بسم الله
الرحمن الرحيم
البيان والتّبيان في فكّ معادلة لبنان
بقلم: أ.د/ عبد الرزاق قسوم
نادرا ما
يفلح الصهاينة اليهود في ما يقدمون عليه من عمل، لأنهم نُذُرُ شؤم، فحيثما حلوا حل
الخراب واليباب، إلا في شيء واحد، وهو التآمر، والكيد، وبث الفُرقة بين النّاس.
فقد أفلح
الصهاينة اليهود، في ابتكار أساليب الفُرقة، وإلهاء الناس بالفتن والمحن، وقلب
المجن؛ وهذا ما نلاحظه، ونعيشه اليوم في معاناة وطننا العربي.
لم يترك
الصهاينة، لتحقيق هذا الغرض الدنيء، من كيد، ومكر، وخداع، جرما إلا اقترفوه، وهم
من أجل ذلك، ما فتئوا يخترعون التقليعات الكيدية، بمختلف خطورتها لإشغال شعبنا
العربي، ولاسيما حكامه، بالتافه عن المهم، وآخرها ما خرج به على الناس مهندس
التآمر النتن ياهو، من هدف تحقيق أرض الميعاد وحلم “إسرائيل الكبرى”،
ذات الأطماع التوسعية التي هدفها التمدد، في أراضي عربية عديدة، كالأردن، وسوريا،
ولبنان، ومصر، والسعودية، وغيرها.
فقد
اكتشف الصهاينة اليهود، أن أنجع وسيلة لذلك، هي شل القدرات، وبث النزاعات، ونزع
السلاح، واستئصال أية إمكانية للكفاح.
حدث هذا
في أكثر من قطر عربي، وجاء الدور اليوم، على كل ما يرمز للمقاومة، كفلسطين،
وسوريا، ولبنان.
وفي
لبنان، يترعرع الألم الدفين، فقد أدرك الصهاينة -بخبث نظرهم- أنه لاستئصال مصدر
القوة في كتائب القسام، وباقي فصائل المقاومة لابد من قص أجنحة هذه المقاومة، ومن
أجنحة المقاومة، سوريا، واليمن، ولبنان، وإيران، فعمدت إلى اغتيال القيادات، ليجيء
الدور بعد ذلك على نزع الأسلحة، وتحييد التنظيمات، والفصائل، وما يعتبره الصهاينة
“مليشيات”.
ففي حين
يناور الصهاينة بدعم من حليفتهم الكبرى أمريكا، على احتلال غزة، وإخلائها من
عنصرها الحي “حماس” وباقي أسلحة المقاومة، تحت ذريعة التفاوض، ها هي
تعمد إلى لبنان، لتجعل منه “ممرا ومقرا” لبلوغ أهدافها، فتطالب بواسطة
أمريكا، حكومة لبنان، بنزع سلاح المقاومة الإسلامية.
والأنكى
في كل هذا، أن حكومة لبنان تذعن لهذا الأمر، وتطالب حزب الله، بتسليم سلاحه، بحجة
توحيد القوة الضاربة ممثلة في الجيش، وإخراج جنود المقاومة، من أنفاقهم رافعين
الرايات البيضاء، لتصبح الطريق سالكة أمام العدو الصهيوني.
قد يقول
قائل، إن قرار الحكومة “قرار صائب”، ومناسب، ولكن الرد عليه بكل سهولة،
أنه في وقت غير مناسب، وذلك لعوامل شتى، لعل
أبرزها:
1- أن القرار لم يكن نابعا من
داخل لبنان، ولكنه جاء بأمر خارجي، وهو ما يمثل مساسا بسيادة لبنان، وعدوانا على
استقلاله.
2- أن المقاومة اللبنانية، قد
كانت -دوما- الحامية لوجود لبنان، ووحدته، بمواجهة التحدي الصهيوني، بالتصدي
الوطني، وقد أدرك العدو الصهيوني ذلك، فعمل على فك المعادلة اللبنانية، بالمقدمات
التي تحقق أغراضه.
3- أن وجود المقاومة
اللبنانية والمحافظة على أسلحتها، هو درع واق للحكومة اللبنانية، وحماية لظهرها،
ضد أي عدوان محتمل، خصوصا، والصهاينة يطمعون إلى تحويل لبنان إلى لقمة صائغة، بحيث
يتخذ مقرا، وممرا، لابتلاع باقي الأراضي في إطار “إسرائيل الكبرى” الحلم
المزعوم.
4- أن المطالبة بنزع سلاح
المقاومة اللبنانية هو استهانة بمكون هام وفاعل من مكونات الدولة اللبنانية.
لقد كنا
نضرب المثل بلبنان، في تجسيد معادلة التسامح، والتعايش، إلى حد جعل لبنان ذا
المساحة المحدودة قِبلة للفكر والثقافة، فاق القاهرة، ودمشق، وبغداد، من حيث نشر
الكتب والمجلات وبلوغ الوعي الفكري، متجاوزا في ذلك عقدة التمييز الإيديولوجي، أو
العقدي، تحت مظلة الثقافة العربية الجامعة والمانعة.
فما بال
لبنان، انكفأ على نفسه اليوم، تحت وطأة الحصار الصهيوني، فتعمقت محنته، واشتدت
أزمته، وثقلت وطأته؟
ألا
يدرك، أشقاؤنا في لبنان، أن ازدهار بلدهم لا يكون إلا بوحدته التي تضم جميع
مكوناته، وبنموه داخل وطن عربي، يكون بمنأى عن كل تدخل أجنبي، وتهديد بالعدوان
الصهيوني.
إن ما
يجب أن يدركه، أشقاؤنا في لبنان هو أن المطالبة اليوم بتحييد مكون من مكوناته،
ونزع كل معلم من معالم وجوده، ورمز قوته، إن هو إلا مقدمة من مقدمات الزحف
الأخطبوطي، الذي هدفه ابتلاع باقي البلدان بعد لبنان.
فالحقيقة
التي لا مراء فيها، هي أن هذا الأخطبوط الزاحف على لبنان، سيمد الخطى إلى الذمام
والظهران، ليضع يده على نفط البحرين وعُمان، وعينه على كنوز تطوان، ووهران،
والقيروان، وفزان، والسودان، وكل ذلك تحقيقا لحلم أرض الميعاد، والتمكين للصهاينة
الأوغاد.
إننا من
وحي التجربة والمعاناة، وبدافع من آلام المحنة والامتحان، نقدم هذا البيان
والتبيان، كمحاولة لفك معادلة لبنان، والتي هي التمهيد غير السوي، لاحتلال وابتلاع
أجزاء من عدة بلدان.
وما
ننتهي إليه من كل هذا، هو أن الحل الناجع والناجح للقضاء على كل ما يحيط بنا من
تهديدات، وما نتجرعه من معاناة، أن الحل الحقيقي يكمن في الوقوف مع غزة ضد أنواع
الإبادة المسلطة عليها، ذلك أن هزيمة العدو الصهيوني التي باتت وشيكة إن شاء الله
في غزة، هي التي ستعجل باختفاء كيان، ظل شبح تخويف، وأداة تحريف، وعنوان تجفيف،
فهل يستيقظ بنو قومي الذين طال رقادهم، وكثر رمادهم، وقل زادهم وعتادهم، وخفت
زنادهم، وشاع كسادهم؟.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها،
ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
* أ.د/
عبد الرزاق قسوم؛ عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.