شبهات تثار حول صيام يوم
عرفة للتشكيك وإثارة الفوضى في الدين.
كتبه: أ. د. علي محيي
الدين القره داغي
رئيس الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين
جواب وفق فقه الميزان يجمع بين التحقيق
الحديثي والبيان الشرعي:
أيها المسلمون،،
في عصر الرويبضات.. حين يتكلم من لا
علم له، توقّع كل شيء،
قال أحدهم:
أولًا: صيام يوم العيد بدعةٌ قطعًا
ومطلقًا.
ثانيًا: حديث مسلم في فضل صيام يوم
عرفة حديثٌ ضعيف لا يُحتج به، لأنه -حسب زعمه-.
الجواب، وبالله التوفيق:
أولًا: الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه (1162) عن أبي
قتادة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ سُئل عن صوم يوم عرفة، فقال: (صيام يوم عرفة
أحتسب على الله أن يُكَفِّرُ السَّنَةَ التي فضله والسنة التي بعده).
هذا الحديث صحيح رواه مسلم، وهو أحد
الشيخين، والاتفاق منعقد على صحة ما انفرد به مسلم إذا لم يخالف شرط الصحيح، وهو
هنا لم يُخالف.
وقد صحّح الحديث أيضًا جمع من كبار
أئمة الحديث، منهم: ابن خزيمة في صحيحه (1713)،
وابن حبان في صحيحه (3632)،
وابن عبد البر في التمهيد (21/162)،
حيث قال: “وهو حديث صحيح مشهور من وجوه“.
والبغوي في شرح السنة (3/243)،
والحافظ ابن حجر في فتح الباري
(4/237)، حيث قال: “وأصحها حديث أبي قتادة“،
والحافظ العيني في نخب الأفكار،
وابن القيم، وابن تيمية، وغيرهم،
وكذلك صححه الشيخ احمد شاكر، والشيخ
الألباني في صحيح الترمذي (749) وصحيح الجامع (3800، 3950)،
وشعيب الأرناؤوط في تحقيق مشكل الآثار (1968)،
وغيرهم كثير ممن وثق هذا الحديث وأجمع
على العمل به.
بل إن الترمذي قال بعد ذكر الحديث: (وقد
استحب أهل العلم صيام يوم عرفة إلا بعرفة).
وقد أورد المنذري في الترغيب والترهيب
(2/168)، والهيثمي في مجمع الزوائد (3/189) شواهد أخرى للحديث، منها ما أخرجه أبو
يعلى (7510) برجال ثقات، مما يقوّي الحديث سندًا ومعنًى.
ثانيًا: صيام يوم عرفة في عهد النبي ﷺ:
من الشواهد الدالة على شيوع صيام يوم
عرفة بين الصحابة في عهد النبي ﷺ، ما رواه البخاري (برقم: 1988 و1989) ومسلم
(1123) عن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها، أنها قالت: (شَكَّ النَّاسُ في
صيامِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ،
فَشَرِبَهُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ).
وفي رواية عن أم المؤمنين ميمونة بنت
الحارث رضي الله عنها في صحيح مسلم (1123) أيضًا: (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ
بِحِلَابِ لَبَنٍ، فَشَرِبَ، وَهُوَ وَاقِفٌ فِي الْمَوْقِفِ).
وجه الدلالة: أن الصحابة ما كانوا
ليشكوا في صيام النبي ﷺ يوم عرفة إلا لأنهم كانوا يعرفون فضله، ويظنون أنه ﷺ يصومه
في الحج أيضًا، فلما شرب، عَلِموا أنه أفطر، ليُبيّن أن الحاج لا يصوم.
ثالثًا: حكم صيام يوم عرفة
– لغير الحاج: مستحبٌ بالإجماع.
قال الإمام النووي في المجموع (6/428): “وأجمعوا على أنه سنة لغير الحاج”.
– للحاج: محل خلاف.
الجمهور (المالكية، الشافعية،
الحنابلة) على كراهة صيامه للحاج، لما فيه من إضعاف البدن عن الدعاء والوقوف،
استنادًا إلى فعل النبي ﷺ.
وقد روي عن بعض السلف كـ ابن الزبير،
وعلي بن أبي طالب، وإسحاق بن راهويه أنهم استحبوا الصيام للحاج إن لم يضعفه، كما
نقله ابن قدامة في المغني.
وقد روى الترمذي (رقم 750، 751)، وأحمد
(رقم 5420)، وابن حبان (3060) عن ابن عمر أنه قال: (حججتُ مع النبي ﷺ، ومع أبي
بكر، ومع عمر، ومع عثمان، فلم يصم أحد منهم يوم عرفة).
وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي
(رقم 750)، وأحمد شاكر في تحقيق المسند (7/214).
رابعًا: الرد على من أنكر الحديث:
الطعن في حديث رواه الإمام مسلم،
وتلقّته الأمة بالقبول، وعضّدته شواهد من الصحاح والسنن والمسانيد، طعنٌ غير مقبول
شرعًا ولا عقلًا، بل من قِلة العلم وقلة الورع.
ومن يدّعي أن حديثًا صحيحًا متفقًا
عليه ضعيف فهذا من تهريج الرويبضات الذين تكلم عنهم النبي ﷺ بقوله: «سيأتي على
الناس سنوات خداعات، يُصَدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها
الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة» قيل: وما الرويبضة؟ قال: «الرجل
التافه يتكلم في أمر العامة»، رواه ابن ماجه (4036) بسند حسن.
خامسًا: آثار الأقوال الشاذة:
التشكيك في الأحاديث الصحيحة الثابتة،
والعمل المتواتر في الأمة، يزعزع ثقة العامة بثوابت الدين، ويغرس الشك في القلوب
الضعيفة، ويفتح الباب للطعن في مصادر التشريع، وهو أمر بالغ الخطورة.
وقد بيّن العلماء أن نشر الأقوال
الشاذة، ولخاصة في زمن الفتن والجهل، منكرٌ عظيم، كما قال الإمام الذهبي في سير
أعلام النبلاء: “ومن تتبع الرخص تزندق”.
وما قاله هذا الرويبضة ليس من باب تتبع
الرخص، وإنما جعل السنة الثابتة بدعة وهذا من أكبر أنواع الخلل في موازين الشرع نقول:
1. حديث أبي قتادة في فضل صيام
يوم عرفة صحيحٌ لا مطعن فيه.
2. صيام يوم عرفة مستحبٌّ لغير
الحاج، محل خلافٍ للحاج، والراجح أنه يُكره له إن أضعفه.
3. الطعن في الحديث بلا علم ولا سند هو من الضلال والجهالة.
4. العمل على هذا الحديث جموع
العلماء منذ عصر الصحابة إلى اليوم.
5. ينبغي ردّ الأقوال الشاذة بالحكمة والعلم، حمايةً
لعقيدة الأمة وثوابتها.
والله المستعان، وعليه التكلان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر
بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
-150x150.jpg)