آخر الأخبار

المشروع الصّهيوني العالمي من الأصول المُحَرّفة إلى الأطماع التّوسعيّة

شارك المقال على :

بسم الله
الرحمن الرحيم

المشروع الصّهيوني العالمي من الأصول المُحَرّفة إلى الأطماع التّوسعيّة

بقلم: د. نزيهة امعاريج

رئيسة لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد

 

      تقديم:

ارتباطا بتصريحات رئيس وزراء الكيّان الصهيوني بنيمين
نتنياهو بإعلانه عن مشروعه التّوسعي بإقامة دولة إسرائيل الكبرى، واعتبارا للنّدوة
الصّحفيّة التّي عقدها وزير ماليّة الكيّان سموتريتش يوم 14 غشت 2025م مباشرة بعد التّصريح
السّابق لرئيس وزرائهم مباركة وتثمينا لخطته التّوسّعية وإضفاءً للشّرعيّة عليها بالتّأصيل
لها من أصولهم المزيّفة، وشرحه كيف أنّ المسألة إنّما هي تمكين وتنزيل لوعد أبدي
قطعه إله الكون سبحانه وتعالى مع نبّي الله إبراهيم عليه السّلام، بأن هذه الأرض ستكون
له ولنسله إلى الأبد.

واستحضارا   لرُدود
الأفعال المخزيّة للدول العربيّة والمُسلمة بعد التّهديد المباشر لسيّادة أوطانها والتّطاول
السّافر على حرمتها، وما رافقه من إدانة لجامعة الدّول العربيّة لتصريحات رئيس
وزراء الكيّان…

لكل الاعتبارات السّابقة وبالنّظر إلى ما حوته مصادر
تشريع بني إسرائيل وسجّله تاريخهم في
علاقاتهم بشعوب الأرض بعامّة وشعوب المنطقة بخاصّة، نؤكّد
أن الخَطْب جَلَل والتّهديد خطير والخطر دَاهم.

وفي التّنبيه على معالم رئيسة وردت في مصادر مزيّفة يتّخذها
الكيان الصّهيوني أُصولا وتشريعات يبرر بها اغتصاب أرض فلسطين ويسوّغ بها مشروعه
التّوسّيعي الاستعماري، تفسير المسألة:

       
أولا: مَعلم النّزعة التّوسُّعيّة:

وجُماعه النّزوع التّوسّعي والرّغبة الاستيطانيّة المركوزة
في نفوس بني صهيون، ودليله عندهم ما ورد في أصولهم المزيّفة من وَعْد أبديّ قطعه المولى
عز وجل لإبراهيم عليه السلام -حسب زعمهم- أنّ هذه الأرض ستكون له ولنسله إلى الأبد.
وهو وَعد تكرّر في أكثر من موضع من العهد القديم والنّموذج ما جاء في سفر التّكوين
في الإصحاح السّابع عشر الفقرة [8- 10] حيث يقول النّص:” وأُعطي لك ولنَسلك
من بَعْدك أرضَ غُربتِك كلَّ أرضِ كنعان.”

وعرض بسيط للنّص السّابق على   قواعد
نقد النّصوص المقدّسة، يكشف مدى تهافته وسقوطه من أساسه ومنه:

أ‌-     أنّ وجود إبراهيم عليه
السلام سابق على وجود بني إسرائيل، وأنّ بعثة إسرائيل الذي   انتسبوا إليه – وهو يعقوب عليه السلام-   متأخرة
على بعثته.

ب‌- أنّ الدّيانة اليهودية التّي
يدين بها بنو إسرائيل متأخرة في الزّمن عن الحنفيّة السّمحة التّي بُعث بها
إبراهيم عليه السلام، وهي حقيقة أثبتها القرآن الكريم عند قول الله تعالى: “يَا أهلَ الكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ في إبراهيمَ، ومَا
أُنزلتِ التَّوراةُ والانجيلُ إلَّا مِن بعدهِ، أَفلا تعقلون”
[آل
عمران/64]، فهل يستقيم عقلا أو نقلا أن يُكلّف إبراهيم عليه السلام بتشريعات نزلت
في كتب أنبياء بعثوا من بعده؟

ت‌- ما جزمت به عدد من نصوص
العهد القديم نفسها من كون الوَعد بالتّملك لم ينجز مع أيّ نبيّ من الأنبيّاء الذّين
مُنح لهم الوَعد وقُطع معهم العهد وتفصيله:

1-   بالنّسبة لإبراهيم عليه
السّلام:

       
نصّ أول يشهد أن إبراهيم عليه السّلام قد نقض الوَعد
وأسقطه عمليّا برحيله عن هذه الأرض ونزوحه إلى أرض مصر، ففي سفر التّكوين الإصحاح   الثّاني
عشر الفقرة [10]:” وَحَدَثَ جوعٌ في الأرضِ فَانْحَدَرَ أَبرامُ إلى مِصْرَ.”

       
نصّ ثان يبيّن أنه عليه السّلام لم يمتلك من هذه الأرض مساحة
قبر يواري فيه جثّة زوجته سارة، مما اضطره إلى شراء مساحة القبر من المالك الأصلي،
تقول العهد القديم في سفر التّكوين الإصحاح الثّالث والعشرين الفقرة
[2-11]:”ومَاتَتْ سارةُ في قَريةِ أَرْبَعَ التّي هِيَ حَبْرُونُ في أَرْضِ كَنْعانَ.
فَأتى إبراهيمُ …يَبْكي عليها. وَقامَ إبراهيمُ مِنْ أَمامِ مَيْتِهِ. وكلَّمَ بَنِي
حِثَّ قائلا: أنا غَرِيبٌ وَنَزِيلٌ عندكم. أَعْطُونِي مُلْكَ قَبْرٍ معكم لِأَدْفِنَ
مَيْتِي مِنْ أَمامي، فَأجَابَ بَنو حِثَّ إبراهيمَ قائِلينَ لهُ. اِسْمَعْنا يا
سيِّدي: أنت رئيسٌ منَ اللهِ بيننا في أَفْضَلِ قُبورِناَ اَدفنْ ميْتَكَ، فقام إبراهيمُ
… وكلَّمهم قائلا: …التَمِسوا لي مِنْ عِفْروُنَ بن صُوحَرَ أَن يُعْطِني
مَغَارةَ المَكْفِيلَةَ التّي لهُ في طرفِ حَقْلِهِ. بثَمَنٍ كاَمِلٍ يُعطيني
إيَّاها   في وسطكم مُلْكَ قَبْرٍ. وكان عِفرُونُ جالسًا بين
بني حِثَّ. فأجاب… إبراهيمَ قائلًا: لا يا سيّدي اسمعني. الحقلُ وهَبتُهُ إيَّاك
والمغارةُ التّي فيه لكَ وَهَبْتُهَا. ادفِنْ ميْتَكَ…وكلَّمَ – أي إبراهيم-
عِفْرونَ …قائِلًا: …فلَيتَكَ تَسْمَعُنِي. أُعطيكَ ثَمَنَ الحَقْلِ خُذْ
مِنِّي فَأَدْفِنْ مَيْتِي هناك. فَأَجاب عِفرُونُ إبراهيمَ قائلًا لهُ: يا سيِّدي
اِسْمَعنِي. أرضٌ بِأَرْبعِ مِئَةِ شَاقِل فِضَّةِ هَا هِيَ بيْني وبيْنَكَ.
فادْفَنْ مَيْتَكَ. فسمعَ إبراهيمُ لِعِفْرُونَ وَوَزَنَ…الفِضَّةَ التّي ذَكرهَا.”

       
نصّ ثالث يؤكد أنّ إبراهيم عليه السلام لم ينازع أهل
الأرض على ملكيّتهم لها، ولم يدخل معهم في صراع لانتزاعها منهم، وأنّه خرج من دار الدّنيا
وهو مُقِر بحقّهم في ملكيّتها مُعتَرِف بسيّادتهم عليها، ففي سفر التّكوين الإصحاح
الثّاني عشر الفقرة [6-12] واجْتَاز أَبْرامُ في
الأرضِ إلى مَكانِ شَكيمَ إلى بَلُّوطَةِ مُورَةَ. وكان الكنعانيّونَ حينئذ في
الأرضِ” وفي الإصحاح الخامس والعشرين الفقرة [11-25] الحَقْلُ الذّي اِشْتَراهُ
إبراهيمُ مِنْ بَني حِثَّ. هُناكَ دُفِنَ إبراهيمُ وسَارةُ امرَأَتُهُ”.

       
أنّ الصّفة الاعتباريّة التّي عرف بها إبراهيم عليه السّلام
  عند أصحاب الأرض وهي صفة النّبوة لا محالة – أنت
رئيسٌ منَ اللهِ – تُنزّهه عليه الصّلاة والسّلام عن الأطماع الاستعماريّة لمّا أن
القاعدة المطّردة في سيرة الأنبياء صلوات الله عليهم هي قاعدة الفَتح والدّعوة
ونشر الدّين الحقّ.

       
احتضان أصحاب الأرض لدعوة إبراهيم عليه السّلام،
وتعاملهم القائم على الاحترام والتّوقير، وتفسيره إدراكهم ما تميّز به عنهم وخصّ
به من فضل النّبوة وشرف الرّسالة. 

2-   بعد إبراهيم يأتي النّبيّ إسحاق
عليهما السّلام، وعلاقته بأرض فلسطين بحسب الرّواية التّوراتيّة هي من جنس علاقة والده،
فهي علاقة نُزول وغُربة لا علاقة امتلاك واحتلال، يقول سفر التّكوين في الإصحاح
السّادس والعشرين الفقرة [1-2]:”وَكانَ في الأرضِ جُوعٌ …فذهبَ إسحاقُ إلى
أبِيمَالِكَ مَلِكِ الفلسطينيِّين إلى جَرَارَ، وظهر له الرّبُّ وقال: لا تَنزلْ
إلى مِصْرِ. اسكنْ في الأرضِ التّي أَقولُ لَكَ. تَغَرَّب في هذه الأرضِ”.

فبحسب النّص السّابق، فإنّ الأرض التّي عاش فيها إسحاق
عليه السّلام، كانت أرضا مُنَظَّمة ومُعَرَّفة عُرفت بأرض فلسطين، وأنّها ذات نظام
سيّاسيّ مَلكيّ، مَلِكها مَلِك شرعيّ عرف بأبيمالك كان يتمتّع بالسّيادة والسّلطان
على رعاياه، وأن إسحاق عليه السلام هو واحد من هؤلاء الرّعايا المعترفين بشرعيّة
المَلك الملتزمين بحقوق المُواطنة، حيث ذهب إلى المَلك يستأذنه في النّزول إلى أرض
مصر، من غير أن ينازعه على الأرض أو يُنافسه في المُلك.

3-  
أن حالة الغُربة والنّزول في الرّواية التّوراتيّة،
قاعدة حكمت من دخل أرض فلسطين من أنبياء الله صلوات الله عليهم، ففي العهد القديم
في سفر التّكوين الإصحاح الثّالث والثّلاثين الفقرة [17-20]:”وأمَّا يعقوبُ
فارتحلَ …ثُمَّ أتَى …إلى مدينة شَكيمَ التّي في أرضِ كنعانَ…وابْتَاعَ قِطْعَةَ
الحقلِ التّي نَصَبَ فيها خَيمتَهُ، مِنْ يَدِ بني حَمُورَ أَبي شَكيمَ بِمئَةِ قَسيطةٍ.”
 

فمصادر بني إسرائيل تؤكّد أن الأرض هي أرض فلسطينيّة خالصة،
وأن يعقوب عليه السّلام لم ينازع أهلها على ملكيّتها، وأنّه عاش بها عابرا مُغترِبا
لا محتلًّا مُغتصبًا، ففي سفر التّكوين الإصحاح السّابع والثّلاثين الفقرة [1]:”وسَكنَ
يَعقوبُ في أرض غُربةِ أبيه في أرضِ كَنعانَ” وفي نفس السّفر الإصحاح السّادس
والأربعين الفقرة [5-7]:”…وَحَمَلَ بنو إسرائيلَ يعقوبَ أبَاهم وأولادَهم
ونساءَهم …ومُقْتَنَاهم الذّي اقِتَنَوْا في أرضِ كنعانَ وجَاءوا إلى مِصرَ.” 

ومما نخلص إليه بحسب النّصوص السّابقة من قطعيّات في
علاقة الأنبيّاء الذين مُنح لهم الوعد بامتلاك أرض فلسطين ما يلي:

1-    إجماعها على نفي أرضٍ عُرفت باسم أرض إسرائيل،
واتفاقها على أن الأرض هي أرض فلسطين وأرض كنعان لا غير.

2-   أنّ   مصطلح
اسرائيل   لم يَعْرف تَدَاوُلًا يذكر قبل بعثة النّبيّ
يعقوب عليه السّلام.

3-   أنّ إطلاق اسم إسرائيل قد
ارتبط بشخص   يعقوب عليه السلام   بخاصة،
أي باسم شخص معيّن، وليس باسم مكان أو وطن مُحدّد.

4-   شهادة التوراة  – المصدر الأول والرئيس  من مصادر  التّشريع عند بني إسرائيل- ، أن حظّ يعقوب  الجدّ 
الأكبر لبني إسرائيل من هذه الأرض إنمّا هي مساحة قبر جمعت فيه رفاته  التّي صعد بها أبناؤه من أرض مصر، تقول العهد
القديم في سفر التّكوين الإصحاح التّاسع والأربعين الفقر[39]  على لسان يعقوب عليه السّلام:”  اِدْفِنُوني عندَ آبائي في المغارةِ التّي في حَقلِ
عِفْرُونَ الحِثِّي … في أرضِ كنعانَ التّي اشتراها إبراهيمُ…فَلمَّا رأى أهلُ
البلادِ الكنعانيُّون المَنَاحَةَ …قالوا: هذه مناحةٌ ثَقيلةٌ للمصرييّن.”([1])

5-   صفة العُبور وحَالة النّزول
التّي تَلبّس بها من قُطع معهم الوَعد بامتلاك الأرض من أنبيّاء الله ممّن يتّخذهم
بنو إسرائيل سندا في اغتصابها، هذا متى تمّ لهم التّسليم بصحة انتسابهم إليهم وبصحّة
وقوع الوَعد معهم.
!  

وبتضافر الأدلّة السّابقة الشّرعيّة والتّاريخيّة
والجغرافيّة يتهاوى الوَعد المزعوم، ويسقط العهد الموهوم، وينْكشف تهافت و تناقض
نصوص الوَعد بإقامة دولة إسرائيل الكبرى بتأييد واضح من بني إسرائيل أنفسهم وذلك بنفيهم
الصّلة وقطعهم العلاقة بينهم وبين  أول نبيّ
قُطع معه الوَعد – حسب زعمهم-  وهو النّبيّ
إبراهيم عليه السلام، لمّا أنّهم  انتسبوا
مرّةً إلى إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام، و انتسبوا مرّةً ثانيّة إلى يهوذا وهو
السّبط الرّابع ليعقوب،([2]) أما  بالنّسبة لنسبهم الثّالث   وهم العبريّون
أو العبرانيّون فهم يتنكّرون له و لا يعترفون به لِمَا يتسبطنه الاسم من دلالات  قدحيّة، حيث إن 
معنى الاسم في أصله اللّاتيني أنهم اللّصوص و المرتزقة وقطّاع الطّرق([3]).  

6-   أن الوَعد بحسب مصادر بني
إسرائيل حُكم قَطعيّ وتَكليف شَرعيّ، فهل يجوز لأنبياء الله صلوات الله عليه تعطيل
النّصوص القطعيّة وإسقاط الأحكام الشرعيّة!؟

7-   استحالة إنجاز الوَعد
عمليّا في غياب امتلاك شروط التّنفيذ والتّنزيل، ففي العهد القديم في سفر التّكوين
الإصحاح الرّابع والثّلاثين الفقرة [20-21]:”فقال يعقوبُ لِشَمْعونَ وَلَاوِي:
كَدَّرْتُمَانِي بتَكْرِيهِكُما إيَّايَ عند سُكّانِ الأرضِ الكنعانيّين والفِرِزِّييِّن
وأنَا نَفَرٌ قَليلٌ”. فالنّفر القليل العابر النّزيل، يتعذّر عليه منازعة
السّاكن الأصلي في غياب امتلاكه شروط   وأسباب
التّملك والسّيطرة. 

8-   أنّ موسى عليه السّلام وهو
النّبيّ الذي أنزلت عليه الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم ([4]) التّي بشّرت بمشروع إسرائيل
الكبرى، لم يسكن بهذه الأرض ولم تجمعه به أي علاقة، فقد ولد بأرض مصر وخرج منها
إلى مَدْيَن ثم عاد إلى مصر ليخرج منها إلى صحراء سيناء حيث توفي ودفن بها بحسب
رواية العهد القديم، ففي سفر التّثنية الإصحاح الرّابع والثّلاثين الفقرة [5]:”فَمَات
موسى عبدُ الرّبِّ في أرض مُوآب …ودَفَنَهُ في الحِوَاءِ في أرض مُوآب مقابل بيت
فَغُر”.  

ولأن إسرائيل الكبرى هي ركن من أركان الإيمان  عند بني إسرائيل  وأصل من أصول الاعتقاد عندهم،  فإن  نَفي
نصوص العهد القديم علاقة موسى عليه السّلام بأرض فلسطين، لم تُسقط عنه إيمانه  بهذه العقيدة و لم تُبطل تصديقه بهذا الوَعد ، فقد
جاء في سفر التّثنية الإصحاح الرّابع والثّلاثين الفقرة [1-4]:”  صَعِدَ موسى من عَرَبَاتِ مُوآبَ إلى جبل نَبُو،
إلى رأس الفِسْجَةِ الّذي قُبالةَ أريحا، فأَراهُ  الربُّ جميعَ الأرضِ من جِلْعَادَ إلى دانَ ،
وجميع نَفْتَالي  وأرضَ أفرَايِمَ
ومَنَسَّى، وجميعَ أرضِ يهوذَا إلى البحر الغرْبيِّ، والجنوبَ و الدَّائرةَ
بُقعَةَ أريحا مدينةِ النَّخْلِ إلى صُوغَرَ. وقال له الربُّ:” هذه هي الأرضُ
التّي أقسمتُ لإبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ قائلا: لِنَسلك أعطيها. قد أرَيْتُك
إيَّاها بعينيْك، ولكنّك إلى هناك لا تَعْبُرُ.”        

9-   أنّ الوَعد بالمنح بحسب منطوق
النّص جامع لنَسل إبراهيم المُكوَّن من؛ اسماعيل واسحاق، فكيف أُخرج فرع إسماعيل مع
الإبقاء على فرع إسحاق.

ثانيا: معلم حبِّ إبادةِ الشّعوب
والسَّعيِ في إفنائهم:

فحُبُّ إبادةِ الشعوب و السَّعيُّ في إفنائهم، أصل من
أصول بني إسرائيل  و تشريع  ثابت في مصادرهم  بقصد التّمكين لمشروعهم  التّوسّعيّ الاستعماريّ، حيث إنها  تأمرهم  بارتكاب كلّ أنواع الجرائم وتُرخّص لهم  باعتماد كلّ أشكال الإبادة و التماس جميع أنواع
التّقتيل والتّشريد والتّدمير والتّحريق في سبيل ذلك،  وما يَتنزّل اليوم بأرض غزة   و يعيشه  أهلها زمن العدوان الصّهيونيّة عليهم  لمدة سنتين مثال في بابه،  تقول العهد القديم في سفر التّثنية الإصحاح السّابع
الفقرة[ 1-2 ]:” مَتى أتى بك الربُّ إلهُك إلى الأرض التّي أنت داخلٌ إليها
لتَمتلكها وطردَ شعوبا كثيرةً من أَمامِك الحِثِّيِّين والجِرْجَاشِيّين و
الأَمُوريّين والكنعانيّين و الفِرزّيّين والحِوّيّين و اليَبوسِيّين. سبعَ شعوبٍ
أكثرَ وأعظمَ منك. ودفعهم الربُّ إلهُك أمَامك وضربتهم فإنّك تُحَرِّمهم. لا تقطعْ
لهم عهدًا ولا تُشْفِق عليهم … ولكن هكذا تَفْعلون بهم، تَهْدِمُون مذابحَهم وتُكسِّرون
أصنامَهم وتُقَطِّعون سَوَاريهم وتُحْرقون تَماثيلَهم بالنار “.

وتأسيسا عليه فأن سياسة إبادة الشّعوب وخطط التّقتيل المُمَنهج
والإفناء المُتعمّد هي شريعة بني إسرائيل، وعقيدتهم في التّعامل مع شعوب الأرض في
سبيل مشروعهم التّوسّعيّ الاستعماريّ.

ثالثا: مَعلم إخضاع الشّعوب واغتصاب
أراضيهم:

وأساسه عقيدةُ العُلوّ والرّغبة في إخضاع الشّعوب واغتصاب
أراضيهم، وهي أحكام نزلت بها نصوص العهد القديم وتكاليف نصّت عليها شرائعهم، وحسبنا
في المقام ذكر ما يقع به البيان:

أ‌-     ما أقرّته نصوص العهد
القديم من كون جدِّهم الأكبر إسرائيل قد صارع إله الكون – تعالى الله عن قولهم
علوا كبيرا – وانتصر عليه، ففي سفر التّكوين الإصحاح الثّاني والثّلاثين الفقرة [24-
30]:” فَبَقِيَ يعقوبُ وَحْدَهُ وَصَارَعَهُ إنسانٌ حتَّى طُلوعِ الفَجرِ.
ولمَّا رَأى أنَّهُ لَا يَقْدِرُ عليه ضَرَبَ حُقَّ فَخِذِهِ. فَانْخَلَعَ حُقُّ فَخِذِ
يعقوبَ فِي مُصَارَعَتِهِ مَعَهُ. وقالَ: أَطْلِقْنِي لِأَنَّهُ قد طَلعَ الفَجرُ.
فقال: لَا أُطْلِقُكَ إِنْ لَم تُبارِكْني.فقال لَهُ: مَا اسْمُكَ. فقال: يعقوبُ.
فقال: لَا يُدْعى اسْمُكَ في مَا بَعْدُ يعقوبَ، بَل إسرائيلَ. لِأنَّكَ جَاهَدْتَ
مَع اللهِ والنَّاسِ وَقَدَرْتَ. وسأل يعقوبُ وقال: أخبرني باسمكَ فقال: لماذا
تسألُ عن اسمي. وباركَهُ هناك. فدعا يعقوبُ اسمَ المكان فَنِيئيلَ قائلًا: لأنِّي
نظرتُ اللهَ وجهًا لوجهٍ ونَجَّيْتُ نَفْسِي.”  

ب‌- ما أصّلت له الأصول
التّوراتيّة من جعل سيّادة العالم والسّيطرة عليه وَقْفاً على بني إسرائيل، وجعل
باقي شعوب العالم عبيدا لهم، ودلالة هذا التّشريع القصة التي ترويها العهد القديم حيث
يُصوّر فيها الجدّ الأكبر لإسرائيل -يعقوب عليه السّلام – خارجا من بطن أمّه وهو قابض
بعقب أخيه التّوأم عيسو، ففي سفر التّكوين الإصحاح الخامس والعشرين الفقرة [24-26]:”
فقال لها الربُّ – أي لرفقة زوجة اسحاق عليه السّلام-: في بطنِكِ أمَّـتان. ومِن
أحشائِك يفترقُ شعبان. شعبٌ يَقْوى على شَعبٍ وكبيرٌ يُسْتعْبَدُ لصغيرٍ، فلمَّا كَمُلَت
أيَّامُها لِتَلِدَ إذا في بَطنها تَوأمان فخرج الأولُ … فدعوا اسمَه عِيسُو.
وبعدَ ذلك خرجَ أخُوهُ ويدُه قابضةٌ بِعَقِبِ عِيسُو فَدُعِيَ اسمُه يعقوبَ
“.

ليتقرّر به أن العبودية الأبديّة لشعوب العالم لبني
لإسرائيل هي تشريع ربَّاني وقضاء كوني لا تملك إلا التّسليم أمامه والخضوع له، ومنطوق
دعاء اسحاق عليه السّلام لابنه يعقوب تزكية ومباركة للمسألة، فقد جاء في سفر التّكوين
الإصحاح السّابع والعشرين الفقرة [28- 29]:” لِيُسْتَعْبَدْ لَكَ شُعوبٌ. وتَسْجُدُ
لكَ قَبَائلُ. كُنْ سيِّدًا لإخوتك ولْيَسجُدْ لك بَنُو أُّمِّكَ. لِيَكُنْ لَا عِنُوكَ
مَلْعونينَ. ومُباركوكَ مُبَارَكِنَ”.

       
رابعا: مَعلم سَلب حقوق الآخر وسَرقة
ممتلكاته:

فسلبُ حقوق الآخرين   وسرقةُ
ممتلكاتهم، أحكام إلهيّة وتشريعات ربّانيّة دعت إليها أصول بني إسرائيل المحرّفة، ومن
الأمثلة في المقام:

أ‌-     سرقة جدِّهم الأكبر
إسرائيل حقّ أخيه عيسو في البَركة، واعتماد كلّ أنواع المكر والكذب والغشّ
والتّزوير، ففي سفر التّكوين الإصحاح السّابع والعشرين من الفقرة [1- 29 ]:”
وحَدَثَ لمَّا شَاخَ اسحاقُ وكَلَّت عيناهُ عَنِ النَّظَر أنَّهُ دَعا عيسو ابنَهُ
الأكبرَ وقال له: يَاابْني.. فقال له: هَأَ نَذَا. فقال: إنَّني قد شِخْتُ ولَسْتُ
أَعْرِفُ يَوْمَ وَفَاتِي. فالآن خُذْ عُدَّتَك … واخرجْ الى البَريَّةِ وتَصَيَّدْ
لي صَيدًا.  واصنعْ لي أَطعمةً كما أُحبُّ وأْتِنِي
بها لآكلَ حتّى تُباركُكَ نفسي قبل أَنْ أموتَ. وكانت رِفْقَةُ سَامِعَةً إذ تكلَّم
إسحاقُ مع عيسو ابنِه. فذهب عيسو إلى البرِّيَّة كيْ يَصِطادَ صيْدًا لِيَأتِي به.
وأمَّا رِفْقَةُ فَكلَّمتْ يعقوبَ ابنَها قائلةً: إنِّي سمعتُ أبَاكَ يُكلِّمُ عيسو
أخَاك قائلًا: اِئْتِني بصيدٍ واصنعْ ليلي أطعمةً آكلَ وأُبَارِكَكَ أمامَ الرَّبِّ
قبل وَفَاتي. فالآن يَابْني اسمعْ لِقَولي في مَا أنا آمُرُكَ بِه: اِذْهبْ إلى
الغَنمِ وَخُذْ لي من هناك جِدْيَيْنِ مِن المِعْزى. فأصْنَعهما أَطعمةً لأبيك كما
يُحبُّ. فَتُحْضِرُها إلى أبيك لِيَاكُلَ حتَّى يُبَاركَك قبل وفاته. فقال: يعقوبُ
للِرفْقَةَ أُمِّهِ هُوَ ذَا عيسو أخي رجلٌ أَشْعَرُ وأنَا رجلٌ أَمْلَسُ. ربَّما
يَجُسُّني أَبي فأكون في عينيه كَمُتَهاوِنٍ وأَجْلُبُ على نفسي لَعنةً لا بَركةً.
فقالت له أمُّه: لعنتك عليَّ يا ابْني . اسْمَعْ لقولي فقط واذهبْ خُذْلي. فذهب
وأخذَ وأحضرَ لأمِّه. فَصنعت أمُّهُ أطعمةً كما كان أبُوه يُحبُّ. وأَخذت رِفْقَة
ثيابَ عيسو ابنِها الأَكبرِ الفاخرةَ التّي كانت عندها في البيتِ وأَلبستْ يعقوبَ
ابنَها االأَصغرَ وأَلْبَسَتْ يديْهِ ومَلاسَةَ عُنقِه جُلودَ جَدْيَيْ المِعْزى.
وأعطتِ الأطعمةَ والخبزَ التي صنعتْ في يد يعقوبَ ابنِها. فدخلَ إلى أبيه وقال: يا
أبي. فقال: هَأَنَذا مَنْ أنتَ يا بني؟ فقال يعقوبُ لأبيه: أنا عيسو بِكْرُكَ. قد
فعلتُ كَما كَلَّمْتَني. قُمْ اِجلسْ وكُلْ مِن صيْدي لِكيْ تُبَارِكَني نفسُك.
فقال إسحاق لابنه: ما هذا الذّي أسرَعتَ لِتجِدَ يا ابني. فقال: إن الرَّبَّ إلهَك
قد يسَّرَ لي. فقال إسحاق ليعقوب: تقدّم لأَجُسَّكَ يا ابني. أأنت عيسو أم لا.
فتقدّم يعقوبُ إلى إسحاق أبيه. فَجَسَّهُ. وقال: الصَّوتُ صوتُ يعقوبَ، ولكن اليديْن
يدا عيسو. ولم يعرفْهُ لأَنَّ يديْه كانتا مُشْعِرَتَيْن كَيَدَيْ عيسو أخيه.
فباركَهُ. فقال: هل أنت هو ابني عيسو؟ فقال: أنا هو. فقال: قدِّمْ لي لآكلَ من صيدِ
ابني حتَّى تُبارِكُكَ نفسي. فقدّم له فَأَكلَ وأحضرَ لهُ خمرًا فشرب. فقال له
إسحاقُ أبوه: تقدَّم وقَبِّلني يا ابني. فتقدَّم وقبَّله. فشمّ رائحةَ ثيابِه وَباركَه
وقال: انْظُر. رائحةُ ابني كرائحةِ حقلٍ قد باركَهُ الرَّبُّ. فَلْيُعْطِكَ اللهُ
من نَدى السَّماء ومِن دَسِم الأَرضِ وكثرةَ حِنطَةٍ وخمرٍ.”

وللبيان فإنّ الحديث في النّص السّابق يتعلق بالمصطفين
الأخيار وبالسّادة والقادة من أنبيّاء الله ممن بُعثوا لهداية البشريّة إلى مكارم
الاخلاق وإرشاد الناس إلى الكمالات الإنسانيّة، ومع ذلك فإن النّص لم يتورّع عن أن
ينسب إليهم زورا وبهتانا، أسوأ الأخلاق وأرذل الأفعال من كذب وغشّ واحتيال وحرص
على متاع الدنيا وطلب ملذاتها…

ب‌- سرقة هذا الجدَّ حقّ أخيه عيسو
في البَكورية بعد أن ألجأه إلى التّنازل عنها مستغلاًّ ظروف جوعه   وحاجته إلى ما يسدّ به رمقه، ففي العهد القديم
في سفر التّكوين الإصحاح الخامس والعشرين الفقرة [31- 32]:” وطبخَ يعقوبُ
طبيخًا فأتى عيسو من الحقلِ وهو قد أَعْيَا. فقال عيسو ليعقوبَ: أَطعمني من هذا
الأحمرِ لأَنِّي قد أَعْيَيْتُ… فقال يعقوبُ: بِعْني بَكُوريَّتَك …فباع بكوريَّتَه
ليعقوبَ فأعطى يعقوبُ عيسو خبزًا وطبيخَ عدسٍ.”

ت‌- سرقة أموال المصريّين، ففي
سفر الخروج الإصحاح الثّاني عشر الفقرة [35- 36]:” وفعلَ بنو إسرائيل بِحسبِ
قولِ موسى. طَلبوا من المصريِّين أمتعةَ فِضةٍ وأمتعةَ ذَهبٍ وثيابًا. وأَعطى الرَّبُّ
نِعمةً للشَّعبِ في عيونِ المصريِّين حتَّى أعارُوهُم فسَلبوا المصريِّين.”

والسّؤال الذّي يطرح على بني إسرائيل هو، إذا كانت ذريعتهم
في سرقة أموال المصريّين أنّها رد للمظالم واسترجاع لحقوق سلبها منهم المصريون،
فما هي ذريعتهم وما هي تفسيراتهم لسرقة جدّهم الأكبر حق أخيه عيسو وسلبه حقوقه
وأخذها بدون وجه حق؟  

ليتّضح بذلك أن عقيدة سلب الحقوق وسرقة أموال الغير   واستحلال ممتلكاتهم، هي من أصول الاعتقاد عند
بني إسرائيل.

أنّ إبادة الشّعوب وتدمير الحضارات، هي تشريعات ربّانيّة
وأحكام إلهيّة أصّلت لها أصولهم المحرّفة ودعت إليها شرائعهم البائدة، وبل هي من
مكارم الأخلاق التّي بعث بها أنبياؤهم -وحاشا لأنبياء الله صلوات الله عليهم أن يكون
ذلك شرعهم أو أن تكون تلك عقيدتهم- والأكثر منه أنّها بالنّسبة إليهم نِعم مَنَّ الله
بها عليهم وكرامات خصّهم بها.

وبالبيان السّابق حق لنا الجزم أنّ ما يُمارس اليوم في حقّ
الفلسطينيين من أنواع الجرائم، وما تعرفه أرض غزة بِبشرها وشجرها وحجرها وحيوانها
من إبادة وتهجير وتدمير، على يد الصهاينة في سبيل أطماعهم التّوسّعيّة لإقامة دولة
إسرائيل الكبرى، هي أحكام مُحكمة وتشريعات قطعيّة وعقيدة راسخة دعت إليها مصادرهم المقدّسة،
وأن واجب التّصديق يُلزمهم بذل الوُسع واستفراغ الجُهد في تنزيلها والتّمكين لها.

وقد أخطأ من صدّق أَوْ لا زال يُصدّق أنّ التّصدي لأطماع
الأخطبوط الصّهيوني ومواجهة الإجرام الإسرائيلي، طريق آخر غير اليقين بأصول صحيحة
والتّسليم بتشريعات ثابتة تجعل مقاومته ودفع ظلمه ودحض جبروته ونَسف طغيانه، فريضة
وعقيدة.

والحمد له رب العالمين.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.  



+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان