آخر الأخبار

الحواريون والمائدة ثم الاستجواب الكبير يوم القيامة

شارك المقال على :

الحواريون والمائدة ثم
الاستجواب الكبير يوم القيامة

بقلم:
د. علي محمد الصلابي

الأمين
العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

تأتي قصة المائدة التي طلبها الحواريون من عيسى ابن مريم عليه السلام كواحدة
من أعظم الدروس القرآنية في بيان حقيقة الإيمان، وآداب الطلب، ومقام النبوة، وجلال
قدرة الله تعالى. فهي حادثة تجمع بين اليقين والابتلاء، وبين رحمة الله بعباده
وشدة عقوبته لمن يكفر بعد قيام الحجة. وفي ثنايا هذه القصة تظهر معاني الخضوع
والتسليم، وصفاء التوحيد، وإظهار العبودية الكاملة لله عز وجل، كما تُبرز منزلة
عيسى عليه السلام وصدق رسالته، وتبيّن طبيعة الحواريين وإيمانهم، وتفتح باب العبرة
لكل مؤمن يتدبّر آيات الله.

قال تعالى: ﴿إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ
مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ
قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ (112) قَالُواْ نُرِيدُ أَن
نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا
وَنَكُونَ عَلَيۡهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ ٱللَّهُمَّ
رَبَّنَآ أَنزِلۡ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدٗا
لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةٗ مِّنكَۖ وَٱرۡزُقۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ
(114) قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيۡكُمۡۖ فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ
مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ
(115)﴾
[المائدة: 112-115].

أي: واذكر نعمتي عليك ـ يا
عيسى ـ إذ يسرت لك أتباعًا وأعوانًا فأوحيت إليهم على لسانك، أي: أمرتهم بالوحي
الذي جاءك من عند الله فأجابوا لذلك وانقادوا وقالوا:
﴿آمَنَّا واشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾، فجمعوا بين الإسلام
الظاهر والانقياد بالأعمال الصالحة، والإيمان الباطن المخرج لصاحبه من النفاق، ومن
ضعف الإيمان، والحواريون: هم الأنصار، كما قال تعالى، حكاية لقول عيسى بن مريم
للحواريين:
﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ
قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾
.

ـ ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ
مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ
السَّمَاءِ﴾
[المائدة: 112]، أي: مائدة فيها طعام
وهذا ليس منهم عن شك في قدرة الله واستطاعته على ذلك، وإنما ذلك من باب العرض
والأدب منهم، ولما كان سؤال الآيات الاقتراح للانقياد للحق وكان هذا الكلام الصادر
من الحواريين ربما أوهم ذلك، فإن عيسى عليه السلام وعظهم فقال:

ـ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فإن المؤمن يحمله معه من
الإيمان على ملازمة التقوى، وأن ينقاد لأمر الله، ولا يطلب من آيات الاقتراح التي
لا يدري ما يكون بعدها شيئًا، فأخبر الحواريون أنهم ليس مقصودهم هذا المعنى، وإنما
لهم مقاصد صالحة، ولأجل الحاجة إلى ذلك فقالوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾
وهذا دليل على أنهم ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾، حين نرى الآيات العيانيّة، فيكون
الإيمان عين اليقين، فالعبد محتاج إلى زيادة العلم، واليقين، والإيمان كل وقت.

ـ ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾، أي: نعلم صدق ما جئت به
أنه حق وصدق.

ـ ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: فتكون مصلحة لمن بعدنا
نشهدها، فتقوم الحجة ويحصل زيادة البرهان بذلك.

فلما سمع عيسى عليه الصلاة
والسلام ذلك وعلم مقصودهم، أجابهم إلى طلبهم في ذلك فقال: أي: يكون وقت نزولها
عيدًا وموسمًا يتذكر به هذه الآية:
﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ
تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ﴾
[المائدة:
114]
، فتحفظ ولا تنسى على مرور الأوقات وتكرّر السنين، كما جعل الله تعالى أعياد
المسلمين ومناسكهم مذكرًا لآياته، ومنبهًا على سنن المرسلين وطرقهم القويمة وفضله
وإحسانه عليهم.

ـ ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ أي: اجعلها لنا، فسأل
عيسى عليه السلام نزولها لهاتين المصلحتين: مصلحة الدين بأن تكون آية باقية،
ومصلحة الدنيا، وهي أن تكون رزقًا.
(تفسير
السعدي، 1/457)

وفي دعاء عيسى ابن مريم
كما يكرر السياق القرآني هذه المناسبة: أدب العبد المجتبى مع إلهه ومعرفته بربّه،
فهو يناديه: يا الله، يا ربّنا، إنني أدعوك أن تنزل علينا مائدة من السماء، تعمّنا
بالخير والفرحة كالعيد فتكون لنا عيدًا لأولنا واخرنا، وأن هذا من رزقك فارزقنا
أنت خير الرازقين، فهو إذًا يعرف أنه عبد، وأن الله ربّه، وهذا الاعتراف يعرض على
مشهد من العالمين، في مواجهة قومه، يوم المشهد العظيم، واستجاب الله دعاء عبده
الصالح عيسى بن مريم، ولكن بالحد اللائق بجلاله سبحانه، لقد طلبوا خارقة، واستجاب
الله، على أن يعذب من يكفر منهم بعد هذه الخارقة عذابًا شديدًا بالغًا في شدته لا
يعذبه أحدًا من العالمين:

ـ ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ
فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ
أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾
[المائدة: 115]، فهذا هو الحد اللائق
بجلال الله، حتى لا يصبح طلب الخوارق تسلية ولهوًا، وحتى لا ينتهي الذين يكفرون
بعد البرهان المفحم دون أن يلقوا جزاءًا رادعًا. ومن المعلوم بأنه قد مضت سنة الله
من قبل بهلاك من يكذبون بالرسل بعد المعجزة، فأما هنا فإن النص يحمل أن يكون هذا
العذاب في الدنيا، أو أن يكون في الاخرة.

بعد أن أخبر الله عز وجل
عن جمعه للمرسلين وسؤالهم، وعددّ نعائمه على عبده ورسوله عيسى عليه السلام من
معجزات وأتباع وأعوان وقبول الدعاء المتعلق بنزول مائدة من السماء، يستمر القرآن
الكريم في الحديث عن مسألة الألوهية المدعاة لعيسى ابن مريم وأمه، في استجواب يوجه
إلى عيسى عليه السلام في مواجهة الذين عبدوه، ليسمعوه وهو يتبرأ إلى ربه في دهش
وفزع من هذه الكبيرة التي افتروها عليه وهو منها بريء.
(في ظلال القرآن، سيد قطب،2/1000).

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

·   المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام)، د. علي محمد
محمد الصلابي، دار الأصالة – إسطنبول، ط1، 1444هـ – 2022م.

·   تفسير السعدي: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر
السعدي، الدمام: دار ابن الجوزي، ط4، 1435هـ.

·   في ظلال القرآن، سيد قطب، القاهرة: دار الشروق، ط 38، 1430هـ، 2009م.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان