آخر الأخبار

قراءة في كتاب (القرآن وصناعة الإنسان والحياة) للدكتور فضل عبد الله مراد

شارك المقال على :

بسم الله الرحمن الرحيم

قراءة في كتاب (القرآن وصناعة الإنسان والحياة) للدكتور فضل عبد
الله مراد

كتبه: د. علي محمد
محمد الصّلابي

الأمين العام
للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

في زمن تتزاحم فيه المشاريع
الفكرية، وتفتقر كثير منها إلى العمق القرآني، يُقدّم الدكتور فضل عبد الله مراد
نموذجًا تجديديًا متماسكًا، ينطلق من مركزية القرآن في صناعة الوعي، وبناء الإنسان
والحضارة
.

ولقد افتتح
المؤلف كتابه بمحامد عظيمة، مستشعرًا نعم الله عليه، وجاء العنوان الافتتاحي
للكتاب
: “رحلة
في فقه القرآن: دستور العالم المحفوظ
، مُعلنًا من خلاله مشروعه الفكري والتجديدي الموسوم بـ”فقه
العصر”، والذي يتضمن ثلاث مبادرات علمية كبرى
:

1.   
مشروع
فقه القرآن دستور العالم المحفوظ
.

2.   
مشروع
معالم الاجتهاد في فقه العصر
.

3.   
مشروع
التقريب والتجديد، ويهدف إلى ضمّ كافة قضايا العصر إلى الموسوعات الحديثية
الصحيحة، ومعالجتها في ضوء السنة النبوية
.

ويمثل هذا الكتاب اللبنة الأساسية
في مشروع فقه القرآن دستور العالم المحفوظ، والذي قسمه المؤلف إلى ستة
محاور رئيسية
:

·       
القرآن
وصناعة الإنسان والحياة
.

·       
معالم
الآيات الدستورية الكبرى الحاكمة
.

·       
فقه
الأحكام الشامل وتنزيلاته المعاصرة
.

·       
الفقه
الأممي الإنساني
.

·       
المختصر
الشامل في فقه القرآن
.

·       
قواعد
التشريع ومقاصده وعلله في القرآن
.

ولا شك أن هذا المشروع الأول مما
تُفنى فيه الأعمار، ويستحق ذلك، فبركات الله على عباده لا تُعد ولا تُحصى، ولا
يمنعها مانع ولا يحجزها حاجز
.

منذ صفحات الكتاب الأولى، يُدهشك
الكم المعرفي وتدفق الأفكار بلغة أنيقة ومنظمة، تنسجم مع بعضها، وتفتح أمام القارئ
آفاقًا للتأمل والتفكر، وتضع بين يديه مصباحًا يضيء دروب الاكتشاف، لينقب عن
الكنوز والجواهر المدفونة في النص القرآني
.

ومن ملامح هذا الفقه الدستوري
المميز، أشار المؤلف إلى أن عدد سور القرآن 114 سورة، ونصفها 57 سورة، تبدأ من
سورة المجادلة (قد سمع) إلى سورة الناس، وقد بحث المؤلف هذا الجانب طويلاً، وراجع
كتب التفسير والفقه، وأمعن النظر بقلبه وعقله، ليصل إلى نتيجة مفادها أن هذه
الأجزاء الثلاثة الأخيرة من القرآن، ولا سيما جزء عمّ، تحمل خلاصة فقه
أمّهات الشريعة
.

ورغم قِصر سُوَرها وآياتها، إلا
أنها تشكل بنية معرفية ونفسية وحضارية عميقة. فهي سهلة الحفظ، يحفظها الصغار قبل
الكبار، ومن لم يحفظها يستحضر مضامينها بسهولة
.

ويرى المؤلف أن هذه السور القصيرة
تقيم الحجة على جميع الخلق، وتشتمل على كبريات المفاهيم الإيمانية والقيمية
والاقتصادية، وتطرح تصورًا متكاملًا للحياة والكون، وتجيب عن الأسئلة الكبرى التي
عجز عنها الفلاسفة. كما تتضمن مبادئ الحقوق الإنسانية، وأسس التعاون الإنساني
.

ولا شك أن الإنسانية بأسرها اليوم
بأمسّ الحاجة إلى تعاليم القرآن: دستور العالم المحفوظ، كما عبّر المؤلف،
الذي حاول بدوره أن يقدّم عصارة فكره وتجربته وتدبره لهذه السور الكريمة، ليستنهض
العقل والروح معًا.

وعلّق المؤلف على قوله تعالى:
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، بأنّها الافتتاح لهذا الدستور الربّاني (القرآن الكريم)،
لأنّها حقيقة يجب أن تُغرس وتُرسّخ في باطن العقل الباطن، حتّى تكون عقيدة في
القلب تُعقد عليها أولويّة الفكر والعمل المنوط بكلّ مكلّف.

هذه العبارة التأسيسية تشكّل المادة
الأولى
من هذا الدستور الخالد، والتي لا تتبدل ولا تتغير، لأنك مُقبل على
منظومة متكاملة من التعاليم الحياتية، التي يحويها هذا القرآن الكريم
: من
التعاليم النفسية والشخصية، إلى شؤون الأسرة، والمرأة، والطفل، مرورًا بقواعد
الاجتماع الإنساني، وأحكام الحكم والسياسة، وتنظيم الماليّات والحدود والأمن
الداخلي، وانتهاءً بالعلاقات المحلية، والإقليمية، والدولية، وكل أشكال الحوار بين
الشعوب والثقافات
.

وإن القرآن الكريم هو كتاب هداية
ورحمة ونور وبصائر للناس أجمعين، كما عبّر المؤلف، وهو ما يعيدنا إلى جوهر
“فقه القرآن دستور العالم المحفوظ
“.
ومن
ثم انتقل إلى شرح السور الكريمة، مبتدئًا بسورة
الماعون: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ
الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ
لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ
يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)﴾ [الماعون: 1-7]، وفي تأمله العميق
وفقهه لهذه السورة، تناول سبع قضايا كبرى، شملت أبعادًا عامة وخاصة، منها
:

1.   
جريمة
التكذيب بالدين
: باعتبارها
أصل كل انحراف روحي وأخلاقي
.

2.   
حقوق
اليتيم
: كجزء
أصيل من قيم العدالة والرعاية الاجتماعية
.

3.   
حق
الشرائح الضعيفة (المساكين)
: وغياب
الحث على إطعامهم
.

4.   
ثلاثية
الهدم الأخلاقي
: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، ﴿الَّذِينَ هُمْ
يُرَاءُونَ﴾، ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾
.

5.   
منظومة
النفاق الإنساني والماعون الدولي
: وربطه
بين الفساد القيمي الداخلي والتراخي في أداء الحقوق الإنسانية العالمية
.

6.   
منع
الماعون
: كدلالة
على أنانية متأصلة، تحرم المجتمع من أبسط أدوات التكافل
.

وقد تميز المؤلف في شرحه بجمعه
بين الأصالة والمعاصرة، مستندًا إلى جملة من أمهات المراجع في التفسير والفقه
واللغة، مثل
: الطبري،
والقرطبي، وابن عطية، والزمخشري، وابن عاشور، كما استعان بكتب القصص والتفسير
المقاصدي والفقهي، كمؤلفات ابن قدامة، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير، وغيرها
.

وفي عرضه للقضايا، دمج بين
التحليل الدقيق، والبيان الأنيق، والنظر المقاصدي المعاصر، ما أضفى على شرحه حيوية
وواقعية، وجعل تفسيره للآيات الكريمة تنبض بالحياة، ويتكلم بلغة الزمن
. ومن
أبرز الوقفات التي وقفها مع ألفاظ السورة:

فمثلاً كلمة ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾
بيّن أنّ لها ثلاثة أبعاد:

– بُعد أخلاقي.

– بُعد نفسي.

– وبُعد حقوقي.

فأمّا البُعد الأخلاقي فإنّ
﴿الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ لا شكّ يمتهنه ويذلّه، وهو ضدّ الإكرام، وهذا مُصرّح
به في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾.

أمّا البُعد النفسي فإنّ (الدع)
يُورّث القهر والعين والعقد النفسيّة، ولهذا قال قتادة في معنى ﴿يَدُعُّ﴾: يقهره
ويظلمه، وهو ما أوحى به النص الآخر، فجرّمه وحرّمه ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا
تَقْهَرْ﴾.

أمّا البعد الحقوقي: فما أبعد من
يُدعّ اليتيم عن إعطاء حقّه وإصلاح ماله وحياته، وهو البعد المنصوص عليه في قوله
تعالى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾.

وهذه الأبعاد الثلاثة واجبة في
فقه التعامل مع اليتيم، وهي أصول فقه اليتيم.

وهكذا، مضى المؤلف في شرح ألفاظ
الآيات الكريمة كلمة كلمة، بعمق وتأمل، حتى إذا فرغ من تفسير سورة الماعون، وضع
عناوين نافعة، واستخرج منها أحكامًا فقهية مختصرة، ومن ذلك
:

مستنبطات فقهية مختصرة:

·       
مشروعية
كشف المكذبين بالدين، وفضح زيف دعواهم وألاعيبهم
.

·       
التكذيب
بالدين هو الجريمة الأولى، وأصل الخطايا والذنوب
.

·       
الوسائل
تأخذ حكم المقاصد؛ فالحضّ على الإطعام وسيلة، لذا جاء الأمر به
.

·       
الإطلاق
في النص يدلّ على أن الإسلام يراعي حقوق اليتامى والمساكين والضعفاء، سواء كانوا
مسلمين أو غير مسلمين
.

·       
لا يجوز
تأخير الصلاة عمدًا عن وقتها؛ فذلك تلاعب وتهاون محرم
.

·       
تحريم
منع “الماعون” بجميع معانيه، سواء على المستوى الفردي أو الأسري أو
المجتمعي أو الإنساني
.

ثم تحدّث الدكتور فضل عبد الله
مراد عن الكليات الدستورية التكليفية المستفادة من السورة الكريمة
:

·       
الأولى: التكذيب بالدين من أوائل الجرائم
الكبرى، ويترتب عليه فساد واسع في حقوق الإنسان والمجتمع، ومنهج القرآن يقضي بفضح
المكذبين وكشف خطرهم
.

·       
الثانية: الإسلام هو دين الحقوق والرحمة
والعدالة
.

·       
الثالثة: إقامة شعائر الله، وعلى رأسها
الصلاة، من أعظم الفرائض، والتلاعب بها جرم شرعي كبير
.

ثم انتقل إلى مقاصد الشريعة
المستنبطة من السورة، ومنها
:

·       
حفظ
الدين والنفس
.

·       
إقامة
الحقوق الإنسانية وصيانتها
.

·       
رعاية
مكارم الأخلاق
.

أما في المنهجية التشريعية التي
تبنّاها في تفسيره، فقد أوضح أن
:

·       
ورود
اللفظ المشترك يدل على مقصودية كل معانيه. فكلمة
الدين تعني
الشريعة ويوم الجزاء معًا، كما قال ابن عباس وغيره
.

·       
كلمة الماعونوردت في اثني عشر معنى، وكلها
مقصودة هنا، لكن منع الماعون يقع في دائرة التحريم
.

·       
الألفاظ
العامة والمطلقة، مثل اليتيم والمسكين، تشمل كل من يندرج تحتها،
مسلمًا كان أو غير مسلم
.

·       
كذلك لفظ
﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، لعدم وجود تخصيص، فالحكم عام في تحريم المنع عن كل
محتاج
.

ويظهر في تفسير الدكتور فضل عبد
الله مراد روح الفقيه المتمكن، وحرصه على الجمع بين التأصيل والتنزيل، وبين
الأصالة والمعاصرة، والاستفادة العميقة من آراء السلف، وصياغتها برؤية عصرية
فريدة، وبلسان رصين متفرّد بين مفسري هذا العصر، ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ
مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان