آخر الأخبار

حقوق اغتصبتها حريَّة مزعومة (2)

شارك المقال على :

حقوق اغتصبتها حريَّة مزعومة (2)

بقلم: أ. غفران
محمد خير بولاد

عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين

 

بيَّنَّا
في المقال الأوَّل من هذه السلسلة أنَّنا سنتحدث ضمنها عن الحقوق التي حرمت المرأة
نفسها منها تحت مسمى الحرية والمطالبة بحقوقٍ استوردتها من المجتمعات الغربية.

في
مقال اليوم سنتناول الحديث عن حق المرأة بالتعلّم والعمل ونتيجة ذلك على حياتها
برؤية واقعية وصفية تنقل للقرّاء حقيقة الصورة، وتمنع عنهم الانخداع بهذه المطالب
والادِّعاءات، أو الانجرار ورائها.

عادة
قبل الشروع بالحديث عن حق العمل لا بدَّ لنا أن نتناول حقَّ التعلم، إذ هو البوابة
الأولى والمؤهِّل الأهم لدخول الرجل والمرأة على حدِّ سواء إلى ميدان العمل.

التعلم منذ زمن النبي ﷺ:

منذ
زمن النبوة لم تفرِّط المرأة بحقِّها بالتعلُّم، إنما طالبت به، وحرصت على
الاستزادة منه، وعملت على تبليغه. وشواهد ذلك في الحديث والسيرة أكثر من أن تحصر،
منها ما رواه البخاري عن سؤال النساء للنبي ﷺ أن يخصص خطاباً لهن، يقول: جاءت
امرأة وقالت للنبي ﷺ: “يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا يوماً من
نفسك” فاستجاب ﷺ لطلبهنَّ وجعل لهنَّ يوماً خاصاً يُعلّمهن فيه،

وسعي
السيدة عائشة رضي الله عنها في طلب العلم وحرصها عليه
وكثرة سؤالها للنبي واستفسارها لكي تفهم الدين بعمق
ودقَّة يشهد لها بطلب العلم والحرص عليه، منه مراجعتها للنبي ﷺ في مسألة الحساب:
يُسره ومناقشته، وجمعها لأدلته ومقارنتها لها بغية فهم أوجه الاختلاف والاتفاق
فيما بينها. روى البخاري عنها أنَّها قالت: قال رسول الله ﷺ: “من نوقش الحساب
عُذّب”.  قالت: فقلت: يا رسول الله،
أوَليس الله يقول: (فسوف يُحاسب حساباً يسيراً)؟ قالت: قال ﷺ: “ذاك العرض،
ومن نوقش الحساب يوم القيامة عُذّب”. فعائشة رضي الله عنها سمعت حديث النبي ﷺ
أن “من نوقش الحساب عُذّب”، فتذكرت قوله تبارك وتعالى في القرآن: (فَسَوْفَ
يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) فلم تسكت، بل استفسرت بعلم وذكاء وسألت رسول الله ﷺ:
كيف نفهم القول: من يُحاسب يُعذَّب، ونوفق بينه وبين قول الله تبارك وتعالى إن بعض
الناس يُحاسب حساباً يسيراً؟ فشرح لها النبي ﷺ أن: الحساب اليسير هو عرض الأعمال
دون نقاش أو تدقيق، أما المناقشة التفصيلية للحساب فهي مقدّمة للعذاب. وقول النبي
ﷺ: “طلب العلم فريضة على كل مسلم” خير شاهد على حثِّه ﷺ المسلمين
والمسلمات على طلب العلم لأجل تطبيقه وتبليغه. هذه النصوص الحديثيَّة وغيرها من
النصوص تُظهر حرية المرأة في السؤال والاستشكال في زمن النبوة، كما تُظهر اهتمام
النبي ﷺ بتعليم النساء وتفهيمهن الدين وحثِّهن على الاستزادة منه.

أسئلة يجب الإجابة عليها:

وهنا
يحضرني أسئلة مهمَّة تنقلنا إلى الحديث عن واقع المرأة في ميدان التعلّم؛

لماذا
أقرَّ النبيّ ﷺ تعلم المرأة وحثّ عليه وشجّعها على الاستزادة منه؟

ما
الذي سيتغير لو تعلمت المرأة أو جهلت؟

ما
العلم الذي يجب أن تتعلمه؟

ما
الذي سيجنيه المجتمع لو تعلمت المرأة علماً نافعاً لها ولغيرها؟

قبل
الإجابة عن هذه الأسئلة لا بدَّ أن نستحضر في تفكيرنا أنَّ مهمة المرأة الأساسية
في دورة الحياة المجتمعية هي بناء الإنسان وصناعة فكره ووعيه. بناءً على هذا الدور
المحوري والمهمة العظيمة التي أوكلها الله للمرأة تأتي الإجابة على السؤال الأول،
فقد حثَّ ﷺ على تعليم المرأة وشجّعها على الاستزادة من العلم ونشره وتبليغه. لأنَّه
استثمار ربحه محقق في بناء الإنسان، وصناعة الوعي لدى الأجيال.

العلم الذي تحتاجه المرأة:

إنَّ
تعليم المرأة من أجل أن يكون لديها زاداً علميّاً وخزينة معرفية ومهارية تعينها
على القيام بدورها الرئيس في دورة الحياة المجتمعية.

وهنا
لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ العلم الذي يجب أن تتلقَّاه المرأة نوعان؛

أولهما:
علمٌ تحتاجه لبناء شخصيتها وأداء فرضها سواء كان هذا العلم في مجال الشريعة بما
يلزمها في تطبيق الأحكام والفروض في العبادات والمعاملات وغير ذلك مما لا يسع
مسلمة جهله، أو كان في المهارات الحياتية التي تحتاجها في تعاملها مع المجتمع
حولها في كل مراحل حياتها بدءاً من طالبة في المدرسة وصولاً إلى أم تبني الإنسان
وتصنع الأجيال.

ثانيهما:
العلم الذي يحتاجه المجتمع للارتقاء والنهوض به ليكون الأسبق في مصافّ المجتمعات
المتقدِّمة تحقيقاً للخيرية التي ميز الله تبارك وتعالى بها الأمة الإسلامية.  

إنَّ
علم المرأة يجعلها تبني الجيل بناءً واعياً مرتكزاً على أساس معرفية وبطريقة
منهجية تجعلها المصدر الأول والرئيس للمعرفة لدى أبنائها لأنها تمثِّل بوابة
المعرفة الأولى لهم لملازمتها إياهم الوقت الأطول في المرحلة العمرية المبكرة -مرحلة
الاستكشاف والسؤال، والغرس والتلقين- فإن كانت تجهل أمور دينها ودورها وتفتقر إلى
المعرفة والمهارة فأيُّ بوابة ستكون؟ وهنا يجني المجتمع بأكمله ثمار عدم تعليم
المرأة جهلاً وانحطاطاً وبعداً عن الدين والرقي.

نتائج عدم تعلم المرأة:

فالمرأة
عندما تُسأل وهي على غير علم إما أن تعطي معلومة خاطئة، أو لا تستطيع تصويب المعلومة
الواردة من غيرها، أو أنها ستبدو خاوية اليدين خالية الخزينة لا تتقن إلا كلمة لا أعرف
اسأل غيري، أو تمنع أبناءها السؤال بصوت السوط، وكذلك الرجل..

فتكون
مدمرةً للخزينة المعرفية لدى الأبناء تغذيهم تغذية معرفية خاطئة، مما يؤدِّي إلى
فقدان مصداقية معلوماتها لديهم على المدى الطويل، كما أنها تتسبب بمرورهم بمرحلة
من الجهل المركب، فالمعلومة منها يُفترض أنها واردة من ثقة لا خطأ بها، فيتلقَّاها
الأبناء على أنها حقيقة صحيحة فيقع في نفس الواحد منهم أنه يعلم معلومة صحيحة والحقيقة
أنَّها خطأ ولكنه لا يعلم ذلك حتى يأتي من يصححها له. أو قاتلةً للإبداع عند الطفل
ومضعِفة لشخصيته بشكل كبير إذ يؤدي الإسكات المتكرر للطفل إلى قتل حب السؤال
والاكتشاف لديه كما يقتل به القدرة على التواصل مع الآخرين للإفصاح عن ما يدور في
رأسه فيصبح انطوائياً مع الزمن وخجولاً مما يؤدي لضعف شخصيته وانهزامها.

وهنا
يحضرني سؤال هل التعلم المرأة هدف لذاته أم لغيره؟ وهل تتعلم لتنافس الرجل في فرص
العمل أم أنها تتعلم لتسدّ نقصاً أو حاجة في ميدان عمل يحتاج امرأة لا رجلاً أم
لغير ذلك؟

الحقيقة
إنّ العلم ليس غاية بذاته دائماً إنما هو وسيلة للوصول إلى وجهة المرء لذا هو غاية
مبدئية في مرحلة، ووسيلة فاعلة في مرحلة أخرى. ومن هنا ننطلق للحديث في المقال
القادم عن حق المرأة بالعمل وضوابطه ليكون معول بناء في الأسرة لا معول هدم تضيع
به الحقوق وتتفكك الأسرة وتنهك المرأة. ولنكشف اللثام عن الحقوق التي يمكن أن تضيع
في حال جعلت المرأة عملها حرية لا ضابط لها.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها
ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان