آخر الأخبار

حاجة الأمة إلى خطاب الأمان، وتشويقهم للقاء الله

شارك المقال على :

حاجة الأمة إلى خطاب الأمان، وتشويقهم للقاء الله

بقلم: الأستاذ بن سالم باهشام

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

(سلسلة خطبة الجمعة)

عباد الله، روى البخاري واللفظ له، ومسلم عن  أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله  ﷺ يقول: (جعل اللهُ الرحمةَ مائةَ جُزءٍ ، فأمسك عنده تسعةً وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرضِ جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزءِ تتراحمُ الخلقُ، حتى ترفعَ الفرُس حافرَها عن ولدِها خشيةَ أن تُصيبَه)، [أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب: جعل الله الرحمة مائة جزء، رقم: (6000)، ومسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه، رقم: (2752)]، وروى مسلم في صحيحه، عن سليك الغطفاني  رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ اللَّهَ خَلَقَ يَومَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقَ ما بيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ، فَجَعَلَ منها في الأرْضِ رَحْمَةً؛ فَبِهَا تَعْطِفُ الوَالِدَةُ علَى وَلَدِهَا، وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا علَى بَعْضٍ، فَإِذَا كانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهذِه الرَّحْمَةِ). [صحيح مسلم( 2753 )].

عباد الله، من خلال هذين الحديثين الصحيحين، يجب أن يكون  انطلاق خطابنا، وأن يكون متصفا بالأمان؛ والتشويق للقاء الله تعالى، بدل التخويف والزجر والتقريع  والتيئيس، وأن ننظر إلى كل مراحل حياة الإنسان مستحضرين رحمة الله بالخلق عموما، وبالإنسان خصوصا، ابتداء من الحياة البطنية التي عاش فيها الإنسان جنينا تحت عين الله تعالى ورعايته، حيث سوى فيها بين أبناء الفقراء والأغنياء، فعاش الكل مدة تسعة أشهر في أمن وأمان، وراحة وهناء، رغم ضيق مساحة الرحم، ثم الحياة الدنيوية التي لم يتركه فيها هملا، بل أرسل له الرسل، وختمهم بالرسول صلى الله عليه وسلم  الذي جعله رحمة للعالمين، وأمده بمنهج الحياة الذي يقيه من كل متقلبات الدنيا،  ووعد أتباعه بالهدى والسعادة، فقال سبحانه في سورة  النحل: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل: 97]، وقال سبحانه في سورة طه: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى، فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ) [طه: 123]، فكانت بالفعل حياة طيبة وسعيدة، رغم متقلباتها، حتى قال أحد العارفين بالله، واسمه الإمام إبراهيم بن أدهم رحمه الله: (لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السرور والنعيم، إذًا لجالدونا عليه بالسيوف).[ حلية الأولياء (7/37)]. بل قال أحد السلف: (مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال محبه الله تعالى، ومعرفته وذكره والأنس به)، وقال آخر:(إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا، حتى أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب).

عباد الله، إن الأمة محتاجة إلى من يربيها على حسن الظن بالله، لا من يخيفها، وحسن الظن بالله من العبادات الجليلة التي ينبغي أن يملأ المؤمن بها قلبه في جميع أحواله، ويستصحبها في حياته كلها: في هدايته، وفي رزقه، وفي صلاح ذريته، وفي إجابة دعائه، وفي مغفرة ذنبه، وفي كل شيء. روى ابن ابي الدنيا أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (والذي لا إله غيره، ما أعطي عبد مؤمن شيئا خيرا من حسن الظن بالله تعالى، والذي لا إله غيره، لا يحسن عبد بالله الظن؛ إلا أعطاه الله عز وجل ظنه، ذلك بأن الخير في يده).

عباد الله، إن الأمة في حاجة إلى من يربيها على حب لقاء الله، بدل تخويفهم، روى البخاري، عَنْ عُبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَه،  قالت عائِشة، أوْ بَعْضُ أزْواجِه: إنَّا لَنَكْرَهُ المَوْت، قال: ليس ذاك، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَه المَوْتُ بُشِّرَ برِضْوان اللَّه وكَرامَتِه، فليسَ شَيءٌ أحَبَّ إلَيْه ممَّا أمامَه، فأحَبَّ لِقاءَ اللَّه، وأَحَبَّ اللَّهُ لِقاءَه، …)،  و روى البخاري، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  (مَنْ أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَه،…).

عباد الله، إن من خطاب الأمان وتشويق المؤمنين للقاء الله، تذكيرهم أن بعد انقضاء أيام المؤمن في الدنيا، في طاعة الله، يتحفه ربه بالموت الذي ينقله من الحياة الطيبة، والسعادة النسبية في الدنيا، إلى السعادة الأبدية المطلقة في الآخرة، بعد أن يوصله إلى الحياة الحقيقية في جنات النعيم ،ولكن ذلك لا يعني استحباب تمني الموت، فالحياة للمؤمن زيادة في الطاعة والإيمان والأجر والثواب، ولكن متى وقع الموت ، فتلك تحفة المؤمن ، روى عبد الله بن المبارك في “الزهد” (17)، وأبو نعيم في “الحلية” (1/136) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : (لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ رَاحَةٌ دُونَ لِقَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ).

عباد الله، إن التركيز على الحديثين المتعلقين برحمة الله تعالى، يَبعَثُ في النُّفوسِ الرَّجاءَ والأملَ في اللهِ، والتَّوبةَ والعَودةَ له سُبحانه وتَعالَى. فعندما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (إنَّ اللهَ خَلقَ يَومَ خَلقَ السَّمواتِ والأرضَ مِائةَ رَحمَةٍ)، في هذا بُشرى للمؤمنينَ والعُصاةِ والمُذنِبين أنْ يَتوبوا ويَعودوا إلى اللهِ، وفي رواية لمسلم: (إن لله -تعالى- مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون.) [أخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه، رقم: (2752).] ، فهذا الحديث إذا نظر إليه الإنسان وعرفه، فإن ذلك يبعث فيه سعة الرجاء، وانتظار رحمة الله  في أموره كلها، فإذا كان العبد مذنبًا فإنه لا يقنط، بل يبادر إلى التوبة، والله غفور رحيم، مهما تعاظمت ذنوبه، وإذا كان العبد في حالة مفارقة الدنيا فينبغي أن يغلِّب جانب الرجاء؛ لأن النبي ﷺ يقول فيما رواه مسلم:  (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه) [أخرجه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت، رقم: (2877)] ، فيتذكر سعة رحمة الله، فيورثه ذلك الرجاء، وهكذا أيضاً إذا أصيب الإنسان بالمرض، أو اسوّدت الدنيا وأظلمت في ناظره، يتذكر أن الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها، فينتظر فرج الله وعافيته، وكذلك إذا نزلت به ضائقة من بلية في ماله، أو في ولده، أو في نفسه، أو غير ذلك، فإنه ينتظر ألطاف الله، فإن الله رحيم، وحينما يقع للإنسان أحيانًا مكروه، قد يكون هذا المكروه شديد الوقع على نفسه، ولكنه إذا تذكر أن الله أرحم به من الوالدة بولدها، فإنه لا يضجر، ولا يتسخط، ولا يتشكك، ولا يعترض على أقدار الله -تبارك وتعالى، ولا يقول: لماذا يا رب؟ وبعض الناس يقول كلامًا لا يليق، حتى إنه يستحضر أن الله حينما ابتلاه، فإنما أراد أن يهلكه، والحقيقة أنه ما ابتلاه إلا ليرفعه، فهو أرحم به، لكن نحن لا ندرك، ولا نرى إلا الشيء القريب العاجل الذي أمامنا ، ولو نظر الإنسان إلى العواقب البعيدة، فإنه يدرك أن  كل ما أصابه هو خير له؛  روى أحمد في المسند، ومسلم في صحيحه، عن أبي يحيى صهيب بن سنان الرومي، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (عَجِبْتُ لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرَهُ كُلَّهُ خيرٌ ، إن أصابَهُ ما يحبُّ، حمدَ اللَّهَ وَكانَ لَهُ خيرٌ ، وإن أصابَهُ ما يَكْرَهُ فصبرَ ، كانَ لَهُ خيرٌ ، وليسَ كلُّ أحدٍ أمرُهُ كلُّهُ خيرٌ إلَّا المؤمنُ).[أخرجه أحمد (23930) مطولاً باختلاف يسير، وأخرجه مسلم (2999) بنحوه]، فحال المؤمن تستدعي العجب؛ وذلك أنه يؤجر في الأحوال كلها، في حال الضراء، وفي حال السراء، ولهذا عمم ﷺ ذلك فقال: “ إن أمره كله”، يعني: في جميع الحالات، أي: أن المؤمن يدور بين هذا وهذا، فهو مأجور، والله تعالى الرحيم يدبّره، ويقيض له من الأسباب التي يحصل له فيها رفع الدرجات، ومغفرة الذنوب، وتكثير الحسنات، فكلما ازداد الإنسان نعمة كلما ازداد عبودية وشكراً لله -تبارك وتعالى. والعبد قد يكون له مرتبة عند الله عالية، فيسوق له أمرًا يكرهه من البلاء؛ ليرفعه إلى تلك الدرجة، روى الترمذي، والبيهقي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ – رضي الله عنهما – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -: (يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ، لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ) [رواه الترمذي (ح 2402)، رواه البيهقي (ح 6345)]، من أجل أن يحصِّلوا هذه الأجور العالية.

عباد الله، إن النبي ﷺ أخبرنا عن عواقب الأمور بالنسبة لأهل الإيمان، فالإنسان يستحضر هذا المعنى، وأن الله أرحم به من نفسه بنفسه، ومن والدته به، فيثق بالله تعالى. لهذا علينا أن نستحضر  رحمة الله في كل مراحل حياتنا الأربع كلها: البطنية والدنيوية والبرزخية والأخروية، والتي تبدأ  من ظهر الأب، إلى بطن الأم  مدة تسعة أشهر، حيث تكون تحت الإشراف الرباني مباشرة، إذ يستوي فيها أبناء الفقراء وأبناء الأغنياء فكلهم يعيشون في أمن وأمان وسلامة واطمئنان،  ومن بطن الأم  إلى ظهر الأرض وهي الحياة الدنيوية، فمن اتبع منهاج الله اهتدى وسعد، ومن ظهر الأرض إلى بطن الأرض وهي الحياة البرزخية وهنا ينتقل العبد من الجزء الواحد على المائة من الرحمة، إلى التسع والتسعين رحمة، لأن القبر هو أول منزلة من منازل يوم القيامة، حيث يعيش العبد في روضة من رياض الجنة، مستأنسا بعمله الصالح، روى أحمد في مسنده، عن البراء بن عازب رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (… إِنَّ العبدَ المؤْمن إذا كان في انْقِطَاعٍ من الدُّنْيَا، وإِقْبالٍ من الْآخِرَةِ، نزل إليه من السَّمَاءِ ملائكةٌ بِيضُ الوجُوهِ، كأَنَّ وجوهَهُمُ الشمسُ، معهُمْ كفنٌ من أكْفَانِ الجنَّةِ، وحَنُوطٌ من حَنُوطِ الجَنَّةِ ، حتى يَجْلِسُوا منه مَدَّ البَصَرِ ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ حتى يَجلِسَ عندَ رأسِه فيَقولُ : أيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إلى مغْفِرةٍ من اللَّهِ ورِضْوَانٍ، فتخْرُجُ تَسِيلُ كما تسِيلُ القَطْرَةُ من فِي السِّقَاءِ، فيَأْخذُها، فإذا أخَذَها، لم يَدَعُوها في يَدِه طَرْفَةَ عَيْنٍ، حتى يَأْخُذُوها فيَجْعَلُوهَا في ذلكَ الكَفَنِ وفي ذلكَ الحَنُوطِ ، فيَخْرُجُ منها كأَطيَبِ نَفْخَةِ مِسْكٍ، وُجِدَتْ على وجْهِ الأرضِ، فيَصْعَدُونَ بِها فلا يمُرُّونَ بها على مَلَكٍ من الملائِكَةِ، إلَّا قالُوا: ما هذا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فيقولُونَ : فُلَانُ بنُ فُلَانٍ بأَحْسَنِ أسمائِه التي كانُوا يُسَمُّونَه بها في الدُّنْيَا – حتى ينْتَهُوا بها إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحون له فَيُفْتَحُ له ، فيُشَيِّعُهُ من كلِّ سماءٍ مُقَرَّبُوها إلى السماءِ التِي تلِيها، حتى يُنتَهَى إلى السماءِ السابِعةِ ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ : اكْتُبُوا كِتابَ عبدِي في علِّيِّينَ، وأَعِيدُوا عَبدِي إلى الأرضِ ، فإِنِّي مِنها خَلَقتُهم ، وفِيها أُعِيدُهُم، ومِنها أُخْرِجُهم تارةً أُخْرَى . فتُعادُ رُوحُه، فيَأتِيهِ مَلَكانِ، فيُجْلِسانِه، فيَقولانِ له: مَن ربُّكَ؟ فيقولُ: رَبِّيَ اللهُ، فيَقولانِ له: ما دِينُكَ؟ فيَقولُ: دِينِيَ الإِسلامُ، فيَقولانِ له: ما هذا الرجلُ الذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فيَقولُ: هو رسولُ اللهِ، فيَقولانِ له: ومَا عِلْمُكَ؟ فيَقولُ: قَرأتُ كِتابَ اللهِ فآمَنتُ به وصَدَّقْتُ، فيُنادِي مُنادٍ من السماءِ أنْ صَدَقَ عَبدِي، فَأفْرِشُوه من الجنةِ، وألْبِسُوهُ من الجنةِ، وافْتَحُوا له بابًا إلى الجنةِ، فيَأتِيهِ من رَوْحِها وطِيبِها، ويُفسحُ له في قَبرِهِ مَدَّ بَصرِهِ، ويَأتِيهِ رَجلٌ حَسَنُ الوَجهِ، حَسنُ الثِّيابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فيَقولُ: أبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هذا يَومُكَ الذي كُنتَ تُوعَدُ، فيقولُ لهُ: مَن أنتَ؟ فوجْهُكَ الوَجْهُ يَجِيءُ بِالخيرِ، فيَقولُ: أنَا عَملُك الصالِحُ، فيَقولُ: رَبِّ أقِمِ السَّاعَةَ، حتى أرجع إلى أهلي وما لي…) [مسند أحمد، مسند الكوفيين، حديث البراء بن عازب، حديث رقم(18614) :]، وينتقل بعدها من بطن الأرض إلى يوم العرض، حيث الحياة الأخروية السرمدية.

عباد الله، إن خطاب الأمان، يتطلب منا أن نرى في كل محطة من هذه المحطات الأربع: الحياة البطنية، والحياة الدنيوية، والحياة البرزخية، والحياة الأخروية، رحمة الله الواسعة، وفي النهاية حط الرحال.

 

عباد الله، إن يوم القيامة ليس مرعبا كما يتخيل البعض، ولكنه سيكون يوما رائعاً وجميلاً لمن سار على العهد، وعمل لذلك اليوم، قال تعالى في سورة الأنبياء: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) [الأنبياء: 103]، سيكون يوم القيامة يوماً رائعاً وجميلا، ‏عندما تُبعث، وترى الملائكة في انتظارك تتلقاك، قال تعالى في سورة الأنبياء: (وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) [الأنبياء: 103]، سيكون يوم القيامة يوماً رائعاً عندما تطلقها صرخة في العالمين من الفرح، فتقول: (هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) [الحاقة: 19]، سيكون يوم القيامة يوماً سعيداً ورائعا، عندما تنظر خلفك وترى ذريتك تتبعك لمشاركتك فرحتك، قال تعالى في سورة الطور: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) [الطور: 21]، سيكون يوم القيامة يوماً في غاية الروعة، وأنت تمشي ولأول مرة في زمرة المرضي عنهم، ويتقدمك النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى في سورة التحريم: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التحريم: 8] ، سيكون يوم القيامة يوماً جميلاً جداً ، عندما تكون ضيفاً مرغوباً أنت وأهلك، وتسمع نداءً خاصا يقول لك: ادخل، قال تعالى في سورة الزخرف: (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ، وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [الزخرف: 68 – 71]

عباد الله، إن العبد ساعتها لن يكون قادراً  على إخفاء نضارة وجهه السعيد، عندما يكون رفيقك هناك هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وموسى وعيسى ونوح وإبراهيم وسائر الأنبياء والمرسلين عليهم السلام والصديقين والشهداء والصالحين، قال تعالى في سورة النساء: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) [النساء: 69]، هنالك ستتذكر ما تلوته هنا في الدنيا من كتاب الله من سورة القصص: (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) [القصص: 61].

عباد الله، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق: 37]، فاستعدوا بكل فرح واستبشار وتفاؤل لحياة سرمدية، رزقنا الله وإياكم ووالدينا جميعاً وكل من له حق علينا وذرياتنا وأحبابنا والمسلمين الفردوس الأعلى برفقة حبيبنا محمد ﷺ آمين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

بن سالم باهشام
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان