آخر الأخبار

سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة

شارك المقال على :

سورة
الكهف في خريطة ميلاد الأمة

(الحلقة الثانية)

بقلم: التهامي مجوري

عضو الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين

 

لقد نزل القرآن منجما،
موزعا على تلك المدة الزمنية التي عاشها النبي صلى الله عليه وسلم، فلم ينزل دفعة
واحدة، وإنما كان ينزل مفرقا على أيام النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولياليه،
لحكمة يعلمها الله، ولكن ذلك لم يكن بعيدا عن مراعاة الظروف والفروق التي كانت بين
هذه الأيام من ميلاد الأمة، بحيث كانت التقارير الربانية تتنزل على محمد الواحدة
تلو الأخرى؛ بل إن بعض القضايا كانت تعالج بتكرار التوجيهات فيها، فكانت هناك قصص
مكررة، وتوجيهات مكررة، وأحكام مكررة.

فقصة آدم مثلا نزلت أكثر
من مرة، والتعريف بعداوة الشيطان للإنسان مكرر في أكثر من موقع في القرآن، والأمر
بالصلاة والزكاة أيضا، وتسبيح الله وحمده كذلك…، ناهيك عن الأحكام التي لم يتقرر
البت فيها دفعة واحدة وإنما تقرر الحكم النهائي فيها عبر تدرج ملفت، مثل تحريم
الخمر، فقد نزلت التوجيهات بشأنه متدرجة…، والملفت أيضا أن بعض سور القرآن لم
تنزل دفعة واحدة، وإنما نزلت مفرقة، فكان من القرآن ما نزل بعضه في مكة وبعضه نزل
في المدينة، وكل ذلك كما أسلفت لم يكن بمعزل عن تشكل وتطور ميلاد الأمة، في بنائها
ونضج نظمها ونمو مؤسساتها، ومنها تقرير القيم التي كانت أصولها في النبوات السابقة،
وتم توضيحها واكتمال صورها على يد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ بل إن بعض آيات
القرآن كان لنزولها أسبابا معلومة، حتى أن العلماء خصصوا لذلك مبحثا في علوم
القرآن يسمى بأسباب النزول، وألفوا في ذلك أعمالا مستقلة مثل كتاب “أسباب
النزول” للإمام الواحدي رحمه الله.

تلك هي بعض تفاصيل تنزل
الوحي وعلاقتها بمراحل ميلاد الأمة، وذلك هو لب الأمة التي نريد الكلام عن
خريطتها، وكيف تعامل معها القرآن الكريم في الرسالة الخاتمة، كأمة كمل بناؤها، وكَفِئَةٍ
ورثت النبوة بعد قائمة طويلة من النبوات، ومن ثم فهي المؤهلة دون غيرها من الناس،
للقيام بما يريد الله في هذا الوجود من حركية نافعة مطردة، وبوصفها القادرة على
إقامة الحق والعدل، وعلى التناغم مع حركة الوجود، بفضل طاعتها لله سبحانه وتعالى
وإقامة حدوده، وبما خصها الله به من هداية مشروطة بالنظام والانتظام وفق مراد الله
(
وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ
) [آل عمران 104]، (وَكَذلِكَ
جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ
عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى
عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما
كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ
رَحِيمٌ 
) [البقرة 143]، وليست تزكية مطلقة دون قيد وشرط، كما
توهم أهل الكتاب من قبل عندما اعتبروا أنفسهم أبناء الله وأحياؤه (
وَقَالَتِ
الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ
يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن
يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
) [المائدة 18].

لقد خاطب القرآن هذه
“الأمة” المصطفاة، بلغة الفئة المنتخبة، فعرض عليها ما قرر ابتداء،
وذكّرها بما نسيت البشرية من أخبار الأقوام الغابرين، وشرع لها مما تستكمل به
هدايتها في التعامل مع الوجود، كما سن لها ما تحتاج إليه من مناهج للتجديد، الذي
تقتضيه الحياة تثبيتا لتوحيد الله وإقامة العبادة والمحافظة على إقامة الحق
والعدل.

وإذا كان المفسرون
والدارسون للقرآن الكريم، قد أكدوا في دراساتهم على الفروق التي لمسوها من تمايز في
طبيعة مواضيع القرآن المكي والقرآن المدني وما بينهما من تباين وتنوع، في الأسلوب
وفي طبيعة المواضيع المثارة هنا وهناك، وكيفية معالجتها في كل مرحلة وما تتميز به
هنا وهناك…إلخ، فإن قراءة القرآن المكي والمدني، تقتضي الوقوف على تفاصيل مهمة
أيضا، كان أثرها في تشكل الأمة واكتمال صورتها في البنيان واضحا للعيان، كما ذكر ذلك
الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث البنيان “مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل
رجل بنى بنيانا…” المذكور الحلقة السابقة، حيث عرض القرآن لخبرة الأنبياء
مع أقوامهم، كما ذكر توصيفا دقيقا لطبيعة الدعوات عبر التاريخ، والنظم البشرية
وعادات الناس والمجتمعات، وكيفية التعامل مع كل ذلك وفق منهجيات وتفاصيل علمية
وعملية عرض للكثير منها.

ورغم أننا لم نعرف متى قال
النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث؟ إلا أنه كان بمثابة الكشف عن أن مهمة
الرسالة الخاتمة هي إتمام البناء بسد موضع “اللبنة”، فإذا ورد الحديث في
بدابة الدعوة، فهو تمهيد للمهمة التي على عاتق الأمة، وإذا قيل في آخر الرسالة،
فهوة إعلام بإتمام البناء وميلاد الأمة، الميلاد الكامل الذي يجب المحافظة عليه
بعد ذلك؛ لأن التفريط فيه يهدد البناء بالانهيار.

وسورة الكهف التي نزلت في
الفترة الأولى من الدعوة النبوية والرسالة الخاتمة، وهي الفترة المكية، التي دامت
ثلاث عشرة سنة…، وأغلب الظن أنها نزلت ما بين السنة الرابعة أو السنة الخامسة
للبعثة، في الفترة التي كانت الكوكبة المؤمنة تتعرض فيها إلى الصد والتكذيب
والتعذيب، والمواجهة بالإنكار لما يدعون إليه، حتى أن النبي محمد صلى الله عليه
وسلم تأذى نفسيا من هذا الجفاء الذي كان يلاقيه من قومه، وقد سجل الله هذا المشهد في
نفس السورة ولم يهمله، وذلك في قوله تعالى: (
فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ
يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا
)  [الكهف 6].

في هذه المرحلة الزمنية من
تاريخ الدعوة نزلت سورة الكهف، فكانت بمثابة الرافد للفئة المؤمنة والقوة الباعثة،
على مواجهة ما تتعرض له من صد ومضايقات واضطهاد وتهميش ومصادرة للمواقف
والممتلكات…، والطاقة الباعثة على مواجهة التعذيب والاستهزاء الذي يلاقونه
عموما، ويلاقيه محمد صلى الله عليه وسلم خصوصا.

ولم تزل هذه الحال “حتى
نبا بهم المقام في مكة، وأوعزتهم أن يفكروا في حيلة تنجيهم من هذا العذاب الأليم،
وفي هذه الساعة الضنكة الحالكة نزلت سورة الكهف… وفي رجب سنة خمس من النبوة هاجر
أول فوج من الصحابة إلى ‌الحبشة. كان مكونا من اثني عشر رجلا وأربع نسوة، رئيسهم
عثمان بن عفان، ومعه السيدة رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال النبي
صلى الله عليه وسلم فيهما: «إنهما أول بيت هاجر في سبيل الله بعد إبراهيم ولوط
عليهما السلام”[1].

لقد علل أهل السيرة الهجرة
إلى الحبشة بعدم قدرة النبي صلى الله عليه وسلم على حماية أصحابه من البلاء، الذي
صب عليهم صبا فقال لهم: “لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا ‌لا ‌يُظْلم ‌عنده
أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه…، فخرج عند ذلك المسلمون
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى
الله بدينهم”[2]،
ولم يذكروا لنا كيف اهتدى النبي وأصحابه إلى هذه الصيغة التي سيؤمر بها بعد حين،
رغم أن ظاهرها فرار من الميدان، وذلك غير معهود في الطبيعة العربية.

والذي يبدو من سياق نزول
سورة الكهف وهذه الهجرة الأولى في الإسلام في وقت واحد، أن هذه الهجرة مستوحاة من
قصة أهل الكهف، الذين لم يقدروا على مقاومة السلطة التي أرادت إجبارهم على الشرك،
فاضطروا لهجر قومهم بسبب ذلك واعتزالهم فرارا بدينهم.

فسورة الكهف إذن نزلت في
هذه المرحلة، وقد نزلت جملة واحدة باستثناء بعض الآيات، اختلف المفسرون في نزولهما
فقيل نزلت بالمدينة وقيل بمكة، ولكنهم رجحوا نفي نزولها في المدينة استنادا إلى
أسلوب وسياق تلك الآيات، وبعضهم توقف لغياب ما يؤكد النفي أو الإثبات[3].

يتبع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* اقرأ: سورة الكهف في خريطة ميلاد
الأمة (الحلقة الأولى)

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها،
ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

 



[1]– المباركفوري، الرحيق المختوم، ص 81

[2]– السيرة لابن إسحاق

[3]– ابن عاشور، سيد قطب، محمد عزت دروزة، في تفاسيرهم.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان