آخر الأخبار

محاذير في طريق الأخوة المُعينة على طريق الخير

شارك المقال على :

محاذير في
طريق الأخوة المُعينة

على طريق الخير

المقدمة

الحمد لله الذي ألّف بين قلوب المؤمنين، وجعل
الأخوة في الله رباطًا موصولًا بنور السماء، والصلاة والسلام على سيد الخلق محمدٍ
بن عبد الله، الذي آخى بين المهاجرين والأنصار؛ فصارت الأخوة في سبيل الله زادًا
للسائرين، وسندًا للدعاة والعاملين، ورحمةً تتنزل على القلوب إذا صدقت النية وسلم
القصد
.

إنَّ
الأخوة الصالحة من أعظم نعم الله على عباده، وهي من أهم عوامل الثبات على طريق
الدعوة والخير، لكن هذه النعمة الجليلة ليست بمنأى عن الابتلاء، إذ تتهددها
محاذيرُ دقيقة إن لم يُنتبه لها أفسدت ثمرتها، وفرّقت شملها، وبدّدت أثرها
.

ومن هنا
جاء هذا المقال ليبيّن أبرز المحاذير في طريق الأخوة المعينة على طريق الخير،
مستلهمًا العِبر من مواقف الأنبياء والصالحين، وموقف موسى وهارون عليهما السلام
خاصةً، وما جرى بينهما من اجتهاد واختلاف لم يُفسد صفاء المودة ولا صدق الرسالة،
وليُرسي قاعدة جليلة في التعامل مع الخلاف، وضبط الغضب، وقبول العذر، والحذر من
الشماتة والافتراق
.

فالغاية
أن تبقى الأخوة الإيمانية رابطةً راشدةً، قائمةً على الفهم والرفق والتغافر، وأن
يعي المؤمن أن حفظها عبادةٌ عظيمة لا تقل شأنًا عن الدعوة نفسها، إذ بها تُصان
الجماعة وتتحقق مقاصد الشريعة في الألفة والوحدة
.

ويتحقق باتفاق الأخوة المعينة ومحبتهم وألفتهم، مصالح كثيرة للإسلام والمسلمين،
يجب عليهم أن يحافظوا على هذا الاتفاق ويصونه من أي عقبة تقابله، وأي محذور يتهدده
ومن هذه المحاذير: 

أولاً : الحذر من أن يكون الاجتهاد المرجوح سبباً
للافتراق بعد الاتفاق :

لما غاب
موسى
uعن قومه لبضعة أسابيع واستخلف عليهم هارونu، سرعان ما جنح أكثرهم إلى الشرك والانحراف
ومعصية النبي الغائب عنهم، والنبي الحاضر فيهم.

وكان على
هارون
u أن يواجه الموقف ويجتهد له اجتهاده ويسوسه
بسياسته، على الأقل إلى حين عودة موسى
u.

وعامة المفسرين على أنه كان أمام خيارين:

أحدهما : يمثل الصرامة المبدئية وهو أن يواجه المفسدين
والمنحرفين، مستعينًا بمن بقي معه من المؤمنين الصالحين، وهو خيار يمكن أن يصل إلى
حد الاقتتال، مع ما في ذلك من تعميق العداوة والفرقة، وقد كاد المفسدون أن يقتلوا
هارون
uنفسه لمجرد إنكاره عليهم!

والخيار
الثاني
: الذي
كان أمامه هو الليونة والمسايسة إلى حين عودة موسى
u، وفي هذا الخيار المؤقت حفظ للجماعة وحقن
لدمائها.

وقد
اختار هارون
u المسلك الثاني، وهو الاختيار الذي أغضب موسىu قبل أن يشرح له هارون ملابسات هذا الاجتهاد
وحكمته، كما جاء في قوله في سورة الأعراف {قَالَ ابْنَ
أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ
بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين}[الأعراف:150]
،  وقوله في سورة طه: {قَالَ
يَاابْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن
تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}[طه:94].

ويلاحظ
أن القرآن الكريم لم يخطّئ هارون في اجتهاده وسياسته، ولا موسى في غضبه
واحتجاجه عليه ولومه إياه.

والذي
يبدو -والله أعلم- أن كلا منهما قد فعل ما كان ضرورياً في حقه، فهارون
u حافظ على قومه وجماعته من الاقتتال وتعميق
الفرقة والعداوة، بنوع من المهادنة المؤقتة لأهل الباطل “عبدة العجل“،
وموسى غضب واحتج وواجه المبطلين، غيرة على الدين وذباً عن التوحيد، تصحيحًا وتثبيتًا
للمبادئ والأصول، خاصة أنه كان الأعلى مكانة والأنفذ كلمة في قومه.

وهذا الاجتهاد يؤكد ” أن الاجتماع على المرجوح خير من
الافتراق على الراجح
” ؛ لأن الاجتماع هو الطريق للوصول إلى
الراجح بعد ذلك، وأن الاجتماع مقصد من مقاصد الشريعة .

ونلاحظ أن موسى u لم يفترق عن أخيه المُعين باجتهاده المرجوح، بل أعان أخاه على سياسة
بني إسرائيل لتبلغيهم رسالة ربهم .

ثانياً : الحذر من أن تكون الصفات الشخصية سبباً
في الافتراق بعد الاتفاق:

نلاحظ
تصوير القرآن لغضب موسى
u وكأن الغضب هو المُهيج له كما قال تعالى : {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ
وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ
يَرْهَبُون}[الأعراف:154]
،
قال صاحب الظلال- رحمه الله- :”
التعبير القرآني يشخص الغضب . فكأنما هو حي . وكأنما هو مُسَلَّط على موسى
u، يدفعه ويحركه”([1]).


وفي هذا النظم الكريمِ من البلاغة والمبالغةِ بتنزيل الغضبِ الحاملِ له على ما صدر
عنه من الفعل والقول منزلةَ الآمرِ بذلك المُغري عليه بالتحكم والتشديد”(
[2]).

وقال
الشيخ رشيد رضا-رحمه الله – :” السُّكُوتُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ : تَرْكُ
الْكَلَامِ فَهُوَ هُنَا مَجَازُ تَشْبِيهٍ أَوْ تَمْثِيلٍ مَبْنِيٌّ عَلَى
تَصْوِيرِ الْغَضَبِ بِشَخْصٍ ذِي قُوَّةٍ وَرِيَاسَةٍ يَأْمُرُ وَيَنْهَى
فَيُطَاعُ”(
[3]).

وقال ابن عاشور-رحمه الله –  :” وَالسُّكُوتُ مُسْتَعَارٌ لِذَهَابِ
الْغَضَبِ عَنْهُ، شُبِّهَ ثَوَرَانُ الْغَضَبِ فِي نَفْسِ مُوسَى الْمُنْشِئُ
خَوَاطِرَ الْعُقُوبَةِ لِأَخِيهِ وَلِقَوْمِهِ، وَإِلْقَاءُ الْأَلْوَاحِ حَتَّى
انْكَسَرَتْ، بِكَلَامِ شَخْصٍ يُغْرِيهِ بِذَلِكَ، وَحَسَّنَ هَذَا التَّشْبِيهَ
أَنَّ الْغَضْبَانَ يَجِيشُ فِي نَفْسِهِ حَدِيثٌ لِلنَّفْسِ يَدْفَعُهُ إِلَى
أَفعَال يطفىء بِهَا ثَوَرَانَ غَضَبِهِ، فَإِذَا سَكَنَ غَضَبُهُ وَهَدَأَتْ
نَفْسُهُ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ سُكُوتِ الْمُغْرِي، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ
عَلَيْهِ السُّكُوتُ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ تَشْبِيهَ الْغَضَبِ بِالنَّاطِقِ
الْمُغْرِي عَلَى طَرِيقَةِ الْمَكْنِيَّةِ (
[4]).

فيُحْتَمَل من الفاضل ما لا يُحتمل من غيره .

قال ابن القيم-رحمه الله-  :” يُعْفَى للمحب ولصاحب الإحسان العظيم
ما لا يعفى لغيره ويسامح بما لا يسامح به غيره، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية –
رحمه الله- يقول : انظر إلى موسى
u رمى الألواح التي فيها كلام الله الذي كتبه
بيده؛ فكسرها وجر بلحية نبي مثله وهو هارون ولطم عين ملك الموت ففقأها، وعاتب ربه
ليلة الإسراء في محمد ورفعه عليه وربه تعالى يحتمل له ذلك ويحبه ويكرمه ويدلله؛
لأنه قام لله تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعدى عدو له، وصدع بأمره، وعالج أمتي
القبط وبني إسرائيل أشد المعالجة؛ فكانت هذه الأمور كالشعرة فى البحر، وانظر إلى
يونس بن متى حيث لم يكن له هذه المقامات التي لموسى غاضب ربه مرة؛ فأخذه وسجنه في
بطن الحوت ولم يحتمل له ما احتمل لموسى وفرق بين من إذا أتى بذنب واحد ولم يكن له
من الإحسان والمحاسن ما يشفع له وبين من إذا أتى بذنب جاءت محاسنه بكل شفيعكما
قيل:

 وإذا
الحبيب أتى بذنب واحد                     جاءت
محاسنه بألف شفيع(
[5]).

فاتباع منهجية إقالة العثرات للفضلاء من محاسن
الشريعة كما ورد عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ :قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ
r أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ
إِلَّا الْحُدُودَ(
[6]).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ tقَالَ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مَنْ أَقَالَ عَثْرَةً أَقَالَهُ اللَّهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ(
[7]).

قال ابن القيم- رحمه الله- :” وإقالة ذوي الهيئات
باب من أبواب محاسن الشريعة الكاملة وسياستها للعالم، وانتظامها لمصالح
العباد
في المعاش والمعاد” ([8]).

ثالثاً : الحذر من تشمِّيت الأعداء عند حدوث
الاختلاف:

يستجيش
هارون
u وجدان الأخوة الناصرة المعينة، حين يكون
هناك الأعداء الذين يشمتون فيقول : {فَلاَ تُشْمِتْ
بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين}[الأعراف:150]
.

الشماتة: السرور من الأعداء بما يصيب من يعادونه مع
المصائب.

ومن سنته r 
الاستعاذة بالله من شماتة الأعداء:

 عن أَبِي
هُرَيْرَةَ
t :أَنَّ النَّبِيَّ r كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ
وَمِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ وَمِنْ شَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ وَمِنْ جَهْدِ
الْبَلَاءِ(

+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان