثائق إبستين وسؤال الفساد المنظومي في ميزان المقاصد

شارك المقال على :

بسم الله الرحمن الرحيم

وثائق إبستين وسؤال الفساد المنظومي في ميزان
المقاصد

بقلم: د. أحمد زقاقي

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

هناك صنف من الوثائق والوقائع يختبر أخلاق المؤسسات قبل
أن يختبر أخلاق الأفراد، وإلى هذا الصنف تنتمي وتنتسب “وثائق إبستين”
التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية، والتي سميت باسم الملياردير والممول
الأمريكي “جيفري إبستين” الذي بنى شبكة من العلاقات القوية مع رجال
المال والأعمال والسياسة في أمريكا وخارجها، حيث تُشترى المواقف وتُبنى التحالفات
وتبتز الأموال بالجنس في صبغته السادية والمتوحشة باستغلال الأطفال والقاصرات.

وثائق إبستين وفساد المنظومة

 ذكرت الوثائق
فضائح بالجملة وذكرت معها أسماء شخصيات سياسية وإعلامية وفكرية كبيرة كانت تكثر
التردد على “جزيرة إبستين”، في واحدة من أكبر
قضايا
الاستغلال الجنسي المنظمة التي أحدثت صدمة أخلاقية لأنها مزجت بين العنف والتوحش،
والثراء والنفوذ:

1.   أظهرت الوثائق أن الأمر لا
يتعلق ب
مجرد انحراف فردي، بل ببنية علاقات ترتكز على القوة
والمال والحصانة، وبانتقال من ” فرد سيء” إلى “عالَم فاسد”.

2.   بينت الوثائق أن الشر انتقل
من فعل فردي إلى نظام حماية من خلال وجود مظلة تواطؤ واسعة، لما لم يهتم أحد
بالشكاوى المبكرة للضحايا، إذا اعتبر المسؤولون تلك الشكاوى مجرد وشايات، أو مجرد
حيل للحصول على أموال من الأثرياء.

3.   مما رسخ أكثر ظهور منظومة
التستر والحماية إغلاق الملفات الفضائحية بالتسويات القضائية على نحو أظهر أن تلك
التسويات لم تكن تعني أكثر من شراء الصمت، مما عزز الإفلات من المحاسبة والعقاب
وأفضى إلى تكرار الجرائم لا إلى إيقافها.

4.   ما يجب أن تفكر فيه النخب الأمريكية التي يسوؤها ما
يتكشَّف كل يوم عن تلك الوثائق هو الانخراط في النقاش الإصلاحي العملي
بقصد اقتحام
ثلاث عقبات:

     
الأولى: اقتحام
عقبة تضخم خطاب الإدانة الأخلاقية

     
الثانية اقتحام
عقبة الفضول المرضي الذي يسببه الإعلام بتحويل
الوثائق
إلى محتوى ترفيهي
فينتهي
الأمر إلى “تطبيع الفضيحة” بلا إصلاح إذا لم تتبعها محاسبة مؤسسية شفافة
.

     
الثالثة اقتحام عقبة عقلية الاستثمار
السياسي في الرذيلة
عندما
تتحول الوثائق إلى أداة حادة للاستقطاب فيؤول الملف إلى سلاح دعائي
.

فساد المنظومة على مشرحة النقد المقاصدي

 يصنف الإسلام هذا النوع من
الفساد الشبكي البنيوي ضمن كبائر الظلم والفساد، لأنه يجمع بين انتهاك الأعراض،
وأكل السحت، والإضرار بالضعفاء والمستضعفين، ولذلك وضع مجموعة من القواعد الشرعية
والمقاصدية:

1.  
إن كرامة
الإنسان وحرمة الجسد حقيقة معيارية إسلامية لا مجال لجحدها أو إنكارها أو تزييفها
ومن ثم فإنه لا حصانة لنفوذ أو مال تفاديا للسقوط في “التستر المؤسسي”.

2.  
إن
الضوابط والمفاهيم الحاكمة لمثل هذه القضايا ترتبط بالتقسيم البديع والفريد القائم
على حفظ الكليات الخمس ولاسيما ثلاثة منها في سياق هذه الحالة:

     
من حيث حفظ
النفس: يتعين اتخاذ إجراءات تمنع تكرار الضرر وحماية الناجين من الانهيار أو
الانتحار أو التشهير.

     
من حيث حفظ
العِرض: الحرص على صيانة كرامة الضحايا ومنع كشف الهويات أو القرائن المُعرِّفة
، والإنذار المبكر عبر بوابة الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر بشكل فردي ومؤسسي.

     
من حيث حفظ
العقل: الحيلولة دون التطبيع مع الفواحش وقطع الطريق على الفضول المرضي وإفساد
الذوق العام
، وإذا ما استحضرنا
الروابط الوثيقة التي كانت تجمع إبستين مع الموساد والممولين الصهاينة يتأكد بأن
مواجهة التطبيع مع الفواحش ومواجهة التطبيع مع كيان الشر والإبادة أمران لا
ينفصلان ومهمتان لا تؤجلان.

     
تحريم الشفاعة في حدود الله حتى لا يتحول الفساد إلى
منظومة من خلال غض الطرف أو المحاباة، ولقد سرقت امرأة من بني مخزوم كانت ذات
مكانة وتنتمي إلى بيت عز وشرف، وحاول البعض إيجاد وساطة (شفاعة) لإعفائها من الحد،
فكلّموا أسامة بن زيد لقرابته من النبي ﷺ، فغضب النبي ﷺ وقال جملته الشهيرة:
“أتشفع في حد من حدود الله”، ثم قام فاختطب، ثم قال: إنما أهلك الذين
قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه
الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها[1].

     
مناقشة المسألة لأهميتها وخطورتها ضمن حقل السياسة
الشرعية، وعند الحديث عن الشروط التي يعزل بها الحاكم/الإمام، ونقتصر هنا على
إيراد المناقشة العلمية الصارمة والدقيقة التي بيّن من خلالها إمام الحرمين عبد
الملك الجويني (ت 478هـ) في كتابه “غياث الأمم في التياث الظلم” رأيه في
ارتكاب الحاكم/الإمام لما يدخله في وصف “الفسق” على النحو التالي:

1.   إن مما ينطبق عليه اسم
“الفسق” شرب الحاكم للخمر أو وقوعه في الزنا، وقد فرق الجويني بين الفسق
الابتدائي والفسق الطارئ.

2.   يقصد الجويني بالفسق
الابتدائي ذلك الفسق الذي يكون المرشح للحكم متلبسا به قبل أن يتم التعاقد معه
وتنصيبه، هذا النوع من الفسق يُسقط المرشح عن مرتبة الاعتبار الشرعي، ويستبعد قولا
واحدا.

3.   ويقصد بالفسق الطارئ ذلك
الذي يقع فيه الحاكم/الإمام بعد التعاقد وبعد تنصيبه، ولبيان موقفه ساق الجويني
أولا رأي فريق من العلماء قالوا: إن الفسق الطارئ كالفسق الابتدائي كلاهما يوجب
الخلع والعزل والعدول عن الاختيار، وذكر حجتهم في ذلك، إذ يعتقدون أنه كما تنتقض
الأمانة وتنتفي الثقة والعدالة في الفسق الابتدائي، تنتقض وتنتفي كذلك في الفسق
الطارئ.

4.   صرح الجويني بمخالفة رأي
من سوَّوا بين الفسق الابتدائي والفسق الطارئ في وجوب العزل والخلع، وذكر في
المسالة تفصيلا مؤداه:

أولا:
لا عصمة لأحد من البشر بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “فمن الذي ينجو في
بياض نهاره من زلته؟”[2]

ثانيا:
إن اشتراط دوام التقوى مخالف لمقاصد الحكم والإمامة و”يجر قصاراه عسر القيام
بالإيالة العظمى”[3]

ثالثا:
قطع الجويني بمنع اختيار أحد لمنصب الحكم/الإمامة إذا تعلق الأمر بفسق ابتدائي،
أما إذا تعلق بفسق طارئ بعد الاختيار والانعقاد فهنا يفرق الجويني بين حالتين:

الأولى:
صدور الفعل الذي ينطبق عليه وصف الفسق من الحاكم على سبيل العثرة والسقطة التي
تعقبها توبة، فهنا لا يرى الجويني عزل الحاكم.

الثانية:
صدور ذلك الفعل من الحاكم على سبيل الدوام والاستمرار فهنا يخلع ويستبعد بلا خلاف
وعبارته في ذلك:” فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر
الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة، ووضحت الخيانة،
واستجرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفا ممن ظلمة، وتداعى الخطل والخلل إلى عظائم الأمور
وتعطل الثغور، فلا بد من استراك هذا الأمر المتفاقم” [4]، والاستدراك حسب الجويني
يكون بالعزل بلا جدال، ووالأمر الملحوظ هو أن الأعطاب التي نبه عليها الجويني ،
وتوجب العزل تنتظم السياسة الداخلية والخارجية، حقوق الأفراد والجماعات، وعلى نحو
ما تمثل منظومة فساد لكنها في تاريخنا لا ترقى إلى جزء يسير من منظومة الفساد التي
كشفتها وثائق إيستين.

خلاصة:

حدثان بارزان ميزا المشهد السياسي والفكري العالمي في
السنين الأخيرة، الأول قلب موازين العلاقات الدولية، وفضح الكثير من الشعارات
البراقة التي كانت تخفي التوحش والنفاق وسوء الأخلاق، وهو حدث “طوفان
الأقصى”
، والحدث الثاني “وثائق إبستين” التي بينت أن
الذين كانوا يتسترون على إبادة الشعب الفلسطيني هم أنفسهم الذين ظلوا لعقود
يتسترون على الجرائم الأخلاقية واستغلال الضعفاء والنساء والأطفال مصداقا لسقوط
فلسفي وقيمي فاضح.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.



[1] البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع
الصحيح، تحقيق: مصطفى ديب البغا، دمشق، دار ابن كثير، الطبعة 5 ، 1993، حديث رقم
6406، 6/2491.

[2]  الجويني، عبد الملك، غياث الأمم في التياث الظلم، تحقيق: أحمد عبد الرحيم
السايح وتوفيق علي وهبة،القاهرة،مكتبة الثقافة الدينية، ط 2 ، 2016، ص 130

[3] المرجع نفسه، ص 131

[4] المرجع نفسه ص 133

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان