بقلم: د. علي فتيني
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
منذ رحيل الرجل القرآني، العارف
بالله الرباني، الشيخ محمد المقرمي -قدّس الله روحه ونوّر ضريحه- ونفسي منجذبة إلى
تراثه التأمّلي القرآني الذي خلّفه، كلما استمعت إليه ازددت قناعة أنني أقف أمام
شخصية نادرة، يمكن أن يُعبَّر عنها بحق بأنها: “نسيج وحده”، وأن منهجه
في التدبر القرآني مدرسة فريدة في أسرارها وجواهرها.
وقد تولّدت لدي منذ وفاته خواطر
كثيرة حول شخصيته ومنهجه، ولست الآن بصدد التفصيل؛ فليس في الوقت متّسع، ولعل الله
ييسره في المستقبل.
غير أنّ سؤالاً واحداً ظلّ يلحّ
عليّ، ولم يدع لي راحة، وظلّ فكري مشغولاً به، ثم بدا لي أني وجدت له جواباً فيما
أظن، وهو ما اضطرني للكتابة عنه الآن.
السؤال هو: ما سرّ وفاته المفاجأة
– رحمه الله؟
والرجل ـ فيما يظهر ـ كان بصحة
جيدة!
ولِمَ كانت وفاته بعد ظهوره
الإعلامي الأخير عقب رحلته الدعوية إلى تركيا؟
وفي الوقت الذي كان هذا السؤال لا
يفارقني صباح مساء، تذكّرت قصة حدّثنا بها شيخنا المربي الوالد أحمد عيدروس – حفظه
الله، في مرحلة شبابنا، حين كان يلقي علينا دروسه التربوية المؤثرة في الجامع
الكبير ببيت الفقيه في محافظة الحديدة اليمنية، وما إن حضرت القصة في خاطري حتى
حضر معها ذلك البيت الشعري العجيب:
يا صاحبَ السِّرِّ إنَّ
السِّرَّ قد ظَهَرا *** فلا أُطيقُ حياةً بعدما اشتهرا
وأصل هذه القصة والبيت الذي قيل
فيها في كتاب صفة الصفوة لابن الجوزي، وقد رويت في كتب أخرى مع اختلاف في بعض
تفاصيلها ورواتها، وأقربها إلى الصحة أنها عن عبد الله بن المبارك رحمه الله.
وها هي القصة بطولها:
قال الإمام الزاهد الورع عبد الله
بن المبارك رحمه الله ورضي عنه: قدمت مكة، فإذا الناس قد قَحِطوا من المطر، وهم
يستسقون في المسجد الحرام، وكنت في الناس مما يلي باب بني شيبة.
إذ أقبل غلام أسود، عليه قطعتا
خيش، قد ائتزر بإحداهما، وألقى الأخرى على عاتقه، فصار في موضع خفي إلى جانبي.
فسمعته يقول: (إلهي… أخلقت
الوجوهَ كثرةُ الذنوب ومساوئُ الأعمال، وقد منعتَنا غيث السماء لتؤدّب الخليقة
بذلك.
فأسألك يا حليماً ذا أناة، يا من
لا يعرف عباده منه إلا الجميل… اسقِهم الساعةَ الساعة).
قال ابن المبارك:
فلم يزل يقول: «الساعة… الساعة»
حتى استوت السماء بالغمام، وأقبل المطر من كل مكان.
وجلس الغلام مكانه يسبّح، وأخذتُ
أبكي.
فلما قام تبعتُه حتى عرفت موضعه.
فجئت إلى فضيل بن عياض، فقال لي: ما
لي أراك كئيباً؟
فقلت: سبقنا إلى الله غيرُنا…
فتولّاه دوننا.
وقصصت عليه القصة، فصاح وسقط وقال:
ويحك يا ابن المبارك! خذني إليه!
قلت: ضاق الوقت، وسأبحث عن شأنه.
فلما كان من الغد… جئت إلى
الموضع، فإذا شيخ على باب دار قد بُسط له وهو جالس، فلما رآني عرفني وقال:
مرحباً بك يا عبدالله .. ما حاجتك؟
قلت: أحتاج إلى غلام أسود.
فأخرج إليّ عدداً من الغلمان، حتى
خرج الغلام الذي رأيته.
فلما وقع بصري عليه دمعت عيناي.
فقال الشيخ: هذا هو؟
قلت: نعم.
قال: ليس إلى بيعه سبيل؛ فقد
تبرّكتُ بموضعه في هذه الدار، لا يزرؤني شيئاً، وطعامه من كسبه القليل، ولا ينام
الليل، مشغول بنفسه، وقد أحببته.
فلم أزل أراجعه حتى قال: إن ممشاك
إليّ كبير… خذه بما شئت. فاشتريته، وأخذته نحو دار فضيل.
فلما مشينا ساعة قال لي الغلام: يا
مولاي. قلت: لبيك.
قال: لا تقل لي لبيك؛ فالعبد أولى
أن يلبي مولاه.
ثم قال: أنا ضعيف البدن لا أطيق
الخدمة، وقد كان لك في غيري سعة.
فقلت له:
لا يراني الله وأنا أستخدمك،
ولكني أشتري لك منزلاً، وأزوجك، وأخدمك أنا بنفسي.
فبكى وقال:
إنما اخترتني لما رأيت مني!… فبالله
عليك أخبرني.
فذكرت له ما رأيت.
فقال: إن لله خِيرةً من خلقه، لا
يكشف شأنهم إلا لمن أحب… وإن سرّي قد ظهر، ولا حاجة لي بعد اليوم بالبقاء.
ثم قال: دعني أتمّ ركعات بقيت
عليّ من الليل.
فدخل المسجد، فما زال يصلي…
ثم التفت إليّ وقال:
يا أبا عبد الرحمن… هل من حاجة؟
فإني منصرف.
قلت: إلى أين؟
قال: إلى الآخرة. ثم خرّ ساجداً
وهو يقول: [إلهي… اقبضني إليك الساعة… الساعة]
وجعل يردّد:
يا صاحبَ السِّرِّ إنَّ
السِّرَّ قد ظَهَرا *** فلا أُطيقُ حياةً بعدما اشتهرا
فما هو إلا قليل… حتى فاضت روحه.
قال ابن المبارك:
فوالله ما ذكرته قط إلا طال حزني،
وصغرت الدنيا في عيني.
والجواب في القصة عن سرّ وفاة
الشيخ محمد المقرمي رحمه الله، وهو أن كل من عرف الرجل علم مقدار نفوره من الظهور
الإعلامي، وحرصه على الخمول، وابتعاده عن كل ما يشتهر به بين الناس، وقد دُعي
مراراً لتسجيل برامج عن تأملاته ومنهجه التدبري، فكان يرفض بإصرار.
ورحلته الأخيرة إلى تركيا كانت
بضغط شديد عليه من بعض الإخوة هناك، وقد روى شيئا من ذلك الدكتور خالد بريه حيث
كان له في ذلك دور كبير جزاه الله خيرا، حتى وافق على الرحلة وقبل الظهور في بعض
البرامج التي انتشرت لاحقا مثل بودكاست وغيرها، لكن أظن والله أعلم أنه كان غير
مرتاح لذلك في أعماق نفسه، ولعل علامة ذلك أنه كان يقول: “اشتقتُ إلى لقاء
ربي..”.
ثم اعتمر بعد رحلته، وربما أنه
سأل الله أن يكون موته في مكة… فحقق الله رجاءه، وأعطاه أمنيته، وأحسن خاتمته.
وهذا هو المعنى الذي خطر لي حين
تذكرت هذه القصة لذلك الغلام الصالح، والعلم عند الله.
فطوبى له، وهنيئاً تلك الخاتمة.
اللهم اغفر لعبدك محمد المقرمي،
وارفع درجته في عليين، وأكرم ضيافته، وثبّتنا كما ثبّته، وأحسن خاتمتنا كما أحسنت
خاتمته، وألحقنا به في عبادك الصالحين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
-150x150.jpg)