قضاء وقدر _ 2
الشيخ . محمد الغزالي
إن الشخص المتشائم ينكص أمام التخيلات التي تنعقد سحائبها من نفسه.
وما دام ضعف الإيمان يسيطر عليه، فهو سيفترض النحس مقبلًا عليه من أندر نسبة للشر يمكن أن تقع، ولن تقر نفوس هؤلاء إلا إذا خالطها محض الإيمان بالله والتسليم له، والرضا بما يقدره.
وتقبل أسوأ الفروض على أنها قضاء الله الذي لا مفر منه.
وذاك ما يوصي به الإسلام؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه".
ومثل هذا الشعور يريح من عناء كثير، ويزيح همومًا ثقيلة، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله له".
ويجب أن نؤكد مرة أخرى أن دائرة الاستكانة والتسليم تبدأ بما يغلب الإرادة المعتادة، وبما يخرج عن نطاق الاختيار الحر. فلا احتجاج بقدر، ولا مكان للقول به حيث تستطيع أن تفعل وأن تترك.
أما بعد أن تبلغ بإرادتك مداها، فدع الأمور لمدبرها الأعلى، ينتهي بها حيث يشاء، دون نزق أو قلق.
والغريب أن بعض المؤمنين يستحمق ويلوذ بالسكون والتجرد، أو بالقعود والتماوت باسم التعويل على الله، وإسلام القياد له.
وهذا جنون وكفران، لا عقل وإيمان. ويمثل هؤلاء قول الشاعر:
والسعي للرزق والأرزاق قد قسمت .. بغي، ألا إن بغي المرء يصرعه
هذا كلام فارغ!! وشأن الناس مع الله عجيب!! ذاك تاجر أمريكي يؤرقه السهد، لأنه من خوفه على رزقه يتوجس أن ينهار جسر تحت بضاعته، فلا تصل إلى عملائه، وهذا شاعر عربي يريد أن يغط في نوم عميق، وألا يتجشم مؤنة سعي، لأن الأرزاق مقسومة!!
والحقيقة في التوسط بين الطرفين المتنافرين، فنؤدي العمل المطلوب، وننفي الريب عن أفئدتنا بعد أن أدينا ما علينا، مستريحين لما يصنع الله بنا، وهو لن يصنع إلا الخير.
إن أحاديث القدر علاج للقلق والتشاؤم، وليست ذريعة كسل أو خمول. ومراقبة الأقدار القاهرة خارج نطاق إرادتنا الحرة، وملاحظة صنع الله فيما تفد به من حلو ومر؛ وخير وشر، يضبط العواطف، ويجنبها الحدة والغلواء.
ولذلك ترى أولي الألباب والتجارب معتدلين في فرحهم وحزنهم، وسرورهم ونفورهم. وقد يصل هذا الاعتدال إلى حد البرود، وقلة الاكتراث، ومقابلة المباهج والمصائب بشعور محايد، وفي ذلك يقول أبو العلاء:
غير مجد في ملتي واعتقادي .. نوح باك ولا ترنم شادي
وشبيه صوت النعي إذا قيس .. بصوت البشير في كل ناد
أبكت تلكم الحمامة أم غنت .. على فرع غصنها المياد
ويقول المتنبي:
ألا لا أري الأقدار مدحًا ولا ذمًا .. فما بطشها جهلًا ولا كفها حلمًا
والهدف الذي يريد هؤلاء الوصول إليه، وإن اختلف تصويرهم له، أو ندت عبارتهم عنه، هو الذي عنته الآية الكريمة: ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) [الحديد: 22-23].
وليس القصد مصادرة الطبع الإنساني في إحساسه بالألم والسرور. وإنما القصد منع الاستغراق المذهل، فإن للفرحة الطاغية نشوة تخرج عن الصواب، وللحزن الجاثم وطأة تسحق الإرادة.
والمؤمن الذي يبصر عمل الله في كل ما يمسه، لا يتخبط بين هذه الانفعالات، فيرفعه هذا إلى القمة، ويخفضه ذلك إلى الحضيض.
إنه يلوذ بالاعتدال، ويسيطر على أعصابه، وتلك بعض ثمرات الإيمان بالقدر.
إن الرجل الضعيف قد يفزعه المصاب، ويشتت أفكاره، فبدلًا من أن يختصر متاعبه بمجابهة الواقع والاستعداد لقبوله، يسترسل مع الأحزان التي تضاعف كآبته، ولا تغير شيئًا، وانظر إلى ابن الرومي لما فقد ابنه كيف يقول:
وأولادنا مثل الجوارح أيها .. فقدناه كان الفاجع البين الفقد!!
هل السمع بعد العين يغني مكانها؟ أو العين بعد السمع تهدي كما يهدي!!
ثم يستبد الجزع بالرجل المكلوم، فتنهار أعصابه، ويرسل هذه الصرخة المجنونة:
وما سرني أن بعته بثوابه .. ولو أنه التخليد في جنة الخلد!!
ما قيمة هذا الإعوال والتمرد؟ وما أثره في العاجل والآجل؟ لا شيء إلا الحسرة.
أما موقف اليقين الناضج والتسليم الكريم، فتراه مثلًا في سيرة يعقوب عليه السلام لما جاءه بنوه وهم يتباكون على فقد يوسف الذي أكله الذئب –كما يخبرون-. لقد قال الرجل الذي غاب عنه ابنه: ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) [يوسف: 18].
وانتظر الرجل أن يؤوب الغائب المتردد بين الموت والحياة، وطال الانتظار دون جدوى. ومرت السنون على الشيخ الآمل في الغيب، وإذا هو بدل أن يعود ابنه المرتقب يفقد ابنه الآخر، وينكأ الجرح القديم جرح جديد!!.
ماذا يصنع! أينفس عن جواه بالصراخ والجزع؟ لا، إنه يقول مرة أخرى: ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) [يوسف: 83].. إن القنوط لم يصدمه فينشج بقول الشاعر:
وحملت زفرات الضحى فأطقتها .. وما لي بزفرات العشي يدان
كلا! لقد تحمل المأساة الأخيرة بالعاطفة نفسها التي تحمل بها الأولى، وظل على تشبثه برحمة الله، يرمق الغد، وفي فؤاده شعاع من رجاء، لم تطفئه الأحداث، وقال لأبنائه: (اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُّوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) [يوسف: 87].
من هذا السلوك العالي نلتمس الأسوة الحسنة، ونتعلم الثبات في وجه العواصف القاسية.
وما عساك تفعل إذا أصابك ما تكره؟ إن كان تغيير المكروه في مقدورك فالصبر عليه بلادة، والرضا به حمق.
أما إذا كان ما عراك فوق ما تطيق، فهل هناك حيلة أفضل من الاتزان ورباطة الجأش؟!
وهل هناك مسلك أرشد من الاعتراف بالواقع، ونشدان تغييره من صاحب الإرادة العليا، وواهب الخير الجزيل؟! أن وخزات الأحداث قد تكون إيقاظًا للإيمان الغافي، ورجعة بالإنسان إلى الله.
وهذه النتيجة تحول الداء دواء، والمحنة منحة، وتلك لا ريب أشهى ثمرات اليقين والرضا بما يصنعه رب العالمين. وهي ثمرة أحلى مما يذكره (ديل كارنيجي) عوضًا عن الإيمان بالقضاء والقدر، إن الرجل يطلب من المصاب أن يتبلد أمام الأنواء، كما تتبلد قطعان الجاموس وجذوع الأشجار!! وهو معذور فيما يصف، لأنه لم يقع على الدواء الذي بين أيدينا، ولنسمع له يقول: "رفضت ذات مرة أن أقبل أمرًا محتمًا واجهني، وكنت أحمق، فاعترضت وثرت وغضبت وحولت لياليَّ إلى جحيم من الأرق، وبعد عام من العذاب النفساني امتثلت لهذا الأمر الحتم، الذي كنت أعلم من البداية أنه لا سبيل إلى تغييره.
وما كان أخلقني أن أردد مع الشاعر (والت هويتمان) قوله:
ما أجمل أن أواجه الظلام والأنواء والجوع!
والمصائب والمآسي واللوم والتقريع!
كما يواجهها الحيوان، وتواجهها من الأشجار الجذوع!
ولقد أمضيت اثني عشر عامًا من حياتي مع الماشية، فلم أر بقرة تبتئس لأن المرعى يحترق، أو لأنه جف لقلة الأمطار، أو لأن صديقها الثور راح يغازل بقرة أخرى.
إن الحيوان يواجه الظلام والعواصف والمجاعات هادئًا ساكنًا، ولهذا قل ما يصاب بانهيار عصبي أو قرحة في المعدة!!".
ذلك هو العلاج الحيواني الذي يقترحه لمكافحة الأزمات!! وتلك هي الآثار المادية التي ينتظرها من ورائه!!. ونحن المسلمين لا نرى في هذا التبلد المطلوب مثلًا أعلى لشفاء الإنسان مما يصيبه من أحزان.
_جدد حياتك