هل لم نعد بحاجة إلى علم الحديث؟
بقلم: د. مسعود صبري
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
في
حوار مع أحد الإخوة الزملاء الباحثين المتخصصين في علم الحديث، تحدث إليَّ بنبرة حزينة
عن علم الحديث في عصرنا، وأن هذا العلم لم نعد بحاجة إليه؛ لأنه من العلوم التي احترقت،
واكتمل بناؤها، وأن الناس بحاجة إلى العلوم التي تتناول القضايا المعاصرة، التي تمس
واقع الناس ومعايشهم، وتمنى أن لو كان تخصص في علم الفقه الذي هو لصيق الواقع والحياة.
وقد
آلمني ما سمعته، ولا سيما أنه من أحد الباحثين المتخصصين في علم الحديث، فإن كانت هذه
نظرة بعض الباحثين في علم الحديث، فما بالنا بنظرة غيرهم من الباحثين، بله المثقفين
وعوام الناس الذي لا شأن لهم بعلم الحديث؟!
موطن الإشكال.. بين الرواية والدراية
إن
الإشكال -في نظري- أن طائفة من المحدثين والمنشغلين بالحديث النبوي حصروا علم الحديث
في المصطلح والجرح والتعديل، وانصبت العناية بالسند والرواية دون الدراية، فإسناد الحديث
هو أشبه بالوسيلة للغاية، فالسند هو الوسيلة للغاية وهو الحديث النبوي نفسه، فعناية
المتخصصين في الحديث قديماً وحديثاً كان غالبها ينصب في الرواية والرجال، وتركوا العناية
لمتن الحديث ودرايته للفقهاء.
كما
أننا لم نستطع أن نقدم علم الحديث لعموم الناس، وظل علماً يختص به طائفة من العلماء،
فهو علم من علوم الخواص، وإن كانت هناك محاولات جادة في العصر الحديث حاولت تقريب علم
الحديث، كما هو شأن بعض المحدثين المعاصرين، كالشيخ الألباني، والشيخ شعيب الأرناؤوط،
والشيخ أبي إسحاق الحويني.. وغيرهم، لكن علم الحديث لم يترجم في واقعنا كما ترجم غيره
من العلوم وبخاصة علم الفقه، الذي ما يزال ذا أهمية كبيرة في حياة الناس ومعاشهم، وليس
السبب في ذلك طبيعة العلم وحده، وإن كان هذا من الأسباب، لكن الفقهاء استطاعوا أن يترجموا
علم الفقه في حياة الناس في كثير من الأمور، وبخاصة في مجال الإفتاء والقضاء والتدريس..
وغيرها.
بين الحديث والسُّنة.. رؤية أوسع وأشمل
الأمر
الآخر هو ضيق النظر إلى علم الحديث، فالحديث هو مرادف للسُّنة عند كثير من العلماء،
وإن كنت ممن يرى أن السُّنة أوسع دلالة من الحديث الشريف، وإذا نظرنا إلى الحديث أو
السُّنة على أنها قسيم القرآن الكريم؛ فإن نظرنا سيتسع بشكل أوسع، وكما أن الناس كانوا
وما زالوا يرون الحاجة إلى القرآن واسعة وكبيرة، فإنه في الوقت نفسه، نحن بحاجة إلى
الحديث والسُّنة بقدر حاجتنا إلى القرآن الكريم، فالسُّنة هي شارحة القرآن.
وعلى
هذا، فنحن بحاجة إلى بيان منهج السُّنة النبوية في كل مجالات الحياة، فالسُّنة تقدم
رؤية متكاملة في غالب مجالات الحياة، فيمكن أن ننظر إلى منهج السُّنة في قضايا البيئة،
وقضايا التعليم، والنظام الصحي، والنظام السياسي، والنظام الاقتصادي، وقضايا التربية،
وقضايا الفنون.. وغيرها من مجالات الحياة.
التدريب والمهارات.. ترجمة عملية للسُّنة
كما
يمكن تحويل بعض القضايا التي تناولتها السُّنة النبوية إلى دورات تدريبية، أو شهادات
مهنية، أو تطوير وظيفي، مثل استخراج النظام الصحي في السُّنة النبوية، وكيفية تطبيقه
في المستشفيات والعيادات، بل والبيوت، ويمكن تكرار ذلك في كثير من القضايا والمجالات.
ومن
أهم مجالات الحديث والسُّنة النبوية استخراج العناية بالأسرة والعلاقات الاجتماعية،
كما يمكن عمل برنامج للإصلاح الأسري من خلال الحديث والسُّنة.
وفي
فهم القرآن الكريم نجد أن السُّنة النبوية لها دور كبير جداً في ذلك المجال، فنحن بحاجة
إلى العناية بالمنهج النبوي في فهم القرآن الكريم، بل أبعد من ذلك، أنه يمكن استنباط
المنهج النبوي في فهم المصطلحات والمفاهيم، واستخراج التعاريف النبوية؛ ما يساهم في
تطوير المعاجم والقواميس.
معالم
تجديد النظر في الحديث والسُّنة
وعلى ذلك، فأهم معالم تجديد النظر في الحديث وعلومه ما يلي:
أولاً: توسيع
دلالة النظر إلى علوم الحديث، وألا تقتصر على ما يتعلق بالسند من السند والجرح والتعديل
وغيرهما، بل تمتد لتشمل علوم الحديث رواية ودراية.
ثانياً: محاولة
ربط علوم الحديث والسُّنة بواقع الناس، وترجمة ذلك من خلال الوظائف والمهارات والمهن.
ثالثاً: العناية
باستخراج مناهج الحديث والسُّنة في مجالات الحياة المتعددة، ومحاولة الاستفادة منها
في الواقع المعاصر في جميع المجالات؛ السياسية والاقتصادية والثقافية، والتربوية، والعلمية،
والفنية.. وغيرها.
رابعاً: توليد
برامج عملية من الحديث والسُّنة تساهم في إصلاح الواقع المعاصر؛ خاصة في بعض المجالات
الحيوية؛ كالمجال الاجتماعي والمجال الصحي، والمجال التربوي.
خامساً: العناية
بالحديث والسُّنة في قضايا الفهم وتصحيح الأفكار والمفاهيم، للحفاظ على الهوية الإسلامية
ومواجهة قضايا الإلحاد والشبهات.
إن
الناس بحاجة إلى الحديث والسُّنة كحاجتهم إلى القرآن الكريم، تماماً بتمام، ولا يتم
ذلك إلا بتوسيع النظر إلى علوم الحديث والسُّنة، انطلاقاً من واقع الناس، وتقديم حلول
عملية لحاجاتهم ومشكلاتهم في الحياة؛ بناء على الرؤية المنهجية للسُّنة النبوية للدين
والحياة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين.