ثبات الإخلاص في زمن التواصل: سر العمل لله المستمر
الشيخ بن سالم
باهشام
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
مقدمة
النداء للخطباء المفصولين:
الحمد لله حمدًا
طيبًا مباركًا فيه، نحمده على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، ونشكره على توفيقه لنا
في الثبات على دينه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمّدًا عبده
ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه أجمعين.
أما بعد، أيها
الإخوة الخطباء المؤمنون الكرام، أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله عز وجل، فإنها
تاج المتقين، وسبب دوام النعم؛ واستمرار البركات.
واعلموا أن هذا
النداء؛ يحمل معاني عميقة؛ تتعلق بالصدق في العمل للدعوة وديمومته، وخصوصًا في زمن
وسائل التواصل الاجتماعي؛ التي أصبحت منبر الخطب والدعوة. ويمكن تناول الموضوع
المفصل للخطباء الموقوفين على النحو التالي:
في هذه المقدمة
سأركز على ثلاث نقط:
– النقطة
الأولى: التأكيد على أن كل عمل لله تعالى يثبت
ويستمر، وأن ما كان لغير الله يُقطع وينقطع.
– النقطة
الثانية: أهمية إخلاص النية في الخطاب الدعوي،
وأثره على ديمومة العمل واستمراريته.
– النقطة الثالثة:
دور وسائل التواصل الاجتماعي في تمكين
الدعاة والخطباء من تبليغ دعوتهم.
أيها الخطباء
الأكارم، يامن عزلتم من منابركم كرها وعدوانا، اعلموا أن لله أعمالًا ما دام لها
وجهٌ وتوجهٌ إليه، ثبتت واستمرت، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، ذاك حكمة
ربانية، يدعوها العقل، ويشهد بها القلب المؤمن، فكم من عمل بدأ بنية صادقة، لكنه
غُيّر مع الزمن، فأفقده الخلود، وأوقفه عن الاستمرار، وكم من دعوة ابتدأت صغيرة،
ثم عظمت وفرحت بها القلوب، لأن صاحبها أخلص النية لله، وصبر على الابتلاء، وتمسك
بالعمل دون كلل أو ملل. قال تعالى في سورة السجدة: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا
صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: 24]، فبالصبر واليقين تنال الإمامة.
أيها الإخوة
الخطباء، إن العمل الذي يُراد به وجه الله، هو الحياة الحقيقية للأعمال، وهو
السبيل إلى تنمية القلوب، ونماء الفكر، وإصلاح المجتمعات. قال الله تعالى في سورة
البينة: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ) [ سورة البينة: 5]، أي
ينبغي أن يخلص له الدين حتى يستمر ويُبلور الأثر، ويكون سببًا في رضوان الله
وكرمه. أما الأعمال التي تُقصد بها مصالح دنيوية، أو الرياء، أو التظاهر، فإنها
كغشاء على البصائر، يُطفأ نورها، ويجعلها قاصرة عن العطاء، فلا تجد إلا أن تُقطع
وتنقطع.
أيها الإخوة
الخطباء الكرام، إن من دعاة الحق؛ من وقعوا في مختبر الصبر، ففي بداية طريقهم كان
لهم حضور، وحماس، وهمة عالية، ولكن عند أول عقبة، أو توعك، أو ادعاء، قُطعَت سبُلٌ
كثيرة، وأُقفلت أبواب، وكان ذلك سببًا لأن يظن البعض؛ أن الطريق قد انتهى، أو أن
العمل لن يدوم. لكن رسالة اليوم، تذكرنا أن من أسباب قطع العمل وانقطاعه، هو نقص
في الصبر، وعدم استثمار ما أتاحه الله من وسائل وأدوات الدعوة، وخاصة في عصرنا هذا
الإعلامي الرقمي، الذي يجعل صوت الحق يصل إلى أبعد مدى.
أـيها الخطباء
الكرام، إننا في زمن تتصاعد فيه التحديات على دعوة الله، وهذا يتطلب منا الثبات
والصبر، والصدق في النية، والإخلاص في العمل، فكل ما كان لله تعالى دام واستمر
واتصل، وما كان لغير الله انقطع واندثر وانفصل.
أـيها الخطباء
الكرام، لقد كنتم طيلة خطبكم على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حكماء لينين،
لم يدع أحد منكم، إلى عنف ولا إلى فتنة، ورغم ذلك أقلتم من واجب الخطابة الذي
ابتليتم به، بعد أن أبليتم فيه البلاء الحسن، واستغني عنكم، لا لشيء، إلا لكونكم
أديتم وظيفتكم على أحسن وجه، فلم تنافقوا، ولم تداهنوا، ولم تتملقوا، ولم تزيفوا
الحقائق، بل نطقتم بالحق في أوانه دون تأخير، لأنه لا ينبغي تأخير البيان عن وقت
الحاجة، وبطريقة حكيمة.
أيها الأحباب
الخطباء الكرام، لا تنسوا أننا نعيش اليوم في عصر وسائل التواصل الاجتماعي؛ التي
أصبحت ميادينَ جديدة للدعوة، فتثبتوا وواصلوا بكل قوة، فإن استمراركم في تسجيل
خطبكم كل جمعة ونشرها، هو علامة على إخلاصكم.
المحور
الأول: مفهوم العمل لله تعالى:
في هذا المحور
سنتناول ثلاث نقط:
– النقطة
الأولى: ما معنى أن يكون العمل “لله”؟
– النقطة
الثانية: الفرق بين العمل لله، والعمل لغير الله (الرياء، والمصلحة الشخصية،
والشهرة).
– النقطة الثالثة: أثر إفراد العمل لله على استمراريته وثباته.
أيها الأحبة
الخطباء الكرام، إن العمل الحقيقي؛ هو ما يُخصص وجهه لله وحده، وهو التفويض الكامل
لله عز وجل في القصد والغاية، قال تعالى في سورة البينة: ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ
الْقَيِّمَةِ) [البينة: 5]، فالعمل لله، هو الذي تنبع منه البركة، وتمضي أُثُره،
ويبقى أثره، لأن الله هو الذي يُحيي ويميت، ويثبت ويقطع.
أما الأعمال
التي تُلصق بها أسباب دنيوية، أو تُسخر للمصالح الشخصية، أو للشهرة، فهي عاجزة عن
إحداث أثر طويل، تُقطع وتنقطع عاجلًا أم آجلًا. فالعمل لله، تراه دائمًا يدفعك
للاستمرار رغم العقبات، ورغم الصعاب، ولا يعلم إلا الله مقدار ما فيه من الخير
والبركة، قال تعالى في سورة آل عمران: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ
عَلَيْهِ؛ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ
يَشَاءُ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ
أَجْرٌ عَظِيمٌ) [آل عمران: 179].
المحور
الثاني: أسباب قطع العمل وانقطاعه:
سأتناول في هذا
المحور ثلاث نقط:
– النقطة الأولى: الأعمال التي لا تصاحبها نية خالصة: تعتبر رياء، وسمعة، واقتناص مكاسب
دنيوية.
– النقطة الثانية: ضعف الصبر والالتزام، والتوقف عند أول عقبة.
– النقطة الثالثة: عدم الاستفادة من فرص التواصل الحديث للبقاء في الميدان.
أيها الخطباء
الأحباب الأكارم، لماذا قد ينقطع العمل ويُوقف؟ مِن الأسباب الكبرى:
1 – عدم إخلاص النية: فالرياء
والسمعة، سبب في أن يُحبط الله العمل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال
بالنيات…).
2 – ضعف الصبر وعدم الاستمرارية: فكم من دعاة
بدأوا بقوة واندفاع، ثم توقفوا عند أول مشكلة أو عقبة مادية أو اجتماعية.
3 – قصر النظر، وترك الوسائل الحديثة التي تقوي صلة الداعية بمستمعيه: فالعمل الذي لا
يُرعى بالصبر والمثابرة، ولا يُستثمر في الوسائل المتاحة، لا يُكتب له الاستمرار.
المحور
الثالث: علامة الإخلاص في استمرار تسجيل ونشر الخطب:
سأتناول في هذا
المحور أربع نقط رئيسية:
– النقطة الأولى: استمرارية تسجيل
الخطب ونشرها صوتًا وصورة كل جمعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
– النقطة الثانية: كيف تعكس هذه الاستمرارية إخلاص الخطيب وحرصه على الدعوة؟
– النقطة الثالثة: أمثلة على خطباء ابتلوا وفصلوا، وثبتوا عبر استمرارية حضورهم في
الفضاء الرقمي.
– النقطة الرابعة: أهمية تجديد الطاقات وعدم اليأس عند الصعوبات.
أيها الخطباء
الأحرار، إخواني في الله، مما يدل على صدق الإخلاص، وتجديد النية، هو أن يتحلى
الخطيب – المفصول عن واجب خطبة الجمعة -، بجدية في تثبيت دعوته، في زمن تتيح لنا
فيه وسائل التواصل الاجتماعي أن لا نصمت، ولن يذهب صوتنا هدراً. إن استمرار تسجيل
الخطبة كل جمعة، ونشرها بالصوت والصورة، على هذه المنصات الرقمية، هو تجديد دائب
لعمل دعوي له أثر، هذه الاستمرارية، تدل على أن الأمر لله، وأن الداعية لا يبتغي
بعمله إلا وجه الله ورضاه قبل العزل وبعده.
وهذا الاستمرار،
يشبه دوام الصلاة، له أثر يستمر بإذن الله، ولو جاء صوتك وصورتك للناس كل أسبوع،
بأحاديث وذكر وتوجيه، فقد أصبحت بذلك منارات نور في ظلمة.
أيها الخطباء
الأحرار، من هنا، نسأل أنفسنا كيف نثبت على دعواتنا؟ وكيف نُظهِر إخلاصنا الذي
يُفرّق بين النيات الصادقة والمهووسة؟ إن سر ثبات الداعية وإيمانه بأهميته، أن
يستمر في العطاء من خلال ما تتيح له الوسائل الحديثة، فلا يترك قنوات التواصل
السمعية والبصرية تنقطع، بل يستمر بتسجيل خطبه ونشرها، ومشاركة الخير مع الأمة كل
جمعة، بالصوت والصورة، بكل حيويةٍ ونشاط.
أيها الإخوة
الخطباء الأحرار، إن استمراركم في تسجيل الخطب ونشرها، هو علامة على صدق النية،
وإخلاص القصد، فالبلوغ إلى الناس، لا يكون فقط من المنبر المادي، بل أصبح المنبر
الرقمي هو الحاضر في ساحة الدعوة، فاستثمروه أحسن استثمار، وكونوا عند حُسن ظن
الله بكم.
المحور
الرابع: أدوات واستراتيجيات لمواصلة العمل الدعوي:
وسأتطرق في هذا
المحور لثلاث نقط، تتمحور حول وجوب التعلّم لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي
بفعالية.
– النقطة الأولى: التنوع في المحتوى البصري والسمعي لضمان استقطاب جمهور متنوع.
– النقطة الثانية: التنسيق مع جماعات دعم، وفريق عمل، لتحقيق الاستمرارية.
– النقطة الثالثة: التحلي بالصبر والمثابرة، وعدم ترك الخطب تتوقف مهما كانت الظروف.
أيها الخطباء
الكرام، يا من زُجّ بكم في سجون الإيقاف، أو مُنعت خطبكم، أو وجدتم صعوبة في
الوصول إلى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تيأسوا! فهذه وسائل الله
المتعددة، وقد أتاحها لنا سبحانه لنُظهر صوت الحق، لهذا:
1 – تعلموا استخدام وسائل التواصل الاجتماعي: فيسبوك،
ويوتيوب، وإنستغرام، وغيرها لإيصال صوتكم مباشرة.
2 – اجعلوا محتواكم
متنوعًا، صوتًا وصورة، وخطابة مصورة، تلمس القلوب، وتُحسن التعبير.
3 – ابحثوا عن دعم
تقني من أصدقاء أو مجموعات مهتمة بالعون الدعوي.
4 – استمروا بالصبر،
وثقوا أن الله عز وجل مع الصابرين، فلا تتركوا العمل عند أول إحباط.
أيها الخطباء
الأحرار، لا يخفى عليكم أننا في زمن متغير، لا بد فيه للداعية أن يتعلم مهارات
الإعلام والتقنية، وأن يجدد أساليبه ليصل بصوته إلى القلوب والعقول، في تنوع
المحتوى، وتعدد الوسائط بين الصوت والصورة، وبمحتوى يلامس هموم الناس ويجيب عن
أسئلتهم.
ومن الوسائل
الناجحة التي تساعدكم على الاستمرار، هو التنسيق مع جماعات دعم، والاستعانة
بأصدقاء متعاونين لديهم خبرة تقنية، فلا تتركوا الإحباط يعطلكم، ولا الظروف
المحيطة توقفكم، واعلموا أن الله مع الصابرين، وأنه سبحانه لا يضيع أجر من أحسن
عملاً
بن سالم باهشام