أكاديمية يهودية تكتب عن مواقف الريسوني
ما يقوله الشيخ أحمد الريسوني عن اتفاقيات السلام مع إسرائيل
نيسيا روبنشتاين شيمر (Nesya. R. Shemer)
قسم دراسات الشرق الأوسط، جامعة بار إيلان ، رمات غان ، إسرائيل.
مجلة “Israel Affairs” 26 أكتوبر 2021.
ترجمة وتعليق: الحاج محمد الناسك، باحث في التاريخ
مقدمة المترجم:
كاتبة هذه الدارسة، أستاذة في قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة بار إيلان. تركز أبحاثها على الشريعة الإسلامية الكلاسيكية والعلاقات بين الإسلام واليهودية. ولها دراستان عن الشيخ يوسف القرضاوي، الأولى بعنوان: "رأي القرضاوي في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني". (Qaradawi’s view on the israeli-Palestinian conflict) نشرتها في 2016. والثانية نشرت في 2017 وهي بعنوان: "الشيخ يوسف القرضاوي: معاد للصهيونية أو معاد للسامية" ((Sheikh Yusuf al-Qaraḍawi: Anti-Zionist or Anti-Semite، وفي 2018 أصدرت بالاشتراك مع شاؤول بارتال (Shaul Bartal) كتابا عن الشيخ يوسف بعنوان: "حماس والإيديولوجيا، ما يقوله الشيخ يوسف القرضاوي عن اليهود والصهيونية وإسرائيل"(Hamas and Ideology Sheikh Yusuf al-Qaradawi on the Jews, Zionism and Israel )
سيجد القارئ ملاحظاتي وتعليقاتي ضمن هوامش الدراسة وقد ميزتها بنجمة(*)، وتتعلق بأخطاء في المعلومات، وعدم أمانة في النقل من أعمال الشيخ الريسوني عن القضية الفلسطينية، وأحياناً إخراج الاقتباس عن سياقه.
ملخص
يعرض هذا المقال موقف الشيخ الدكتور أحمد الريسوني، العالم المغربي الذي يشغل حاليا منصب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسملين، من اليهود واليهودية ودولة إسرائيل. ينافش المقال أحكام الريسوني الشرعية بشأن التطبيع واتفاقية السلام مع إسرائيل، وكذلك رأيه الشرعي البراغماتي في المسلمين الذين يعيشون في إسرائيل. وهذا يتنافض مع الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الشيخ يوسف القرضاوي.
*********
في نوفمبر 2018، تقاعد الشيخ يوسف القرضاوي من قيادة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي كان قد أسسه في دبلن بأيرلندا عام 2004. وسُمي نائبه الشيخ الدكتور أحمد الريسوني خلفًا له[1]. يسعى الاتحاد الذي يضم علماء من جميع أنحاء العالم، إلى الحفاظ على الهوية الثقافية لمجتمع المؤمنين العالمي (أمة) وتلبية احتياجاتها. التنظيم هو أيضا سلطة قضائية للأمة، نوع من "الخلافة الافتراضية". ويضم علماء من جميع المذاهب الإسلامية – السنة والشيعة والصوفية والسلفية. تمتلك المنظمة موقعًا نشطًا على شبكة الإنترنت، تنشر فيه بانتظام الأخبار والمقالات والفتاوى والبيانات في شأن مختلف القضايا.[2] وللمنظمة فروع في العديد من البلدان وتتعاون مع المنظمات الإسلامية الكبيرة، مثل المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث [3]. يتمتع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين باهتمام إعلامي واسع بفضل شهرة القرضاوي ونشاطه الواسع في وسائل الإعلام، لكون المنظمة تجاهر بمواقفها من الأحداث المتعلقة بالأمة، وكذلك لأنها إطار دولي واسع من علماء المسلمين[4]– يبلغ أعضاؤها حاليا نحو 90.000.[5]
بينما كُتبت دراسات كثيرة عن القرضاوي،[6] خاصةً عن موقفه من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني،[7] لم ينجز على ما أعتقد أي بحث أكاديمي عن الريسوني،[8] (*) على الرغم من أنه كتب العديد من الكتب والمقالات عن مقاصد الشريعة ومواضيع أخرى.[9] وقد كتب الريسوني عدة مقالات عن اليهود والصهيونية وإسرائيل، وأصدر فتاوى شرعية مثيرة للجدل بشأن الاعتراف بإسرائيل كيانا شرعيا في الشرق الأوسط. يحاول هذا المقال تصنيف أقوال الريسوني وتحديد وجهة نظره في ما يتعلق باليهود والصهيونية وإسرائيل.
بعد عرض موجز لوجهة نظر الريسوني العامة في اليهود والمحرقة (هامش: الهولوكست) والصهيونية، سوف يستعرض المقال ثلاث فتاوى نشرها عن التطبيع والسلام مع إسرائيل. في أولاها، كُتبت في 2006، قال الريسوني إن بإمكان حماس أن تبرم السلام مع إسرائيل مقابل دولة فلسطينية. وتتناول الفتوى الثانية الصادرة في 2019 مسألتين: يجوز للمسلمين زيارة الأقصى. وينبغي أن يشارك المسلمون الذين يعيشون في إسرائيل في انتخابات الكنيست (هذان الأمران حرمهما القرضاوي). أما الفتوى الثالثة في سبتمبر 2020 فهي رفض شامل لاتفاقيات السلام الإسرائيلية مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين.
سيتم تناول عدد من الأسئلة. هل موقف الريسوني من إسرائيل معتدل بالمقارنة مع موقف أستاذه ومعلمه القرضاوي الذي سبقه في رئاسة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين؟ هل تمثل فتويا عامي 2006 و 2019 تحولا جوهرياً (Paradigm shift) (*) تجاه إسرائيل وقبولاً بإمكانية اعتراف الدول المسلمة بها والتصالح معها؟ إذا كان الأمر كذلك فكيف نفهم أحدث فتوى؟ وسيقال إن أحكام الريسوني الفقهية المعتدلة لا تدل على أي تغيير في رأيه القائل إن إسرائيل كيان غير شرعي وقد صدرت لخدمة أغراض تكتيكية. كما سيتم الدفع بأن براغماتية الريسوني فيما يتعلق بالمسلمين الذين يعيشون في إسرائيل مستمدة من رؤيته المختلفة للإرث الأيديولوجي لمؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا.
الشيخ أحمد الريسوني سيرة علمية مختصرة
الشيخ الدكتور أحمد الريسوني فقيه الدين الإسلامي ولد في المغرب عام 1953. شغل من عام 1996 إلى عام 2003 منصب رئيس حركة التوحيد والإصلاح، وهي حركة اجتماعية تابعة لحزب العدالة والتنمية الإسلامي.(*) و كان عضوا في المجلس التنفيذي للمنتدى العالمي لعلماء المسلمين (جزء من رابطة العالم الإسلامي)، والأمين العام لجمعية خريجي الدراسات الإسلامية، ورئيس جمعية المستقبل الإسلامي في المغرب (1994 – 96) ، ورئيس تحرير يومية "التجديد" (2000-2004). [10] عمل الريسوني بين عامي 1986 و2006 في وزارة العدل المغربية،(*) ودرّس في التعليم الثانوي، وكان محاضرًا في مصادر التشريع الإسلامي ومقاصد الشريعة الإسلامية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، وكان خبيرا أول في الفقه الإسلامي في مجمع الفقه الإسلامي بجدة. شارك الريسوني في تأسيس وإدارة العديد من الجمعيات العلمية والثقافية وأشرف على أطروحات في مقاصد الشريعة. في عام 2004 كان من بين الأعضاء المؤسسين للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وأصبح رئيسًا له منذ نوفمبر 2018.
الريسوني حاصل على بكالوريوس في الشريعة، وماجستير من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ودكتوراه في النظام القانوني الإسلامي،(*) حصل عليها عام 1992.[11] وحاليا يدرّس في قطر والمغرب وماليزيا وأماكن أخرى(*). في يناير 2020، عينته حكومة ماليزيا في "هيئتها العالمية لإنفاذ سياسة الحكومة وفقًا للشريعة الإسلامية ومقاصدها." [12](*) الريسوني نشط جداً في وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت. ينشر مقالات في موقعه الإلكتروني[13] وفي موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين[14] وله صفحة في فايسبوك[15]وحساب في تويتر.[16]
الريسوني معروف في جميع أنحاء العالم الإسلامي بأبحاثه عن الفقيه الأندلسي المالكي أبو إسحاق الشاطبي، أبي نظرية المقاصد. يرى الريسوني في مقالاته عن القضايا الشرعية الحديثة وفي كتاباته عن مبدأ الشورى، أن العملية الديمقراطية متوافقة مع الشريعة الإسلامية. والمبادئ الشرعية كما شرحها الشاطبي[17]. يدرس كتابه عن الشاطبي[18] فلسفة الشاطبي ويقدم نظرية شاملة عن مقاصد الشريعة الإسلامية.
إن توضيح المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية والعلل الكامنة وراء الأحكام الشرعية ساعدت العلماء على تقليص الفجوة بين المسلمين وطريقة حياتهم والنص القرآني. أحيانًا تكون هذه المقاصد مذكورة صراحة في القرآن والسنة، وأحيانًا يُستدل عليها من خلال دراسة النصوص وتفسيرها بشكل مستقل. يؤكد هؤلاء العلماء أن لكل حكم ديني مقصداً ووظيفة، وهي تلبية احتياجات الإنسان. في هذا السياق، يجب أن يعبر الحكم الفقهي الراسخ عن فهم دقيق للزمان والمكان والفرد ويأخذ مآلاته في الاعتبار.
يحل منهج المقاصد أي تناقضات بين نص القرآن والسنة من جهة ومصالح المجتمع والفرد من جهة أخرى. يعارض الشيخ الريسوني، مثل غيره من الباحثين في "التيار الوسطي" (الوسطية)، التفسير الصارم والحرفي ويدفع بالقول إن النص القرآني لا يمكن أبدًا أن يتعارض مع الاعتبارات العقلانية أو يضر بالفرد والمجتمع: الصراع الحقيقي هو بين "المصلحة العامة"[19] والتفسير الحرفي والمتزمت للنص. إذا كان يوجد مثل هذا التناقض، فهو ناجم عن عجز عن فهم إما المصلحة وإما النص. ولمعالجة النص بشكل صحيح، على المرء أن يفترض أن هدف الشريعة هو خدمة مصالح جماعة المؤمنين (الأمة). يرفض هذا النهج فكرة أن النص والمصلحة العامة يمكن أن يكونا متناقضين، أو أنه لا توجد علاقة بين النص والمصالح، وبناء على ذلك، يمكن للمرء أن يعتمد تفسيرا جامدا للنص.[20]
وجهة نظر الريسوني في اليهود
قال الريسوني في محاضرة نظمتها حركة التوحيد والإصلاح في الرباط بعد انتخابه نائباً لرئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، في ديسمبر 2013، إن على المسلمين أن يمدوا أيديهم إلى أتباع الأديان الأخرى ويطبعوا علاقاتهم معهم، مثل المسيحيين واليهودي، وغيرهم، ومع الدول الأخرى، لكنه استبعد البلدان التي تخوض حربًا مع المسلمين، مثل إسرائيل.[21] بمعنى آخر، يرى الريسوني اليهود شركاء شرعيين وجديرين بالحوار. لكنه يميز بين اليهودية والصهيونية ويعترض على تعريف الشعب اليهودي على أنه أمة ذات حقوق إقليمية. إن إسرائيل، كونها في حالة حرب مع الفلسطينيين، ليست كياناً سياسياً شرعياً. وتعليقاً على زيارة قام بها موسيقيون مغاربة إلى إسرائيل في مارس/ آذار 2016، وأكدوا علاقاتهم مع الجالية اليهودية المغربية في إسرائيل، وبخ الريسوني اليهود على مغادرة المغرب واتخاذهم إسرائيل وطنا لهم. إنهم خونة ومجرمون شاركوا في الجرائم الصهيونية في حق الفلسطينيين وخانوا شعب المغرب المتضامن مع الفلسطينيين. واليهود الذين يستحقون الاحترام والتقدير في نظره هم الذين بقوا في وطنهم أو عادوا إليه.[22]
ناقش الريسوني في مقال نُشر في 2015 بعنوان: "حق العودة للفلسطينيين وواجبنا تجاهه"، وضع اللاجئين الفلسطينيين وحياتهم خارج وطنهم وقال إن العدوان الإسرائيلي الحالي عليهم ليس بالأمر الجديد في تاريخ شعب إسرائيل. واستشهد بآيات من سورة آل عمران تتحدث عن خيانة بني إسرائيل عهدهم مع الله والإنذار الموجه إليهم:
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ).(القرآن 2: 84-85)
يستشهد الريسوني بتفسير الطبري بأن قبائل بني إسرائيل في المدينة (*) كانت تقاتل بعضها بعضا، وأن المنتصرين في المعارك طردوا المنهزمين من ديارهم. وهكذا، فإن عادة طرد المهزومين ليست بدعة ولكنها متأصلة تاريخيًا في بني إسرائيل. وهم في هذا يشبهون كفار مكة، الذين فر منهم الرسول محمد والمسلمون مرتين – الأولى، الهجرة طوعا إلى إثيوبيا، ثم إخراجهم إلى المدينة المنورة. لقد أذن الله للمسلمين أن يقاوموا الأعداء الذين طردوهم: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا…الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ)، (القرآن 22: 39-40؛ لتراجع أيضا 60: 8 – 9).[23]
في هذا المقال، لا يميز الريسوني بين بني إسرائيل القرآن، واليهود عبر التاريخ، والإسرائيليين المعاصرين؛ ففي رأيه ، كلهم مرتبطون في سلسلة غير منقطعة ولهم السمات الوراثية ذاتها. يمكن إرجاع الجريمة الإسرائيلية المعاصرة المتمثلة في طرد الفلسطينيين إلى عمليات الطرد التي قام بها بنو إسرائيل القرآن ويهود المدينة المنورة.
إن الخلط بين اليهودية والصهيونية مألوف في الكتابات الإسلامية عن اليهود أو إسرائيل، ويهدف إلى تبسيط القضية للقراء المسلمين، الذين هم على دراية جيدة باليهود من الروايات القرآنية. وفي هذا المقام يتبنى الريسوني موقف الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الشيخ القرضاوي، الذي تزخر كتاباته عن اليهود وإسرائيل بأفكار معادية لليهود وتخلط اليهود بالصهاينة.[24]
توافق آراء الريسوني في هذا المقال السياسة الرسمية للمنظمة التي يرأسها؛ أي دعم نضال الفلسطينيين لتحرير وطنهم ومعارضة التطبيع مع إسرائيل. وينتهي بإعلان أن البضائع الإسرائيلية مسروقة من الفلسطينيين، يحرم استيرادها أو بيعها أو شراؤها ، فمن واجب كل مسلم الوقوف إلى جانب الفلسطينيين ودعمهم في كفاحهم. وفيما يتعلق بحق العودة، يؤكد أنه لا يتقادم وأنه يجب دعم الفلسطينيين حتى يتمكنوا من العودة إلى ديارهم.[25]
زار البابا فرنسيس المغرب في 2019، بهدف تحسين العلاقات بين المسيحيين وبين المسلمين في المغرب. وخلال الزيارة، وقع الملك محمد والبابا بياناً مشتركًا عن الوضع الروحي الخاص للقدس باعتبارها مدينة سلام وأكدا على حق أتباع الديانات السماوية الثلاث في التمتع بالوصول الكامل إلى المدينة وممارسة شعائرهم الدينية بحرية هناك. لقد عدّ القصر الملكي المغربي والكرسي الرسولي الإعلان نجاحًا، لكنه انتقد من طرف العديد من الشخصيات الدينية المغربية، وكان الريسوني أبرزها.[26]
موقف الريسوني من الهولوكوست
في مايو 2019، نشر موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مقالًا بقلم الريسوني بعنوان "لماذا يجب التشكيك في الهولوكست؟" كتب أنه بينما نشأ على الاعتقاد بأن ملايين اليهود قد اضطُهدوا وقُتّلوا خلال الحرب العالمية الثانية، أصبح الموضوع من المحرمات التي لا يمكن التعرض لها، ويحميها نظام من الضغط والترهيب. قاده هذا النظام إلى الشك في هذه الحقائق وهو يعتقد الآن أنه يجب دراسة الموضوع دون خوف أو تردد. وأن الصهاينة يروجون للموضوع ويستخدمونه لفرض رقابة على الفكر. فكل من يحاول دراسة الموضوع والتشكيك فيه يتعرض للضغط وحتى للعقوبات القانونية. واحتج الريسوني على تعرض المؤرخين والعلماء الذين يروجون لمواقف تخرج عن الرواية الصهيونية للاضطهاد، بل وحتى يسحبون إلى المحاكم ويحاكمون. وشدد على أن لكل شخص الحق في الشك والتفكير والتعبير عن نفسه، وشجب الاتفاق العام (الإجماع) على أنه لا ينبغي أن يكون إكراه في الدين بينما يجوز أن يكون إكراه بشأن تفاصيل أحداث تاريخية.[27]
في يناير 2020، قام وفد من الشخصيات الدينية الإسلامية من رابطة العالم الإسلامي،[28] بقيادة السعودي الشيخ محمد عبد الكريم العيسى، بزيارة معسكر اعتقال أوشفيتز في الذكرى 75 لتحريره. وأثناء وجود الشيخ العيسى مع أعضاء الوفد الآخرين هناك صلّى وقال: "أعتقد أنه من خلال الإعراب عن احترامي لضحايا أوشفيتز، سأشجع المسلمين وغير المسلمين على تبني الاحترام المتبادل والتفاهم والتنوع".[29]
بعد الزيارة، نشر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إعلانًا يدين كل مظاهر الظلم تجاه الشعوب والأفراد، بغض النظر عن دينهم، بينما يدين أيضًا استغلال الصهاينة لمأساة اليهود. وهاجمت المنظمة ما سمّته "العرض الإعلامي" (*) أمام رموز الصهيونية (في إشارة إلى الصلاة الإسلامية التي أقامها الوفد أمام نصب أوشفيتز التذكاري)، ورأت في ذلك محاولة لتبرير جرائم إسرائيل في حق الفلسطينيين. وخطوة نحو التطبيع مع إسرائيل.[30]
توسع الريسوني في الاستخدام المفترض لمعاداة اليهود في خدمة الصهيونية في مقال كتبه في 2003 ونشره في موقعه على الإنترنت في مايو 2019. في "معاداة السامية في صيغتها الجديدة"، أشار إلى تهم معاداة اليهود الموجهة إلى رئيس وزراء ماليزيا لمهاجمته السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، واستنكر موقف العناصر اليهودية والغربية من الإسلام والمسلمين. ودفع الريسوني بالقول إن الاتهامات بمعاداة اليهود هي سلاح يستهدف حرية التفكير و حرية التعبير وحتى حرية البحث العلمي والتحقيق التاريخي. لقد أصبح اليهود مؤثرين ومتميزين ويتمتعون بمكانة خاصة، ليس في الغرب فحسب ولكن أيضًا في الدول العربية. وأحيانا يكون لهم من الامتيازات ومن الحماية ومن الأمن ما ليس لغيرهم من من الفئات الدينية الأخرى.(*) ويتلقون التعويضات الاقتصادية. (*) وتصر الحركة الصهيونية على الحفاظ على وضع يخدم مصالحها، لكن الضحايا الحقيقيين لمعاداة اليهود هم العرب والمسلمون وكل من له مظهر شرق أوسطي. ويرى الريسوني أن معاداة اليهود اليوم تعني معارضة رموز الإسلام بدلاً من معاداة اليهود، وإنه يجب خوض نضال من أجل عالم خالٍ من معاداة اليهود وعالم خالٍ من العنصرية والكراهية لخدمة الإسلام والمسلمين.[31] (*)
الاعتراف بإسرائيل والتطبيع
ذكر الريسوني في مقابلة عام 2012 أن التطبيع مسألة حياة أو موت للصهاينة لعلمهم أنهم جزيرة محاصرة في بحر من الرفض والعداء وعدم الاعتراف وأنه لا شيء أكثر إذلالا لإسرائيل من رفض الدول العربية لرغبتها في التطبيع، وأنه بدون التطبيع ستموت إسرائيل في النهاية. وأضاف أنه على الرغم من الاهتمام الإسرائيلي بالتطبيع الذي تجسده زيارات رفيعة المستوى لوزراء إسرائيليين لدول عربية، لا يوجد دعم لهذا في العالم العربي إلا في الأوساط الرسمية. واختتم المقابلة بالقول إن "التطبيع لم ينجح ولن ينجح أبدًا، لا في المغرب ولا في أي بلد عربي آخر"[32] (فيما يتعلق بالاتفاقيات الأخيرة بين إسرائيل ودول الخليج، انظر أدناه).
في عام 2014، غرد الريسوني قائلاً: "هذه الكارثة الرهيبة لا يمكن أن تنتهي قبل زوال ما يسمى إسرائيل – الأمر الذي قد يستغرق عقودًا".[33]
وقال في مقالة أُخرى إن دعم العرب والمسلمين للفلسطينيين، في ضوء عقود من المعاناة غير كاف. وهذا الوضع يتطلب "نفَسَاً جهادياً طويل الأمد” وأنواعا مختلفة من الدعم – معنوي ومالي وبشري.[34]
في تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، بعد انتخاب الريسوني رئيساً للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أرسل إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحماس التهاني والتقدير للمنظمة لدعمها القضية الفلسطينية.(*) وكتب الريسوني في رده شاكرا هنية مشيرا إلى دعم الاتحاد وتقديره الكامل لجهاده ودفاعه القوي عن الشعب الفلسطيني وحقه المشروع في "تحرير كل وطنه وإقامة دولة عاصمتها القدس". وشدد على التزام المنظمة بالقضية الفلسطينية التي تتصدر أجندتها، ومعارضتها الحازمة للتطبيع، أي قبول العدو.[35].(*)
بعد الإعلان عن "صفقة القرن" لدونالد ترامب للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين في يناير 2020، رفضها الريسوني ووصفها بأنها خطوة من طرف واحد. لم يعلن الفلسطينيون والعرب أنفسهم شركاء في "هذا المشروع غير المشروع"، إذن لا وجود لـ "صفقة". وزاد أن قائدا مملوءا حقدا على المسلمين والإسلام ورأسه مملوء بتعاليم التوراة والتلمود بالتنسيق مع إخوانه الصهاينة يستهدف المزيد من الظلم الذي ارتكب بالفعل.[36]
وعلى الرغم من موقف الريسوني من القضية الفلسطينية، فقد أدلى بعدة تصريحات مثيرة للجدل نُظر إليها على أنها تدعو إلى التطبيع مع إسرائيل وقبولها كيانا شرعيا في المنطقة. ففي آب / أغسطس 2019، أصدر ملخصًا لفتوى كان على وشك نشرها أجاز فيها لمسلمين غير فلسطينيين زيارة القدس والمسجد الأقصى، واعتذر للفلسطينيين.[37] تتناقض هذه الفتوى مع فتوى كان قد أصدرها القرضاوي سابقاً تُحَرِّمُ على المسلمين زيارة الأقصى، على اعتبار أن مثل هذه الزيارات تشكل اعترافًا بسيادة إسرائيل على الموقع.[38] وأكد الريسوني أن ليس كل زيارة إلى القدس تنطوي على تطبيع مع إسرائيل وأنه يوجد فرق بين الاستجابة لدعوة إسرائيلية للزيارة والزيارة من أجل نصرة الفلسطينيين والوقوف إلى جانبهم في الأقصى. ودعا الفلسطينيين من مواطني إسرائيل (فلسطينيي 1948) إلى التصويت في انتخابات الكنيست. وهذه ليست مسألة مسموح بها أو ممنوعة ولكنها مسألة سياسية، والفلسطينيون يعرفون أن لديهم مصلحة في المشاركة في النظام السياسي الإسرائيلي. وقد بنى الريسوني حجته على حاجة الفلسطينيين للتأثير على مجرى الأحداث وضمان حقوقهم.[39] وفي مقابلة أجريت بعد الملخص والاعتذار علنا، أعرب عن دعمه للجهود الفلسطينية للتأثير في الشؤون العامة بدلاً من مقاطعة الانتخابات ونهج سياسة "الكرسي الفارغ".[40]
أثار ترخيص الريسوني للمسلمين بزيارة إسرائيل ردود فعل سلبية بسبب موقعه "رمزاً بارزاً للحركة الإسلامية"، حيث كان قد عارض في السابق جميع زيارات القدس طالما بقيت تحت السيطرة الإسرائيلية. وعُدت تصريحاته "صدعًا شديدًا في جبهة المقاومة لزيارات الأراضي الفلسطينية المحتلة" وغير منسجمة مع احتياجات الفلسطينيين أو حماس. وأكد النقاد أن الخسائر التي تترتب على مثل هذه الزيارات ستفوق الفوائد، وأن أي شخص يحج إلى المسجد الأقصى سيخضع للتدقيق الإسرائيلي بشأن من يمكنه ومن لا يمكنه دخول البلاد. إن هذه الزيارات لن تفيد الفلسطينيين، بل ستعزز سمعة إسرائيل، وتدعم قطاع السياحة، لديها وتعزز الاحتلال والاعتراف الدولي بها.[41]
وعدّت فتوى الريسوني خروجاً عن الإجماع الذي حدده القرضاوي. وقال المعلقون إن الدافع وراء ذلك هو "طلب" التماشي مع التأييد القطري للتطبيع مع إسرائيل باعتباره وسيلة للحصول على حظوة عند الولايات المتحدة الأمريكية وهو يشكل اعترافًا بشرعية إسرائيل .[42]
بعد فتوى الريسوني، أكد الاتحاد أنه طالما لم ينشر بيان الريسوني بشأن زيارة القدس في موقع المنظمة، فإن هذا البيان إنما يعبر عن رأي شخصي للريسوني ولا يمثل سياسة الاتحاد. كما أعلن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن موقفه بشأن حظر زيارة القدس لا يزال ساريًا وأن القرضاوي وعلماء مسلمين آخرين قد حظروا بشكل قاطع التصويت في الانتخابات الإسرائيلية.[43](*)
وقال مروان أبو راس، رئيس رابطة علماء فلسطين التابعة لحماس ، إن فتوى الريسوني يجب أن تدرس بعمق وأنه يحترم رأي الشيخ. لكنه شدد على أن علماء دين بارزين مثل القرضاوي وعلي القرة داغي، الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، عارضوا هذه الفتوى، فضلا عن أن رابطة علماء فلسطين أكدت أن زيارة الأقصى تساوي التطبيع.[44]
وأفاد ناقد آخر، وهو الصحفي الفلسطيني منير شفيق، أن الريسوني أخبره في مقابلة قبل وقت قصير من إصدار البيان المثير للجدل، أنه "يفضل قطع رأسه على أن يطلب تأشيرة من سفارة صهيونية". ومن هنا لم يُعْرَفُ سببُ موافقته الآن على طلب الإذن من "أولئك الذين سرقوا فلسطين"، وهو يعلم جيدًا أن هذا يعني التقدم بطلب للحصول على تأشيرة من سفارة إسرائيلية، والخضوع للتفتيش على الحدود، وما إلى ذلك. وقال شفيق إن المرء لا يستطيع أن يشير إلى الغرض والمقصد فحسب، كما فعل الريسوني، بل يتعين عليه كذلك اعتبار عواقبه وآثاره، التي تمثل اعترافاً بسيادة إسرائيل.[45](*)
لقد أيد بعض المسلمين الريسوني. فأكد مقال ضيف نُشر في موقع الريسوني على الإنترنت على تفانيه في القضية الفلسطينية ومعارضته القاطعة للتطبيع، بما في ذلك رفضه السابق للمشاركة في مؤتمر حول التطبيع حضره علماء يهود ومسلمون.(*) كما أشار الكاتب إلى خطاب الدعم الذي أرسله الريسوني إلى هنية ومعارضته القاطعة لأي شكل من أشكال التطبيع. وساند الكاتب موقف الريسوني على أساس أن الزيارات إلى القدس توفر للفلسطينيين دعمًا اقتصاديًا ومعنويًا، وبالنتيجة لا يمكن اعتبارها تطبيعًا مع إسرائيل.[46]
وقد لقي بيان الريسوني ترحيبا حاراً من الفرع الجنوبي للحركة الإسلامية في إسرائيل. فقد كتب إبراهيم صرصور، رئيسها السابق، مقالاً يدعم مقاربة الريسوني للقضايا العربية والإسلامية. وقال إن تصريح الريسوني شجعه هو وآخرين في الحركة الإسلامية.(*) لقد كان الشيخ شجاعًا وثوريًا، ولم يتبع خط أي نظام ولم يلتزم بالرأي العام، بل التزم بالشريعة وشروطها. وفي حين أن وجهة نظر الريسوني كانت غير نمطية، كما قال صرصور، فإنها لم تَحِدْ عن مبدأ مقاصد الشريعة، الذي يسعى إلى إيجاد حل لأي قضية تواجه المسلمين أفرادا ومجتمعا، في أي وقت. وكتب صرصور أن موقف الريسوني يناسب روح العصر ولديه القدرة على حل القضايا في العالم الإسلامي والمنطقة العربية. ووجهة نظر الريسوني الشرعية وفهمه للمقاصد فيما يتعلق بوضع الأمة (الإسلامية) وأوضاع الأقليات العربية والمسلمة مناسبة للظروف التي يعيشون فيها.(*) وقال صرصور إن وضع الفلسطينيين كان حافزا لفتوى الريسوني، التي سعى فيها إلى إيجاد حل لوضع إشكالي.[47] (*)
هل تستطيع حماس إحلال سلام مع إسرائيل؟
ما فتئ الريسوني يثير الجدل في شأن المشكلة الفلسطينية منذ عام 2006، عندما دعا حماس إلى التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل. في مقال مطول نُشر في موقع الجزيرة ، "قضية فلسطين اليوم: وجهة نظر فقهية – سياسية"،[48] عرض الريسوني آراءه حول إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل. وقد كتبت هذه المقالة بعد فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، الذي كرس موجة جديدة من الدعم المتحمس للقضية الفلسطينية بين العناصر الإسلامية.[49]
وبدأ الريسوني المقال بوصف صورة إسرائيل في العالم الإسلامي(*) باعتبارها قوة استعمارية احتلت أراضي الفلسطينيين، وهم السكان الأصليون،(*) وتعرضهم باستمرار لعمليات القتل والطرد والتعذيب. ومن وجهة نظر إسلامية، قال الريسوني إنه يجب إزالة إسرائيل، ويجب معاقبة المسؤولين عن الجرائم ضد الفلسطينيين، ويجب تعويض الفلسطينيين عن معاناتهم. فالقضية الفلسطينية لا تتقادم وحقهم في الأرض أبدي. ورغم أن زوال إسرائيل لا يبدو واقعيا (*) في الوقت الراهن، فلا شك في أنها ستموت إن الأمة الإسلامية برمتها، وليس الفلسطينيين وحدهم، ملزمة بأن تشن الحرب على إسرائيل. ولا يمكن للمرء أن يتوقع، كما كتب الريسوني، أن حماس سوف تواجه إسرائيل بمفردها. إن الدول العربية، بقواتها العسكرية القوية، لم تفعل ما يكفي لمحاربة إسرائيل، في حين يضع الفلسطينيون كل ما لديهم في المقاومة. ولا يمكن لحماس أن تهزم إسرائيل بدون مساعدة. (*) صحيح أن الفلسطينيين هم الطليعة في الحرب ضد إسرائيل، ولكن الدول العربية ليس بوسعها أن ترسلهم إلى القتال بمفردهم: فهذا أمر غير أخلاقي.(*) وكما يقول القرآن: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا".[50]
وأشار الريسوني إلى أن أحمد ياسين، مؤسس حماس، نادى بهدنة مع إسرائيل، كانت لا تزال سارية (حتى كتابة هذا التقرير). وإذا كان الأمر كذلك، تساءل الريسوني لماذا يمنع أن تتحول الهدنة إلى اتفاقية سلام بشرط الاعتراف بحقوق الفلسطينيين.(*) إن مثل هذا الاتفاق سوف يقوم على أساس القبول المؤقت للطرفين بجميع قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بفلسطين، وسيمكنهما من العيش جنبًا إلى جنب. إذا قبلت إسرائيل مثل هذا الاتفاق، فسيحصل الفلسطينيون على دولة. (*) وإذا رفضت إسرائيل، وهذا ما يعتقده الكثيرون، فسيكسب الفلسطينيون الرأي العام السياسي والعالمي؛ لأن إسرائيل سيُنظر إليها على أنها الطرف المعرقل. لقد أدرك الريسوني أن هذه الحجة ستثير اعتراضات في العالم الإسلامي، خاصة وأن الاعتراف بإسرائيل يعني التنازل عن أجزاء من فلسطين الكبرى وأن كثير من الفتاوى تحرم التنازل حتى عن شبر واحد من أرض فلسطين. إن مثل هذا الاتفاق من شأنه أن يقيد أيدي الأجيال القادمة ويمنعها من القتال واسترجاع فلسطين عندما تكون قادرة على ذلك.[51]
من المؤكد أن الريسوني كان على علم بالفتوى التي أصدرها معلمه ومرشده القرضاوي بشأن الاعتراف بإسرائيل. يعد القرضاوي أحد كبار علماء الدين في العالم الإسلامي اليوم، وهو يدعو إلى موقف صلب لا يتزعزع من إسرائيل، على عكس موقف العلماء السعوديين مثل الشيخ ابن باز أو خلفه المفتي العام الحالي للمملكة العربية السعودية عبد العزيز بن. عبد الله آل الشيخ، الذي سمح بتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل. رفض القرضاوي موقفهم رفضا مطلقا وذلك في سلسلة من الفتاوى التي أصدرها.[52] لقد عارض كليا اتفاقيات أوسلو في التسعينيات؛ لأن توقيع الاتفاقيات مع إسرائيل هو بمنزلة اعتراف.[53]
وفي برنامجه على تلفزيون الجزيرة، سئل القرضاوي: "ما حكم الشريعة في الاعتراف بإسرائيل؟" فأجاب بأن "الاعتراف بإسرائيل يعني الاعتراف بأن إسرائيل هي صاحبة السيادة – وفقا للشريعة والقانون المدني على حد سواء – على الأرض التي سرقتها من المسلمين. [إذا اعترفنا بها] نفقد حقنا في المطالبة بعودتها. فهل هذا مقبول شرعا؟ والشيء الوحيد الذي أجيزه، وأسمح به، حتى يحصل المسلمون على حقهم، هو طريق المقاومة ".[54]
وردًا على سيل الاعتراضات على بيانه المؤيد لإبرام اتفاق سلام، نشر الريسوني الحجج التي تستند إليها فتواه. وقال أولاً إن الفقه الإسلامي يعرّف وضع الفلسطينيين بأنه حالة ضرورة ، وهي حالة ذات ضرورة قصوى إلى حد الخطر على الحياة. في مثل هذه الظروف، يُسمح بانتهاك المحظورات من أجل إنقاذ الأرواح: "الضرورة تبيح المحظورات" هي أحد مبادئ الشريعة.[55] في المستقبل المنظور، الاحتياجات الفورية تفوق المحظورات. أما المفتون الذين أطلقوا فتاوى تحرم تجاهل حق الإسلام في فلسطين، فينبغي على المرء أن يناقشها مع زعماء العالم العربي والإسلامي الذين أهملوا الأمر – وليس الفلسطينيين. ( هذا ما قاله الشيخ الريسوني : "إن فتاوى تحريم وتجريم كل تفريط أو تسليم أو تعامل مع العدو يجب أن توجه اليوم إلى حكام العرب والمسلمين") وكتب، إن رخصي تنطبق على الشعب الفلسطيني فحسب الذي يعاني، وليس على المسلمين في الدول العربية غير المنكوبة.[56]
استشهد الريسوني بقصة من سيرة النبي محمد (ص): في عام 627 م، باعتبارها سابقة لفتواه، لما حاصرت قبيلة قريش مع حلفائها المدينة المنورة.(*) وسعياً لرفع الحصار، تفاوض محمد مع إحدى القبائل المتحالفة، غطفان، واقترح عليهم الانسحاب مقابل ثلث محصول المدينة المنورة من التمر. لكن هذه الاستراتيجية لم تكن ناجحة، ( قال: "لم تنفذ") فقد فهم الريسوني من عرض النبي (ص) أنه في وقت الحاجة يمكن للمرء أن يتفاوض ويعقد اتفاقات مع العدو. كما استشهد الريسوني بفتاوى تنص على أنه يجوز للشخص أن يعطي لقطاع الطرق(*) بعضًا من ماله من أجل إنقاذ وممتلكاته. والمبدأ الذي تقوم عليه هاتان السابقتان هو أنه يجوز في أوقات الضرورة التنازل عن جزء من الكل لإنقاذ الباقي. أخيرًا، قال الريسوني إن أهم شيء هو إنشاء سابقة دولية من شأنها تغيير الوضع على الأرض (*) إذا تمكنت الأجيال القادمة من استعادة كل فلسطين، فلن يكون عليها أي التزام بالتمسك بالاتفاقية التي تم توقيعها في ظروف الإكراه والضرورة. المسلمون غير ملزمين باحترام اتفاقية موقعة بالإكراه.[57]
نشر علي القرة داغي، الأمين العام الحالي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، نقدًا لمقال الريسوني، وقال إنه لا يمكن دعوة حماس للقيام بما فعله ياسر عرفات، في محاولته أن يكون واقعياً وبرغماتيا، مما أدى إلى عدم حصوله على أي شيء. في المقابل قوّى إسرائيل فحسب وألحق الأذى بالفلسطينيين. وزاد أنه يجب الإطاحة بحماس إذا اختارت المصالحة مع إسرائيل. إن مثل هذا الاتفاق يتطلب تنازلات مؤلمة دون مقابل؛ المصالحة تعني التخلي عن الجهاد. وقد أظهرت التجربة أن طريق المقاومة الذي تتبعه حماس وغيرها من الحركات هو الخيار الوحيد الممكن. ولدعم حججه، أشار القرة داغي إلى العديد من الفتاوى التي توضح إجماع علماء المسلمين واسع النطاق على تحريم التنازل حتى عن شبر واحد من فلسطين.[58]
مفهوم الريسوني للدين والدولة مفتاحان لفهم فتاواه بشأن إسرائيل
يكمن مفتاح براغماتية الريسوني بشأن إمكانية العيش بسلام مع إسرائيل وكيف يختلف عن القرضاوي في مفهومه الأوسع للعلاقة بين الإسلام والدولة. إن ضرورة قيام دولة إسلامية هي حجر الزاوية في عقيدة الإخوان المسلمين كما صاغها الأبوان المؤسسان للحركة حسن البنا.(*) تم تنفيذ هذا الأنموذج في العديد من البلدان، مثل نظام الإخوان المسلمين في السودان، وطالبان في أفغانستان، وحكومة الإخوان المسلمين قصيرة العمر في مصر. لكن استيلاء الحركات الإسلامية على السلطة كان له أيضًا العديد من النتائج السلبية، بما في ذلك الاستبداد والقمع والفساد وانتهاكات حقوق الإنسان. إن هذه الظواهر، كما كتب الريسوني، أدت بالعديد من مفكري الإخوان المسلمين البارزين إلى إعادة النظر في الأولوية المعطاة لتأسيس دولة إسلامية .[59] وفي رأيه، الإخوان المسلمون غارقون في الجمود وعليهم أن يتحرروا من أفكار البنا.[60]
في "مستقبل الإسلام: بين الشعوب والحكام ”، يشير الريسوني إلى الصلة بين الإسلام والدولة، إلى فكرة أن وضع الإسلام يعتمد على الدولة والتزامها بالإسلام، وإلى الاعتقاد بأن الخلافة الإسلامية، أو الدولة هي التجسيد الأمثل للإسلام ويجب تحقيقها بأي ثمن. ويقول إن المصادر الأصلية للإسلام لا تقضي بإقامة دولة، وهي ليست أكثر من وسيلة للوفاء بالواجبات الدينية: "الدولة والخلافة وسيلة وليست غاية. الدولة ليست واجباً في حد ذاتها ولكنها واجب لغيرها". [61]
الدولة هي وسيلة لتحقيق غايات أخرى، الغاية الأولى والأهم هي الحفاظ على جماعة المؤمنين (الأمة). الغرض من وجود الدولة هو الدفاع عن حياة الإنسان وكرامته. وقد أظهرت التجربة أن الدولة الإسلامية ليست بالضرورة دولة أفضل. فقد تضر مواطنيها وتقيّد حريتهم. وفي كتاب "الأمة هي الأصل"، أوضح الريسوني أن الحاجة الأساس هي إصلاح المجتمع. إذا لم توجد حرية تعبير، فإن حقيقة أن الدولة بالتعريف "إسلامية" لا معنى لها. عندما تقمع الدولة مواطنيها وتستغلهم لتحقيق أهدافها الخاصة، فإن الأمر يكون أشبه بِ "أَمَةٍ تَلِدُ رَبَّتَها".[62] ويعتقد الريسوني أن من الممكن للمسلمين(*) التأثير في المجتمع دون الاستيلاء على السلطة وإقامة دولة، وذلك من خلال تغيير أفكار الناس.[63]
كما تتجلى فكرة الدولة باعتبارها وسيلة وليست غاية في إشارة الريسوني إلى الدول الإسلامية التي أقامتها في الماضي الخلافة والأسر الإسلامية. وهو يدفع بالقول إن الفترة الماضية لا يمكن إحياؤها وإدراكها اليوم. فقد كانت الخلافة بالفعل أنموذجًا لدولة المسلمين، لكن الظروف اليوم مختلفة تمامًا. اليوم، يجب تطبيق مبادئ الاجتهاد