مميزات
الاقتصاد الرقمي وفوائده (2)| سلسلة مقالات الاقتصاد الإسلامي والرقمنة،
بقـلم:
الدكتور أحمد الإدريسي
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
مقدمة:
تتجلى أهمية تكنولوجيا
المعلومات في مختلف مجالات الحياة، ومن ضمنها الجانب الاقتصادي بمختلف تطبيقاته
التبادلية والاستهلاكية والإنتاجية، وغيرها، وفي ظل توسع عالم التكنولوجيا، فقد
تطور مفهوم البيع والشراء (عملية التبادل) والتي لم تتوقف على صورة البيع النمطي،
والقبض الحقيقي، إنما تم اعتماد القبض الحكمي في مجمل أو جميع التعاملات
الإلكترونية الرقمية المعمول بها حالياً من إيجاب وقبول وما يقوم مقام التوقيع، إذ
تعد التجارة الإلكترونية التي تعتمد بدورها على الاقتصاد الرقمي في التعامل بالنقد
مقابل السلع والبضائع والخدمات على آلية شاشة الحاسبات الإلكترونية والأجهزة
اللوحية وتطبيقاتها الذكية أساساً لمعاملاتها المعاصرة، عن طريق النقود
الإلكترونية؛ في شكل البطاقات الائتمانية المعتمدة، ثم في شكل العملات
الإلكترونية؛ التي لا تخضع إلى معايير لجهة معينة.
ومع التقدم السريع في
تطبيقات التكنولوجيا لم تعد التكنولوجيا الرقمية الواجهة الأمامية اللامعة
للمؤسسة، فقد تم دمجها في كل جانب من جوانب شركات اليوم.
ويعتمد الاقتصاد الرقمي على
“تأثير شبكات التواصل الاجتماعي”، حيث تتزايد قيمة المنتج أو الخدمة للمستخدم بشكل
كبير مع عدد المستخدمين الآخرين الذين يستخدمون نفس المنتج أو الخدمة. وتسمح هذه
الميزة بتوضيح سبب قدرة هذه الأنظمة الأساسية على اقتراح محتواها بحرية، مع
العملاء من جهة ومطوري البرامج أو المعلنين من جهة أخرى. في السوق حيث تتفاعل
مجموعات متعددة من الأشخاص من خلال منصات كوسطاء، تؤثر قرارات كل مجموعة في نتيجة
المجموعة الأخرى من الأشخاص من خلال عوامل خارجية إيجابية أو سلبية. عندما يقضي
المستخدمون وقتا في الصفحة أو ينقرون على الروابط، فإن هذا يحدث عوامل خارجية
إيجابية للمعلن الذي يعرض لافتة هناك[1].
أولا: مميزات
الاقتصاد الرقمي:
يتسم الاقتصاد الرقمي
بتكنولوجيات كانت غير معروفة وقت ظهوره كمفهوم، ومنها النفاذ إلى الحزمة العريضة
الثابتة بسرعة كبيرة جدا، والحزمة العريضة النقالة، والهواتف الذكية وتطبيقاتها،
والمواقع الشبكية التفاعلية، والشبكات الاجتماعية، والمنصات التشاركية، والحوسبة
السحابية، وإنترنت الأشياء. ويمكن إجمال أهم مميزات الاقتصاد الرقمي فيما يلي:[2]
11-
ركز الاقتصاد الرقمي على الإنسان، وليس على الآلة؛
باعتباره المحرّك الرئيس للثروات والمستخدم الفعلي للتقنيات، وبه يناط تحقيق النمو
الاقتصادي المستدام.
2– مثلت المعلومات الثروة الأساسية التي ميزت الاقتصاد الرقمي باعتبارها
الثروة الفكرية والمحرّك الرئيس له، حتى أصبحت السمة السائدة لهذا العصر بأنه عصر
(الثورة المعلوماتية)، وهذا خلاف ما كان عليه في السابق؛ إذ كانت الأرض هي الأساس
في الاقتصاد الزراعي، ورأس المال هو الأساس في الاقتصاد الصناعي.
3– أصبح رصيد المؤسسة الاقتصادية يعتمد على مخزونها المعلوماتي، الأمر
الذي حتّم عليها ضرورة التحديث المستمر للبيانات والمعلومات أولاً بأول.
4– عدم اقتصار الاقتصاد الرقمي بشكل كلي على الموارد والثروات الطبيعية
والمعادن مثل الاقتصاد التقليدي، إذ يركز الاقتصاد الرقمي على الأمور غير الملموسة
مما يعني أنه يهمين على السلع والخدمات من حيث المخرجات، أما الأصول الرئيسة له
فتتمثل بالأفكار والعلامات التجارية.
5– إمكانية انتقال السلع والبضائع وتسهيل ذلك في ظل تهاوي الحدود والقيود
الاقتصادية التقليدية وما بات يعرف بـ(الاقتصاد اللاحدودي).
6– السرعة في التبادلات والاتصالات والتي تحد بدورها من مظاهر عدم الكفاءة
في الأسواق بسبب سرعة تدفق المعلومات حول الأسعار.
7– يعمل الاقتصاد الرقمي ضمن ما يسمى بالعولمة، التي تمثل ظاهرة ذات أبعاد
سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، إذ تشير ظاهرة العولمة الاقتصادية إلى تزايد
الاعتماد المتبادل بين بلدان العالم من خلال زيادة حجم وتنوع التجارة بين الدول في
السلع والخدمات وتدفق رأس المال والانتشار السريع للتكنولوجيا.
ثانيا: إيجابيات
الاقتصاد الرقمي،
تتجلى إيجابيات الاقتصاد
الرقمي من خلال ما يلي[3]:
11-
تكلفة منخفضة لتنفيذ المعاملات التي تجري من خلال
التعامل بالعملات الإلكترونية، باعتبار غياب الرسوم بشكل كامل عند إجراء المعاملة
بها، أو تحصيل رسوم قليلة جداً؛ مقارنة بالتكلفة الكبيرة لتنفيذ المعاملات المالية
بشبكات التحويل المالية.
2– التقليل من مخاطر الاحتيال والسرقة في معاملات العملة الإلكترونية تعد
ميزة يوفرها الاقتصاد الرقمي؛ لطبيعة الأمان المحكم، لأنه مُؤَمّن من خلال نظامي
تعمية وتشفير كاملين، إذ يمتلك مستخدمو العملة الإلكترونية تحكماً إلكترونياً
كاملاً في معاملاتهم؛ يمنع فرض رسوم عليهم غير معلن عنها مسبقاً.
3– يتيح الاقتصاد الرقمي ميزة الإفصاح والحياد والشفافية للمعلومات الخاصة
بمعاملات العملة الرقمية، والتي تكون متاحة بسلسلة من الأقفال الإلكترونية
(البلوكات) لمن يستخدمها ويستوثق منها بشكل لحظي.
4– لا يعتمد الاقتصاد الرقمي في تعاملاته على الأجهزة والمعدات والمصانع،
وإنما يعتمد التعامل مع العقول البشرية بشكل أساس، وإن كانت هذه العقول تعتمد على
نظم الوسبة الدقيقة؛ إلا أنها متوقفة على تحكم الإنسان نفسه.
5– القنوات المفتوحة أمام المستهلك على مدار الساعة، وعدم التقيد بوقت فتح
المتاجر وإغلاقها، وقربها وبعدها، وما يترتب على ذلك من عوائق وجود مواقف السيارات
وتأمين المواصلات، وما شابه ذلك.
6– تحسين خدمة العملاء وتسهيل عمليات الدفع وتولي توصيل المنتج من قبل جهة
البيع.
7– تتـنوع الخيارات أمام المستهلك من خلال تنوع صور ومنافذ البيع بما فيها
المزايدات الإلكترونية.
8– رأس المال أقل بسبب تخفيض عدد المحلات والموظفين واختصار الاتصال عن
طريق الإنترنت بدلاً عن الهاتف الأعلى تكلفة.
9– فتح المجال أمام الأسواق العالمية بتكاليف قليلة، وعدم الاقتصار على
السلع المتواجدة في الأسواق المحلية.
10– زيادة العائد على استثمارات أصحاب الأسهم والملاك.
11– قطع الطريق أمام المحتكرين الذين يسعون إلى فرض تعريفات باهظة لتسويق
سلعهم والخدمات التي يقدمونها.
ثالثا: فوائد
الاقتصاد الرقمي:
إذا كان الاقتصاد التقليدي
في العصر الصناعي هو اقتصاد الحركة البسيطة؛ ووسيلته هي السكك الحديدية والطائرات
والسفن والسيارات والبريد التقليدي، فإن الاقتصاد الرقمي هو اقتصاد الحركة
السريعة، وطريقه الأقمار الصناعية ووسائل التواصل الإلكترونية، وحيث إن التحول من
الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد الرقمي أوجد تحدياً أمام إدارة مؤسسات الأعمال في
ظل الاقتصاد التقليدي؛ كان التحدي الذي يواجه المؤسسات هو كيفية إدارة (الندرة) في
الموارد الاقتصادية (الأموال، المعدات، واليد العاملة) والتي تتناقص كلما زاد
استعمالها. أما في ظل الاقتصاد الرقمي فقد انتقل التحدي إلى إدارة (الوفرة) حيث
تحول الاهتمام إلى إيجاد الوفرة في المعلومات والمعرفة التي تزداد قيمتها
بالاستخدام، فقد أصبحت المعرفة ورأس المال الفكري أهم مستلزمات الاقتصاد الرقمي.
وقد أسهم التبني الواسع
لتقنيات المعلومات والاتصالاتICT، مع الانخفاض السريع في الأسعار وزيادة أداء
هذه التقنيات، في تطوير أنشطة جديدة في كل من القطاعين الخاص والعام. تسمح هذه
التقنيات الجديدة بالوصول إلى السوق وخفض التكاليف، فهي توفر نافذة من الفرص
لتطوير منتجات وخدمات جديدة لم تكن مطلوبة من قبل.
فهل تتعارض آلية عمل
الاقتصاد الرقمي بتفاصيله الدقيقة؛ التي تقوم بالدرجة الأولى على ظاهرة العمل عن
بعد؛ والتي تتم بين طرفين متباعدين غالباً، والتي تندرج ضمنها مسألة التعامل
بالنقود – بمختلف أشكالها – مقابل السلع والمنتجات والخدمات المقدمة، عبر شبكات
الحوسبة والبرامج التقنية التي تسيرها؛ التي تقوم على استخدام تكنولوجيا الاتصالات
الرقمية من خلال تقنية الإلكترونيات؛ المتمثلة بوجود شبكة المعلومات الدولية.
خاتمة:
من خلال تتبع مفهوم الاقتصاد
الرقمي وخصائصه وواقعه، يتبين الدور الحيوي الذي يقوم به، وحضوره الفاعل؛ الذي بات
يشكل نمطاً مهماً من أنماط التعامل في الحياة المعاصرة، حتى باتت الكثير من
المعاملات تتم من خلاله، وأصبح غيابه يمثل حرجاً كبيراً؛ من حيث التكلفة والجهد
والوقت، على مستوى الأفراد والمؤسسات والدول.
وأختم بتوصية أراها مهمة؛
وهي أنه يجب على المختصين دراسة مثل هذه التغييرات الجوهرية في مفهوم التبادل
الاقتصادي العام، وفق رؤية شرعية تضبط ما يجري من مبادلات سلعية مقابل عملات
نقدية، تختلف أشكالها من آن إلى آخر؛ لاسيما مع ظهور نجم النقود الإلكترونية؛
وتطورها المستمر ولاسيما العملات الرقمية، المعماة منها على وجه الخصوص،
والإشكالات والشبهات والضبابية التي تحوم حولها، فضلاً عن غيرها من المستجدات
الأخرى، إذ لا يخفى الدور الذي يؤديه الاقتصاد
الرقمي وتفوقه على الاقتصاد النمطي؛ في سهولة وسرعة الإجراءات التي يعتمدها.
وأخيرا لابد من التأكيد أن
هذا كله مرهون في الاقتصاد الإسلامي بتحقيق المقاصد الشرعية، فالأمور بمقاصدها؛
التي تضبط حقيقة المعاملات المالية وتقوّمها في الشريعة الإسلامية، والتي تقوم على
اجتناب ثلاثة محاذير؛ أكل المال بالباطل والغرر والربا، والتي على أساسها يكون
النظر في حقيقة امتثال الاقتصاد الرقمي لمعايير الاقتصاد الإسلامي الرئيسة من
عدمه، وتسعى إلى تصحيح معاملاته.
والحمد لله
رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اقرأ المقال الأول: تقديم عـام|سلسلة مقالات الاقتصاد الإسلامي والرقمنة؛
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي
كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
[1] يُنظر: الاقتصاد الرقمي،
د.محمود أحمد عياد صلاح.(الناشر: العلم والإيمان للنشر والتوزيع). الصفحة: 97.
[2] المعلوماتية واقتصاديات
المجتمعات المعاصرة ومواردها البشرية، عبد السلام الدويبي، المجلة الليبية
للمعلومات والتوثيق، العدد الأول 2004م، ص45-47.
[3] التعاقد الإلكتروني عبر
الإنترنت، محمد أمين الرومي. (دار المطبوعات الجامعية، الطبعة الأولى:2004م).
الصفحة:21.
والتجارة في مستقبل الثورة
الرقمية؛ “العرب والتحدي القائم”. مجلة العربي. سنة: 2004م، ص284.
-150x150.jpg)