دفاع عمر الفاروق عن جانب التَّوحيد ومحاربة الزَّيغ والبدع
بقلم: الدكتور علي محمد الصلابي
لما كان من مقاصد قيام الدَّولة الإِسلاميَّة حراسة الدِّين، فإِنَّ من أهمِّ ما قام به الفاروق القيام بهذا المقصد، وهو حفظ أصل الدِّين بحمل النَّاس على العقيدة الصحيحة الصَّافية؛ الَّتي تركهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحارب شبهات الزَّائغين، وردَّ كيد أعداء الدِّين؛ الَّذين يروِّجون للعقائد المنحرفة، والخرافات المنكرة؛ الَّتي زيَّنها لهم الشَّيطان، فظنُّوا: أنَّهم يحسنون صنعاً، وإِليك بعض المواقف الَّتي تشهد للفاروق في حمايته لجانب التَّوحيد، ومحاربته للزَّيغ:
ـ عروس النِّيل:
أرسل عمرو بن العاص إِلى الفاروق ـ رضي الله عنهما ـ يخبره عن عادة أهل مصر في رمي فتاةٍ في النِّيل كلَّ عامٍ، وقالوا له: أيُّها الأمير لنيلنا هذا سنَّةٌ لا يجري إِلا بها. قال: وما ذاك؟ قالوا: إِذا كانت اثنتا عشرة ليلةً خلت من هذا الشَّهر عمدنا إِلى جاريةٍ بكرٍ من أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحُلِيِّ، والثِّياب أفضل ما يكون، ثُمَّ ألقيناها في هذا النِّيل، فقال لهم عمرو: إِنَّ هذا ممَّا لا يكون في الإِسلام، إِنَّ الإِسلام يهدم ما قبله، فأقاموا فترةً، والنِّيل لا يجري قليلاً، ولا كثيراً، حتّى هموا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطَّاب بذلك، فكتب إِليه: إِنَّك قد أصبت بالَّذي فعلت، وإِنِّي قد بعثت إِليك بطاقةً داخل كتابي، فألقها في النِّيل، فلمّا قدم كتابه؛ أخذ عمرو البطاقة فإِذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إِلى نيل أهل مصر، أمَّا بعد: فإِن كنت إِنَّما تجري من قِبَلِكَ، ومن أمرك؛ فلا تجرِ فلا حاجة لنا فيك، وإِن كنت إِنَّما تجري بأمر الله الواحد القهَّار، وهو الَّذي يُجريك، فنسأل الله تعالى أن يجريك، قال: فألقى البطاقة في النِّيل فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النِّيل ستة عشر ذراعاً في ليلةٍ واحدةٍ، وقطع الله هذه السُّنَّة السَّيِّئة عن أهل مصر إِلى اليوم.(إلهي،1999، ص15)
فقد بيَّن الفاروق معاني التَّوحيد في البطاقة، وأنَّ النِّيل إِنَّما يجري بمشيئة الله، وقدرته سبحانه وتعالى، وكشف للنَّاس زيف معتقدهم الفاسد الَّذي تغلغل في النُّفوس، وكان بتصرفه الحكيم قد نسف هذا المعتقد من نفوس المصريِّين.(الدهلوي،2000، ج1، ص309)
ـ إنَّك حجرٌ لا تنفعُ، ولا تضرُّ:
عن عابس بن ربيعة، عن عمر ـ رضي الله عنه ـ: أنَّه جاء إِلى الحجر الأسود، فقبَّله، فقال: إِنِّي أعلم أنَّك حجرٌ لا تضرُّ، ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقبِّلك ما قبَّلتُك. إِنَّه الاتِّباع في أحسن صوره، وأجمل معانيه، قال ابن حجر: قال الطَّبريُّ: إِنَّما قال ذلك عمر؛ لأنَّ النَّاس كانوا حديثي عهدٍ بعبادة الأصنام، فخشي أن يظنَّ الجهّال أنَّ استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار، كما كانت العرب تفعل في الجاهليَّة، فأراد عمر أن يعلِّم النَّاس: أن استلامه اتِّباعٌ لفعل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
ثمَّ قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ: وفي قول عمر هذا التَّسليمُ للشَّارع في أمور الدِّين، وحسنُ الاتِّباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدةٌ عظيمةٌ في اتِّباع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيما يفعله، ولو لم يعلم الحكمة فيه، وهذا الخُلُق ـ وهو اتِّباع السُّنَّة، والحرص عليها ـ من أخلاق النَّصر في جيل الصَّحابة ـ رضي الله عنهم ـ فقد علموا بأنَّه لا بدَّ من اتِّباع السُّنَّة كي يَحْبُوهم الله بالنَّصر والتأييد.(المصري،1999،ج1، ص161)
ـ قطع شجرة الرِّضوان:
أخرج ابن سعد بإسنادٍ صحيحٍ عن نافع: أنَّ عمر بلغه أنَّ قوماً يأتون الشَّجرة ـ شجرة الرِّضوان ـ فيصلُّون عندها، فتوعَّدهم، ثمَّ أمر بقطعها، فَقُطِعَتْ.
فهذا موقفٌ لأمير المؤمنين ـ رضي الله عنه ـ في حماية التَّوحيد، والقضاء على موارد الفتن، حيث قام أولئك التَّابعون بعملٍ لم يعمله الصَّحابة ـ رضي الله عنهم ـ فهو أمرٌ مبتدعٌ، وقد يؤدِّي بعد ذلك إِلى عبادةٍ، وأمر بها فَقُطِعَتْ.(نوح،1994، ص23)
ـ قبر دانيال:
لمَّا ظهر قبر دانيال بتستر؛ كتب فيه أبو موسى إِلى عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه ـ فكتب إِليه عمر: إِذا كان بالنَّهار؛ فاحفر ثلاثة عشر قبراً، ثمَّ ادفنه باللَّيل في واحدٍ منها، وعفِّر قبره لئلا يفتتن به النَّاس.(الحميدي،1998،ج19، ص260)
ـ أتريدون أن تتَّخذوا اثار أنبيائكم مساجد ؟
ثبت بالإِسناد الصَّحيح عن عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه ـ: أنَّه كان في السَّفر، فرأى قوماً ينتابون مكاناً يصلُّون فيه، فقال: ما هذا؟ قالوا: مكان صلَّى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: إِنَّما هلك من كان قبلكم بهذا، إِنَّهم اتخذوا اثار أنبيائهم مساجد. من أدركته الصلاة فليصل، وإلا فليمض.
هذه بعض مواقف الفاروق الَّتي ترشدنا إِلى حمايته لجانب التَّوحيد، ومحاربته للبدع، فقد فهم التَّوحيد؛ الَّذي أرشد إِليه الإِسلام وعرفه، وعمل به، وحرص على محو كلِّ أثرٍ من اثار الوثنيَّة في النُّفوس، والقلوب، وأقام صرح التَّوحيد في أعماق الكينونة البشريَّة، لقد عمل الفاروق على تعميق حقيقة الإِيمان في المجتمع الإِسلاميِّ بكلِّ معانيه، وبكلِّ أركانه، ومحاربة الشِّرك بكلِّ أشكاله، وأنواعه، وخفاياه، ومحاربة البدع، والاقتداء برسول الله في أقواله، وأفعاله صلى الله عليه وسلم، فهذه الأصول تدخل ضمن فقه التَّمكين؛ الذي فهمه الفاروق، وعاش به في دنيا النَّاس.
مراجع البحث:
علي محمد الصلابي، عمر ابن الخطاب، شخصيته وعصره، دار ابن كثير، 1424ه-2003صص185-189
منهل إِلهي، الحسبة في العصر النَّبوي، وعصر الخلفاء الرَّاشدين، الطَّبعة الثَّالثة 1420 هـ 1999 م.
محمَّد الدَّهلوي، السُّلطة التَّنفيذيَّة، دار المعراج الدَّوليَّة الرِّياض، الطَّبعة الأولى 1412 هـ 2000 م.
محمود المصري، أصحاب الرَّسول صلى الله عليه وسلم، مكتبة أبي حذيفة السَّلفي، الطَّبعة الأولى 1420 ـ 1999 م.
السَّيِّد محمَّد نوح، من أخلاق النَّصر في جيل الصَّحابة، دار ابن حزم، الطَّبعة الأولى 1415 هـ 1994
عبد العزيز عبد الله الحميدي، التَّاريخ الإِسلامي مواقف وعبر، دار الدَّعوة، الإِسكندريَّة، دار الأندلس الخضراء، جدَّة، الطَّبعة الأولى 1418 هـ 1998 م.
-150x150.jpg)