آخر الأخبار

سرّ نهوض الأمم: الإبداعُ والبحثُ والعطاءُ الحضاري

شارك المقال على :

سرّ نهوض الأمم: الإبداعُ والبحثُ والعطاءُ
الحضاري

بقلم: شعيب الحسيني الندوي

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

عندما نقلب صفحات التاريخ الإنساني، ونتأمل صيرورته
الطويلة الممتدة على آلاف الأعوام، يتجلّى أمام أعيننا قانونٌ ثابت لا يتغير،
وسُنّةٌ جارية لا تتخلّف: إنَّ عظمةَ الأمم ورفعتها لا تُقام على الأموال المتدفقة
ولا على الجيوش الجرّارة وحدها، وإن كانت هذه من أدوات القوة، بل إن الأساس
الحقيقي لنهضة الأمم إنما هو ما تمنحه للإنسانية من علمٍ، وما تهديه من فكرةٍ، وما
تزرعه في الأرض من قيمٍ ومعارف. فالأمم المعطاءة، لا الأمم المستهلكة، هي التي
تحفر أسماءها على صفحة الخلود.

العطاء المعرفي أساسُ الحضارات:

لقد أدرك أعلام الفكر والتاريخ، أمثال ابن خلدون وتوينبي
وويل ديورانت، أن الحضارات لا تنهض بالدعة والترف، وإنما تنهض حين تمتلك من عبقرية
العقل وشجاعة التفكير ما يتيح لها إعادة تشكيل العالم. ولذا قال توينبي قولته
الخالدة: “الحضارات تقفز إلى الأمام بجهود الأقليات الخلّاقة، وتسقط حين يخمد
وهج الإبداع وتجف منابع القوى الخلّاقة”.

فالنهضة ليست نتاج كثرة السكان، ولا وفرة الموارد، بل هي
أولاً وآخراً ثمرةُ العقل المفكّر والخيال المبدع والضمير الذي يريد أن يضيف إلى
الوجود شيئاً جديداً.

وبيّن التاريخ مراراً أن الأمم التي انشغلت بالاستهلاك،
ورضيت بأن تكون تابعةً لغيرها، ظلت مهما ارتفع دخلها أو ازدادت قوتها المادية على
هامش التأثير، لا تملك لنفسها ولا لغيرها هدايةً ولا توجيهاً.

المسلمون… حين كانوا “أمّةً معطاءة”:

لعلّ أوضح الأمثلة على هذا القانون الحضاري هو تاريخ
الأمة الإسلامية. فبعد أن خرج المسلمون من جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي،
لم يخرجوا بوصفهم فاتحين بالسيف فحسب، بل كمبدعين، ومعلّمين، ومجددين. نهضت الأمة
نهضةً هائلة جعلتها لقرونٍ عدة تُعدّ ضمير العالم وعقله.

كانت حواضر الإسلام – بغداد، وقرطبة، والقاهرة، وسمرقند،
وقرطبة – قبلة العلماء، ومقصد طلاب الحكمة. وفيها: أنشئ بيت الحكمة الذي كان أشبه
بمجمع للعلوم الدولية.

وظهرت المدارس النظامية التي أسست التعليم الأكاديمي
الحديث.

وأقيمت المكتبات الضخمة التي ضاهت في محتواها ما لم
يعرفه العالم من قبل.

لم يكن المسلمون ناقلين لعلوم اليونان والفرس والهند
فحسب، بل كانوا – وهذا هو الأهم – مُطوِّرين ومبدعين، يعيدون صياغة المعارف
ويضيفون إليها ما يرفعها إلى مستوى جديد.

منارة العلوم في العصر الذهبي الإسلامي:

في رياضياتهم برز الخوارزمي، فكان الجبر مولوداً على
يديه، ثم أصبح لاحقاً أساساً للحوسبة الحديثة.

وفي الفيزياء نهض ابن الهيثم، فوضع أسس علم المناظر،
ووضع منهج التجربة الدقيقة قبل أن يولد غاليليو بقرون.

وفي الطب وقف الرازي وابن سينا موقف الريادة، وظلّت
كتبهما تدرّس في جامعات أوروبا حتى القرن السابع عشر.

أما في الفلسفة والاجتماع والعمران، فقد جاء ابن رشد في
الغرب الإسلامي، وابن خلدون في المغرب العربي، ليؤسسا مدارس فكرية بقي أثرها
ممتداً حتى عصرنا.

وهكذا تحوّلت الأمة الإسلامية إلى حضارة مانحة أفادت
منها أوروبا ثم نهضت على أساسها نهضتها الحديثة.

العطاء الحضاري… من العمارة إلى الإدارة:

ولم يكن المسلمون مبدعين في العلوم الطبيعية وحدها، بل
قدّموا للعالم أنظمةً مدنية شاملة، منها:

المستشفيات الوقفية التي سبقت نظيراتها الغربية بقرون،

المدن المُخطَّطة بتناسق عمراني،

أنظمة القضاء والإدارة القائمة على الشفافية،

الجامعات ومراكز الترجمة،

الحمامات العامة، والطرق المعبّدة، والإنارة الليلية،

وتقاليد الوقف التي دعمت العلم والخدمات الاجتماعية.

كانت الحضارة الإسلامية مثالاً لما يسميه المفكرون اليوم
“الدولة الرفاهية والمدنية” قبل أن يظهر هذا المصطلح بقرون طويلة.

حين توقّف الإبداع… بدأ الانحدار:

ولكن — كما هي سنة التاريخ — حين خمدت جذوة الإبداع،
وضعف الاجتهاد، وتراجع البحث العلمي؛ بدأ الانحدار شيئاً فشيئاً.

لم يسقط المسلمون حين ضعفت جيوشهم، بل حين ضعفت عقولهم،
وحين استبدلوا الاجتهاد بالتقليد، والبحث بالجدل، والمعرفة الحيّة بالنصوص
الجامدة.

فبدأت الأمم الأخرى تتقدم، وعلى رأسها أوروبا ثم أمريكا
واليابان، وأخيراً الصين التي جعلت من العلم والتقنية سلّمها إلى القوة والنفوذ.

قانون التاريخ الدائم: من يقُد العقل يقُد العالم:

يخبرنا التاريخ في دوراته المختلفة أن القيادة العالمية
لا تُستمد من السلاح، بل من العقل المفكر، والنفوذ السياسي يشتد بقوة الابتكار
العلمي، والمجد الحضاري لا يُنتزع بالثروة، بل بالمعرفة المُنتجة.

وأمّا الأمم المستهلكة فتبقى في ذيل الركب مهما علت
أصواتها أو كثرت أموالها.

والإنسانية اليوم كما كانت الأمس لا تبحث عن الأمة
الأقوى جسداً، بل عن الأمة الأقوى فكراً.

ولا عن الأمة الأعلى صراخاً، بل عن الأمة الأعلى عطاءً.

أخيرا أؤكد أن نهضة اليوم لا تختلف عن نهضة الأمس، لقد
نهض المسلمون حين كانوا أمة فاعلة، باحثة، مبتكرة، عطّاءة، وتراجعوا حين أصبحوا
مستهلكين، مقلّدين، تابعين.

والقانون الذي حكم الأمس، هو نفسه الذي يحكم اليوم:

العلم، فالابتكار، فالعطاء… هي مفاتيح النهوض.

ومن أراد قيادة العالم فعليه أولاً أن يقود الفكر.

ومن شاء مجد الأمم فعليه أن يصنع مجد المعرفة.

ومن يطمح لسيادة المستقبل فعليه أن يقدم للبشرية شيئاً
ينير دربها.

فالأمم التي تعطي، هي الأمم التي تعلو.

والأمم التي تفكر، هي الأمم التي تقود.

والأمم التي تبتكر، هي الأمم التي تكتب
أسماءها في سجل الخلود.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان