كلمة سماحة الشيخ علي القره داغي في المنتدى الدولي
للمباحثات الاستراتيجية بتركيا
بسم الله الرحمن
الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم
بإحسان. أيها الإخوة الكرام، أيتها الأخوات الكريمات، السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته. في البداية أقدّم شكري الجزيل لأخي الحبيب الأستاذ الدكتور الشيخ موسى،
رئيس الجامعة الإسلامية في هذا البلد العزيز، بلد الحافظ بدر الدين العيني، وكذلك
إلى عدد كبير من علماء الأمة. أحيّيهم على هذه الجهود المباركة. بصراحة كنت أود أن
أتحدث عن موضوع المؤتمر الذي هو مهم جداً للعالم الإسلامي: إلى أين؟ لكني سأحاول
أن أربط بين هذا والسؤال الذي تفضّل به الأخ العزيز مقدّم البرنامج.
الجميع يعلم أن
الأمم المتحدة فُرضت من قِبَل الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، ولذلك لم
تراعِ هذه الدول إلا مصالحها، سواء كانت مصالح خاصة بدولة ما أو مصالح استراتيجية
عامة وبخاصة السياسة الغربية. وبالتالي قضية الأمم المتحدة كانت تهدف إلى تهدئة
العالم بعد حربين عالميتين خلال نصف القرن السابق، فاستُخدمت الأمم المتحدة لتحقيق
هذه الغايات واستُغلّت فيما يريدون إلى يومنا هذا. لكن اليوم يبدو أن الأمم
المتحدة لا تعكس رغبات أمريكا بالذات، ولذلك شهدنا في عهد ترامب خروجاً أمريكياً
عن دور الأمم المتحدة وإهمالاً لها. وربما يكون في ذلك — بإذن الله — خير كما قال
أخي الحبيب الأستاذ وضاح؛ قد تكون بداية لعالم جديد ومنظومة جديدة.
المنظومة
الجديدة التي نريدها هي منظومة قائمة على العدل، على حرية الناس، وعلى كرامة
الإنسان. هذا هو الأساس الذي ننطلق منه دون تفرقة إنسانية بين شخص وآخر. لذلك أود
أن أوضح في إجابتي على هذا السؤال قضيةً رئيسية: *ضعف أمتنا*.
أنا لست من
الذين يجعلون الدول الكبرى شماعة نلقّي عليها كل مشاكلنا؛ هذا ليس من منهج
الإسلام. منهج الإسلام يقول: *” قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ“*
— يعني علينا أن ننظر إلى أسباب ضعفنا أولاً. نحن المسلمون اليوم مستضعفون، ضعفاء
ومشتتون. هذا واقع في كل مجالات الحياة. لست إنكاراً لبعض الإشراقات الطيبة التي
نراها في بعض الدول الإسلامية، لكن عموم الأمة، التي يبلغ عددها نحو مليارين وفيها
سبع وخمسون دولة، في حالة ضعيفة جداً على المستوى العسكري والاقتصادي والاجتماعي
والبيئي وحتى الصحي. قضية غزة كشفت ضعف الأمة ومدى هشاشتها أمام قوى مثل إسرائيل
وبمساندة قوى كبرى.
اقتصادياً نحن،
رغم ثرواتنا من نفط وغاز ومعادن، نرى نسب فقر عالية؛ نحو 39% من فقراء العالم
موجودون في العالم العربي والإسلامي، أي ما يقرب من 600 مليون شخص تحت خط الفقر.
أين مواردنا؟ اقتصادياً نحن ضعفاء، والاقتصاد هو أساس القوة العسكرية والاجتماعية.
كذلك من الناحية البيئية لا نولِ البيئة حقها رغم أنها أمانة وخلقتنا منها.
لقد أعددت في
بحثي تناولاً لعشرة جوانب تُظهر خللاً في موازين الأمة: الجوانب العسكرية
والاجتماعية والاقتصادية والبيئية والدينية وغيرها. عمومًا حال الأمة ليست جيدة بل
سيّئة في كثير من النواحي. سياسياً هناك تفرّق وتمزّق داخلي وظلم وطغيان واستبداد
في كثير من بلادنا، وبعض الدول نجحت نسبياً في تجاوز هذه المشاكل، لكنني أتحدث عن
عموم الأمة.
كيف نقوّي
الأمة؟ لدينا تجاربٍ تاريخية ملهمة، مثل تجربة نظام الملك والإمام الغزالي، ثم نور
الدين الزنكي وصلاح الدين الأيوبي. نظام الملك — ذلك المفكر العظيم — قال كلاماً
مهماً عندما اعترض عليه الخليفة بشأن الإنفاق على المدارس: إن الحسم بيننا وبين
غيرنا يتحقّق بالمناهج والمدارس؛ أي بالعلوم والشريعة. وقد استطاع العثمانيون
عندما كانوا أقوياء أن يجمعوا العلوم في بلادهم فحولوا الجبل إلى بحر، كما فعل
السلطان محمد الفاتح رحمه الله حين أعدّ موارد كبيرة وفتح القسطنطينية. الحسم يكون
بالمناهج والمنهجية.
أنا أعيش هذه
القضية منذ خمسة وعشرين سنة ورأيي أن المشكلة الأساسية تكمن في خلل الموازين لدى
الأمة. الله سبحانه وتعالى جمع بين الكتاب والميزان فقال: “وأنزلنا معهم
الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط”. الكتاب دستور، والميزان منهاج التفكير.
نحن لم نولِ العناية المطلوبة بهذه المنهجية، بينما الغرب تقدّم منهجياً. المنهجية
هي الخطة أو الاستراتيجية برؤيتها وأهدافها ومكوّناتها للوصول إلى الغاية.
أدعو أخي الحبيب
دكتور الشيخ موسى إلى تخصيص ورش عمل حول هذا السؤال لنستخلص مشروعاً يبيّن أين
الخلل. ذكرت في بحثي عشرة أنواع من الخلل في موازين الأمة. حتى ثقافتنا تغيّرت؛
ثقافة الصحابة والتابعين والتابعين للتابعين تبدّلت كثيراً، حتى في مصطلحات الدين.
لو سألت في الشارع عن مفهوم العبادة، سيجيب كثير من الناس بأن العبادة هي الصلاة
والصوم والحج فقط، بينما العبادة في الإسلام تشمل أيضاً العمران والتقدم والإبداع
والابتكار. وحتى علماء الشريعة أصبح لدى البعض فهم ضيّق للفقه؛ الفقه ليس مجرد
جزئية عبادية بل له أبعاد حضارية وإستراتيجية.
العقل جزء من
النفس التي نفخ الله فيها من روحه، ولذلك ينبغي أن نعطي العقل مكانته. إذا أردنا
أن يكون لنا دور في المنظومة الدولية، فلا يكفي سقوط قوى عالمية دون وجود بديل
إسلامي قوي. حتى لو سقطت حضارة وتتبدّل أخرى، فلن تتحسن حالة المسلمين ما لم يكن
هناك قيام منظومة إسلامية قوية. القضيّة وجودية: كيف نصبح “خير أمة أخرجت
للناس” — وليس فقط في الآخرة، بل في الدنيا أيضاً.
قوّتنا تكمن في
كوننا أمةً لها ربّ، وفي قوة عقدية وإيمانية وحضارية وتراثية وتاريخية، لكن هذه
القوة اليوم مفككة. أملنا في الدول الإسلامية
القوية و على باقي الدول الأخرى أن تنضم لتصحيح الفكر ووضع مناهج وبرامج تحقق لنا
الدنيا والآخرة، تقوم على العقل المضيء بنور الوحي. هذا ليس كلاماً مجرداً، بل هو
مقصد ربّاني. قال تعالى: “إني جاعل في الأرض خليفة”. الإنسان ليس مهمته
العبادة الصرفة فقط، بل أيضاً عمارة الأرض واستثمارها. ميزان الخلافة يقوم على
كفتي التدين الصحيح والعمران الشامل.
أدعو أمتنا باسم
علماء المسلمين ألا نفشل في امتحان النصر المالي: *الجهاد بالمال*، وإعادة التعمير
والإغاثة. هذه وصيتي وهذه أمنيتي. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.