بسم الله الرحمن الرحيم
الشهداء وقود الحرية
قال
تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ
بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:
39].
للحرية
والخلاص وكسر القيد والانعتاق وتطهير المقدسات وحماية الأعراض ورفع الظلم وقهر
الظالم ودحضه؛ كل ذلك لا بد له من ثمن، والثمن لا بد أن يكون ثميناً على قدر
المقابل له، فليس هناك أثمن مما ذُكر، فلا بد أن يؤدّى له أغلى ثمن. وليس هناك
أثمن من الأرواح الغوالي والدماء الزاكية والشباب الدفاق بالحياة.
حيث
لم يحصل قوم على مرادهم وهم متدثرون بالأوهام، وملتحفون بالأماني، يجترون الذكريات
الخوالي، فهذه ولا شك أدوات الانهزاميين، ضعفاء النفوس، من يقبلون الدنية والعيشة
الرزية والحياة الردية.
يا
خيل الله اركبي، ويا أرض الله اشهدي..
دوّى هذا
النداء منذ عهد الصحابة الكرام واستمر صداه إلى أن جاء الطوفان المبارك، فما شهده
التاريخ من أبطال الصحابة والتابعين شهدته غزة بشهدائها، عندما نادى منادي الجهاد
ودعا إلى المنازلة.
فكما
وجدنا من الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- من غادر خدر عروسه، ومن مضى يسابق الريح
حباً في الجنة وحورها، ومن تبختر رافعاً رأسه بشهامة وعزة الإسلام العظيم، وجدنا
في جهاد غزة نماذج شهد العالم كله أنه يصعب أن تكون في جيل لم يأخذ من الصحابة
قدوة.
فوجدنا
القادة في مقدمة الصفوف، ثم إلى الشهادة مهطعين دون أن يرمش لهم جفن أو تلين لهم
قناة، ووجدنا الأنيق الشهيد الذي أصبح أيقونة المتابعين، ووجدنا الساجد
الشهيد، ووجدنا من تهرب منه الدبابة المصفحة، ومن يسوق أمامه قطعان المقهورين
المهزومين رغم الدعم الذي يأتيهم من كل حدب وصوب.
وها
نحن اليوم نجد رجال الله في غزة يزفون بكل فخر وكرامة وعزة وشهامة كوكبة جديدة من
هؤلاء الأمجاد الذين التحقوا بمن سبقهم في ركب الشهادة، وكأني بهم اليوم يتزاورون
في درجات الجنان من الفردوس الأعلى عند مليك مقتدر، في حواصل طيور خضر تسرح في
الجنة حيث تشاء.
ليس
لهم عند ربهم الملك سبحانه إلا مطلب واحد: أن يعودوا إلى الدنيا من جديد ثم يقتلون
في سبيل الله، ولكن الله سبحانه -بما أعطاهم وأرضاهم وأكرمهم- قرر أنهم إليها لا
يرجعون، – هكذا أحسبهم والله حسيبهم.
قد
يملأ الحزن قلوب المحبين لهؤلاء المختارين المكرمين، ولكن لو استشعرنا سعادة وفرح
اللقاء والحياة البرزخية التي ليس فيها شقاء، وحفاوة التكريم من الكريم سبحانه،
لأشفقنا على أنفسنا أننا لا زلنا نئن من وجع البقاء وكيد الأعداء ومكر الأبعدين
وخيانة الأقربين.
إليكم
يا شهداءنا الأبرار كل الحب والتقدير والاحترام، ونحن تعبنا.. تعبنا من العدّ
فيكم، ولكن جنات الله أرحب، وجزاؤه سبحانه فسيح، وعدونا مكبوت كبته الله، ومكره
إلى نحره مردود بإذن الله.
فقروا
عيوناً إلى جوار الأحبة، محمدٍ وصحبه، وشيخنا الياسين والقادة معه، وأنتم نحسبكم
في عليين، والقافلة من ورائكم تسير، ولن يوقفها إلا التحرير، فلا نامت أعين الخونة
والمجرمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
*
كتبه: النائب د. مروان أبو راس – أبو عاصم، رئيس لجنة القدس وفلسطين بالاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين، عضو المجلس التشريعى الفلسطيني.
-150x150.jpg)