ليلة القدر “جمع وترتيب
وتهذيب”
بقلم: د. منذر عبد
الكريم القضاة
عضو الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين
الحمد
لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وخاتم المرسلين ومن تبعه بإحسان
إلى يوم الدين، وبعد:
فإنَّ موضوع
اليوم عن ليلة القدر العظيمة التي شرفها الله سبحانه وتعالى بنزول القرآن الكريم
فيها.
قال الله عز
وجل: ]إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ
القَدْرِ _ وَمَا
أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ _ لَيْلَةُ
القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ_ تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ
وَالرُّوحُ
فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ
_ سَلامٌ هِيَ
حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ[.
ويقول الله
عز وجل: ]حـم * وَالْكِتَابِ المُبِينِ *
إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا
مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبِّ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ
* لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ
وَرَبُّ
آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ[
هذان نصان
قرآنيان في شأن ليلة القدر، وكلاهما مما نزل في مكة من قرآن وسنقوم بتدبّر هذه
الآيات القرآنية الكريمة:
(القدر):
بمعنى القضاء والحكم، نقول فقدر الله وقدره قضاؤه وحكمه، ويأتي القدر بمعنى
التدبير، ويأتي بمعنى المكانة وعلو الشأن وعلى هذا المعنى قوله الله عز وجل: ]مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ[ : أي ما
عظموه حق تعظيمه.
ليلة القدر:
من التعليلات المأثورة لتسمية هذه الليلة المباركة بليلة القدر:
* ما ورد عن
ابن عباس رضي الله عنهما أن الله عز وجل يقدر في ليلة القدر ما يكون في كل تلك
السنة من مطر ورزق وإحياء وإماته، أي: تتنزل بكل أمر قضاه الله وقدره لهذه السنة،
ويؤيد هذا المعنى ما جاء في سورة الدخان من وصف هذه الليلة المباركة إذ قال الله
عز وجل بشأنها: ]فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
_ أَمْراً
مِّنْ عِندِنَا[ أي يفصل من
اللوح المحفوظ أمر السنة القادمة وما يكون فيها من الآجال والأرزاق وغير ذلك.
وقد اختار
هذا التعليل عامة العلماء([1]).
* نقل عن الزهري أنه قال: ليلة القدر
هي ليلة العظمة والشرف([2]).
* وقيل سميت
به لعظم قدرها عند الله لقوله: ]وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ
القَدْرِ[.
* وقيل لضيق
الأرض عن الملائكة التي تتنزل فيها.
* وقيل لأن
للطاعات بها قدرا ًعظيماً.
* وقيل أن
العبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
وانقل هنا
نصاً حول هذه التعليلات للشيخ العلامة فقيه الحنابلة منصور بن يونس بن إدريس
البهوتي في كتابه كشاف القناع عن متن الإقناع([3]).
“يلتمس
العلماء سبباً لشرف ليلة القدر وخيريتها، فيوردون أقولاً كثيرة، ويبادرون إلى
استدلالات معقولة وغير معقولة، ويتشاغلون متغافلين عن السبب الوارد نصاً، والدليل
الناطق صدقاً وهو أن سبب كل ما فيها من شرف هو نزول القرآن الكريم فيها وليس ثم
قدرا ًأعظم ولا شرفاً أبقى من هذا الشرف وهذا القدر“.
وأرى أنه لا
مانع من اجتماع كل هذه المعاني لليلة القدر، فهي الليلة التي أنزل فيها القرآن،
وهي ليلة القضاء والحكم، وليلة التدبير، وليلة الشأن العظيم والشرف الرفيع والله
أعلم.
تفسير سورة القدر:
قال الله تعالى:
]إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ
القَدْرِ[.
]إِنَّا[: وقد بدأت السورة بقول الله عن نفسه (إنا)
بضمير التعظيم.
]أَنزَلْنَاهُ [: الضمير في
أنزلناه كناية عن القرآن وقد كُنّى عنه بضمير الغائب.
]فِي لَيْلَةِ القَدْرِ[: أي نحن
أنزلنا هذا القرآن المعجز في ليلة القدر والشرف.
والمراد بإنزال القرآن إنزاله من اللوح المحفوظ إلى
السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل إلى الأرض في مدة ثلاث وعشرين سنة([4]).
قول الله تعالى: ]وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ
القَدْرِ[.
]وَمَا أَدْرَاكَ [:
“ما” للاستفهام، أي: أي شيءٍ أعلمك.
]مَا لَيْلَةُ القَدْرِ [: “ما” للاستفهام أيضاً، يستفهم
بها عن حقيقة الشيء وماهيته.
أي: أية ليلة عظيمة الشأن، وهو استفهام فيه معنى التعجب
من عظمة هذه الليلة.
قال المفسرون في تفسير هذه الجملة: يعني لم تبلغ درايتك
غاية فضل هذه الليلة ومنتهى علو قدرها، وعظم شأنها.
قول الله تعالى: ]لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ
أَلْفِ شَهْرٍ[.
سبب نزول الآية: عن مجاهد أنَّ النبي – صلى الله عليه
وسلم – ، ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر قال: فعجب
المسلمون من ذلك قال: فأنزل الله عز وجل: ]إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ
القَدْرِ _ وَمَا
أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ _ لَيْلَةُ
القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ[
التي لبس ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر.
وقال ابن
جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام بن مسلم عن المثنى بن الصباح، عن مجاهد قال: كان
في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، ففعل
ذلك ألف شهر، فأنزل الله هذه الآية: ]لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ
أَلْفِ شَهْرٍ[ قيام تلك
الليلة خير من عمل ذلك الرجل([5]).
]لَيْلَةُ القَدْرِ[:في هذه
الآية فضّل الله ليلة القدر على غيرها من الليالي والأيام.
]خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ[:من عبد الله
وذكره وفعل خيراً في هذه الليلة كان خيراً له من جهة الثواب والأجر العظيم عند
الله من ليالي وأيام كثيرة ليس فيها ليلة القدر.
]أَلْفِ شَهْرٍ[: ألف شهر
تعادل ثلاثاً وثمانين سنة وثلث السنة، أو ثلاثة وثمانين سنة وأربعة أشهر([6]).
قول الله تعالى: ]تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ
وَالرُّوحُ
فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ[.
]تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ[: أي يكثر
تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها([7]).
]تَنَزَّلُ[: أي يكون نزول الملائكة في هذه الليلة بشكل
متتابع متلاحق على أفواج([8]).
ونزول
الملائكة في هذه الليلة العظيمة من خصائص ليلة القدر فهي تتنزل من منازلها في
السموات العلى إلى السماء الدنيا وإلى الأرض.
]وَالرُّوحُ[: قيل أن المراد هنا جبريل – عليه السلام – في أرجح الأقوال، وخص بالذكر تشريفاً له
وتكريماً، ولأنه لا يتنزل إلا بأمر عظيم.
]بِإِذْنِ رَبِّهِم[: حين تتنزل
الملائكة فإنها تتنزل بإذن ربها، ولا تتنزل باختيارها المطلق.
]مِّن كُلِّ أَمْرٍ[: أي أن
الملائكة يحملون وظائفهم ورسالاتهم من كل أمر من أوامر تدبير الله لخلقه.
قوله سبحانه وتعالى: ]سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ
-150x150.jpg)
الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين