حجارة
القاهرة تتحدث
بقلم:
شعيب الحسيني النّدوي
ليست القاهرة مجرّدَ مدينةٍ، بل
هي كتاب مفتوح من الحجارة، لها تاريخٌ نابضٌ بالحياة، كلُّ حجرٍ فيها يروي حكايةً،
وكلُّ زقاقٍ يفتح بابًا من أبواب التاريخ.
تنساب صباحاتُها على صفحة النيل
انسيابَ المراكبِ الشراعيّةِ القادمةِ من أفقٍ بعيدٍ إلى شاطئ المنى.
في صباح الخامس من أكتوبر، أقلعت
من إسطنبول على جناح الهواء، وحين حطّ بي الركاب في القاهرة، شعرتُ وكأنّي أستلم
كتابًا حيًّا من المعرفة والتاريخ، كل صفحةٍ فيه مشحونةٌ بالعلم والذكر. وفي
المساء، أخذتني الأقدامُ إلى شارع المعزّ لدين الله الفاطمي – قلب القاهرة النابض–،
حيث المدارس والمآذن والحمّامات تتعانق لتروي قصة الحضارة الإسلامية.
كان في استقبالي في ساحةِ
الجامعِ الأزهر صديقي العزيز رياضُ الدين النّدوي، الباحثُ بجامعة الأزهر،
فالتقيتُ به بعد صلاةِ العصرِ برفقةِ تلميذيَّ سعيد فرزان العيني وتجمل العيني،
وانطلقنا نلتمسُ آثارَ العلمِ في أزقّة القاهرة، نسترجع من خلالها أنفاس التاريخ
وروح الحضارة.
مدرسةُ
العيني (762–855هـ) — صَدى الفقه والمنطق
كانت أولى محطّاتنا عند بابٍ
عتيقٍ شامخٍ كتب عليه: مدرسةُ العيني 814هـ.
هناك كان الجوّ مفعمًا بجلالِ
العلمِ وحرارة المنطقِ وهيبة القول.
في هذه المدرسةِ درّس الإمامُ
بدرُ الدين العيني، الفقيهُ والمؤرّخُ والمحدّثُ الحنفيّ، قاضي القضاة في القاهرة،
أحدُ أعلامِ عصرِ المماليك، الذي أشرقتْ أنوارُ علمِه من الأندلسِ إلى الهند.
جدرانُ المدرسةِ لا تزالُ شاهدةً
على عبقِ أيّامِه، وكأنّها تحفظُ في ثناياها أوراقَ عمدةِ القاري، تلك الموسوعةِ
الحديثيّةِ التي خلّدت اسمَه في شرحِ صحيحِ البخاري.
تخيّلتُ المشهدَ: العينيُّ في
مجلسِه يخوضُ في دقائقِ المنطقِ وفقهِ الحديث، وفي الجهةِ الأخرى ابنُ حجرٍ
العسقلانيّ يلقي درسهُ في سكينةٍ وعمق.
كأنّ القاهرةَ في ذلك العصرِ
كانت منارةً تضيءُ بعقلِ العيني وقلبِ ابن حجرٍ معًا.
جامعُ
الأقمر — إشراقُ الروحِ والعلم (519هـ / 1125م)
شُيّد هذا الجامعُ بأمرِ
الخليفةِ الفاطميّ الآمرِ بأحكامِ الله، ونفّذه وزيرُه المأمونُ البطائحيّ، وسُمّي
بالأقمر لأنَّ جدرانَه المكسوّةَ بالحجرِ الأبيضِ تتلألأ كضوءِ القمر.
هنا كان الإمامُ زينُ الدين
العراقيّ يدرّسُ الحديثَ، فتفوحُ من أرجائِه أنفاسُ القرآنِ والسنّة.
توقّفتُ عند منبرِه وأغمضتُ
عينيّ، فإذا بصدى «حدّثنا فلانٌ عن فلان» يتردّدُ في أجواءِ المكان، كأنَّ الزمنَ
لم يمضِ منذ كانت تلك الحلقاتُ عامرةً بالعلماءِ والطّلَبة.
مدرسةُ
السلطانِ ناصرِ بنِ قلاوون — مَعقلُ العلمِ والطّب (695هـ / 1295م)
مع انحدارِ الشمسِ إلى الغروب،
كنتُ أمام مدرسةِ السلطان ناصرِ بنِ قلاوون، وهي ليست مجرّد مدرسةٍ، بل كانت
مجمّعًا علميًّا وطبيًّا فريدًا، يجمعُ بين المسجدِ والبيمارستان.
هنا كان العلماءُ والأطبّاءُ
يلتقون في صحنٍ واحدٍ، يجمعُهم هدفٌ واحد: خدمةُ الإنسانِ بالعلمِ والإيمان.
ومن بين خرّيجي هذا الصرحِ
العظيم أسماءٌ لامعةٌ: ابن فضل الله العمريّ المؤرّخ، وشهابُ الدين النويريّ
الموسوعيّ، وابن جماعة الكنانيّ الفقيهُ الأصوليّ.
مدرسة
وخانقاهُ السلطانِ برقوق — تلاحمُ العلمِ والذّكر (786هـ / 1384م)
خطوتُ بعدها إلى خانقاهِ ومدرسةِ
السلطانِ برقوق، فوجدتني أمام مشهدٍ يفيضُ بالهيبةِ والسكون.
هنا كان العلمُ يمتزجُ بالتصوّف،
والفقهُ بالروحانيّة، تُدرَّسُ المذاهبُ وتُقامُ مجالسُ الذكر.
شعرتُ بنسيمِ النيل يمرُّ بين
الأعمدةِ العالية فيحملُ معه أصداءَ الأولياء والعلماءِ الذين عمّروا هذا المكان.
ويُروى أنَّ ابنَ خلدون أقامَ
هنا، ولعلَّه في رحابِها خطَّ بعضَ فصولِ المقدّمة الخالدة.
المدرسةُ
الكاملية — نَفَسُ العدلِ والعقل (622هـ)
ثمَّ قادتني الخطى إلى المدرسةِ
الكاملية، التي أنشأها السلطانُ الكامل الأيوبيّ، وكانت مناراتُها تنشرُ روحَ
الاجتهادِ والإنصافِ في أجواءِ القاهرة.
من بين تلامذتها العزّ بن عبد
السلام وابن دقيق العيد، اللذان أرسيا معالمَ الفقهِ المقاصديّ.
غادرتُها فدخلتُ أزقّةً ضيّقةً
تتدلّى منها شرفاتٌ خشبيّةٌ مشبّكةٌ تعبقُ منها رائحةُ الطينِ العتيق، وكأنَّ
الجدرانَ تهمس:
“هنا مرَّ ابنُ حجر،
وهنا صدح العيني، وهنا جال زينُ الدين العراقي، وهنا عبرت قوافلُ العلماء والصلحاء
والشعراء.”
حمّاماتُ
الفاطميّين — أناقةُ الحضارة
في شارعِ المعزّ تنتشرُ
الحمّاماتُ القديمة: حمّامُ السلطان إينال، وحمّامُ المقدَّم، وحمّامُ الفيشاوي،
وهي شواهدُ على ذوقِ الفاطميّين
والمماليك في الجمعِ بين النّظافةِ والرّاحةِ والفكر.
كانت الحمّاماتُ ملتقياتٍ
اجتماعيّةً وفكريّةً، يجتمعُ فيها العلماءُ بعد الدّرس يتبادلون الحديثَ في أجواءٍ
من الصفاء.
وقفتُ أمام أحدِها أتأمّلُ
بلاطَه النيليَّ وقبّتَه المكلّلةَ بالبخار، فخيّل إليّ أنَّ أصداءَ العلماءِ ما
زالت تدورُ في فضائه.
مدرسة
الإمام الفقيه سراج الدين البلقيني (724–805ھ)
وحين أرخى الليل سدوله، وبدت
القاهرة كعروسٍ تتلألأ أنوارها بين مآذنها، توجهتُ إلى مسجد الإمام سراج الدين
البلقيني – أحد أركان الفقه الشافعي وعلم من أعلام القاهرة في القرن الثامن الهجري
– في حيٍّ هادئٍ من أحيائها القديمة، وكان المسجد في أصله زاوية أو مدرسة للإمام
البلقيني يجتمع فيها طلاب العلم والفقه من كل صوب، كانت أضواء المساجد تتلألأ في
السكون، ولم يبقَ في الأجواء إلا عبير التاريخ ونَفَس العلماء. دخلتُ المسجدَ
متأمّلًا جدرانه العتيقة، ففاحت منه رائحةُ الورع والفقه، كأنّ دروس الإمام لم تزل
تتردّد بين أركانه.
اقتربتُ من قبره، وسلّمتُ على
روحه الطاهرة بخشوعٍ عميق، تذكّرتُ كتبه وفتاويه التي ملأت الآفاق، وذاك العقل
الفقهي الذي جمع بين دقة النظر وسلامة القلب، وقرع سمعي قول تلميذه النابغ الإمام
ابن حجر العسقلاني يصفه: “إنه الإمام الكبير الفقيه العالم العامل، شيخ
الإسلام، مفتي الأنام.” كان الليل ساكنًا، غير أن في السكون نغمةً خفيّة،
كأنّ القاهرة نفسها تتهامس بذكر علمائها.
وقفتُ لحظاتٍ أستحضر مشهدَ
تلميذه النجيب ابن حجر العسقلاني وهو يجلس بين يدي شيخه، ينهل من فقهه ويتعلّم من
سمتِه، قبل أن يسطّر هو بدورِه “فتح الباري” ويبلغ الذروة في خدمة حديث
النبي ﷺ. عندها شعرتُ أني في موضعٍ يلتقي فيه الفقهُ والحديثُ، والعلمُ والوفاءُ،
والشيخُ والتلميذُ، في نسيجٍ واحد من نورٍ وذكرٍ خالد.
ثم خرجتُ من المسجد والليل ما
زال يلثم جدرانه، وأضواء القاهرة تنعكس على نوافذه القديمة، كأنها تحرس سرّ العلم
في صمتٍ مهيب. ومن هناك سارت بي الخطى نحو حارة الحبالة، حيث بيتُ ابن حجر، لأكمل
رحلتي في دروب العلم والذاكرة.
منزلُ
ابنِ حجرٍ العسقلانيّ (773–852هـ) — عبقُ “فتح الباري”
غير بعيدٍ عن جامعِ الأقمر، في
حيِّ حارةِ الحبالة، يقع منزلُ الإمام ابنِ حجرٍ العسقلانيّ، حيثُ أبدعَ درّة
الدواوين الحديثيّة “فتح الباري”، ورفع للحديث بنيانا لا يضاهى.
حين وقفتُ أمام المكانِ، أحسستُ
كأنَّ أنوارًا خفيّةً تتلألأ في الفضاء، وأنَّ فتح الباري لم يُكتبْ بالحبرِ فقط،
بل بنورِ الإلهام.
تخيّلتُه جالسًا في مجلسِه،
تحيطُ به حلقاتُ الطلبة، وبين يديه صحيحُ البخاريّ، يتحدّثُ في خشوعٍ وسكينةٍ عن
دقائقِ الإسنادِ ومعاني الرواية.
صلّيتُ هناك ركعتين وسلّمتُ على
روحِ هذا الإمامِ الجليل، ثمَّ همستُ في قلبي: لقد التقيتُ اليوم في القاهرة أولا
بالعينيّ وأخيرا ابن حجرٍ، أحدُهما منطقٌ واستدلال، والآخر نورٌ ومعرفة. تنافسا في
الحقّ، فخلّدا العلمَ معًا: هذا قلمٌ يُشعل الفكر، وذاك قلبٌ يُضيء البصيرة.
مساءُ
القاهرة — أنفاسُ التاريخ:
حلَّ المساء، وأضاءت المصابيحُ
شارعَ المعزّ، وارتفعت من المآذنِ نداءاتُ الأذان، تلك التي لم تنقطعْ منذ قرون.
وقفتُ أتأمّل: إنَّ القاهرة ليست
ماضيًا يُروى، بل روحٌ تُعاش.
هنا لا يسكنُ العلمُ في الكتب،
بل في الهواءِ والوجدان،
ولا تُقرأُ الحضارةُ في الأسفار،
بل تُستشعرُ في الأنفاس.
كنتُ مسافرًا في ظاهرِ الأمر،
لكنّي في الحقيقةِ كنتُ شاهدًا على ضوءٍ لم يخمد منذ قرون، ضوءٍ هو أنفاسُ
التاريخِ العلميّ في مساءِ القاهرة.
-150x150.jpg)