آخر الأخبار

المجتمعات الإسلامية بين الولاة والقضاة

شارك المقال على :

المجتمعات الإسلامية بين الولاة والقضاة

بقلم: أ. د. أحمد الريسوني

من أهم ما يلزمنا للخروج من الانحطاط ، أو لبدء الخروج منه ، أن نحدد بوضوح لا لبس فيه أسبابه ومولداته ، حتى لا تبقى الجناية والشكاية مسجلة ضد مجهول ، أو ضد مشتبه بهم ، لا ندري أيهم الجاني وأيهم المجني عليه ؟ وكذلك يلزمنا – بنفس الدرجة من الوضوح – تحديد مسالك الارتقاء والتقدم ، ومسالك الانفكاك من الانحطاط والتخلف ، حتى لا نسير في طريق مسدود ، أو في طريق يجلب عكس ما نريد ، وحتى لا يصيبنا شيء من { الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} الكهف/104.

وقد ذكرت من قبل أن الفساد السياسي والانحطاط السياسي ، هو رائد حركة الانحطاط في التاريخ الإسلامي.

واليوم أتحدث عن ولاية أخرى من الولايات العامة ، له شأن أيُّ شأن ولها وزن أيُّ وزن. إنها ولاية القضاء.

وأنا أتناولها أولا ، لأجل ما لها من شأن ووزن ، سواء في الارتقاء أو في الانحطاط . وأتناولها ثانيا ، لأن الحركة الإسلامية المعاصرة لا توليها أي شأن ولا أي وزن . فلقد بذلتِ الحركات الإسلامية جهودا مضنية ، قدمت فيها النفائس والنفوس ، لأجل إصلاح الولاة وولاياتهم ، وأحيانا لأجل مزاحمتهم أو إزاحتهم . وقصصُ ذلك طويلة عريضة شهيرة . ولكن القضاء ظل منسيا وخارجا عن اهتماماتها وأولوياتها . ويكفي نعْتُه بأنه لا يحكم بما أنزل الله ، ثم يطوى الموضوع وينتهي… (الولاة والقضاة) ، هم عماد الدولة ، وعماد الحياة العامة ، في المجتمعات الإسلامية عبر التاريخ . ورغم أن الطائفتين كانتا دائما متلازمتين ، تشكلان وجهين لدولة واحدة ، فإن بينهما مفارقات كبيرة ومطَّردة ، في معظم الدول المتعاقبة عبر التاريخ الإسلامي.

.1  لقد شكل الولاة والأمراء من وقت مبكر ، ثم على نطاق واسع ، طليعة الفساد والانحراف ، كما رأينا من قبل . بينما ظل القضاة رمزا للاستقامة والوقار والرفعة .

.2  القضاء عادة لا يمكن أن يتصدى له إلا خيرة العلماء الفقهاء ، بل عامة فقهاء المذاهب ينصون على أن القاضي لابد أن يكون عالما مجتهدا ، بينما الولاة والأمراء كانوا يتولون مناصبهم بالوراثة والثروة ، أو بالقوة والدهاء ، أو بالغلبة والكفاءة القتالية

.3  الولاة والأمراء عُرفوا بتسابقهم وتصارعهم وقتالهم لأجل الوصول إلى الحكم ولأجل البقاء فيه والمحافظة عليه ، بينما عُرف القضاة بشدة فرارهم من منصب القضاء ورفضهم له ، قبل توليه وبعد توليه.

وهناك وقائع لا تكاد تحصى لرفض عدد من العلماء توليَ القضاء ، أو استقالتهم منه بعد مدة من توليه. ولعل السبب في ذلك يكمن في المفارقة الرابعة بين الصنفين، وهي:

.4  الغالب أن الولاة والأمراء ينظرون – كما تقدم – إلى المنصب على أنه غنيمة ومكسب وفوز ، بينما القضاة ،أو مَن يُدْعَون إلى القضاء من العلماء ، كانوا ينظرون إلى المنصب على أنه أمانة خطيرة ومسؤولية جسيمة. كما نرى في هذا النموذج ، ومثله كثير : أمر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بإحضار الفقيه خالد بن أبي عمران ، ليلزمه توليَ القضاء ، فلما جيء به إليه وأمره ، امتنع عليه . فهدده وأغلظ عليه وقال له : أنت عاصٍ ، فَقَالَ لَهُ خالد : إن الله يقول:{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا}، فلم يسَمِّهن عُصاةً حَيْثُ أبين حمل الأمانة، وقال:{وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولا } – (أَخْبَارُ القُضَاةِ ص 27 – لأَبُي بَكْرٍ الضَّبِّيّ البَغْدَادِيّ، المُلَقَّب بِـوَكِيع)

.5  عُرف الولاة بأنهم أول من حقق ( افتراق السلطان والقرآن )، وظلوا في ذلك بين مد وجزر ، بينما ظل القضاء والقضاة رمزا لتطبيق الشريعة وحصنا حصينا لها. ورغم جميع الاختلالات والانحرافات التي كانت تقع على الصعيد السياسي الولائي ، فقد ظلت الشريعة الإسلامية والمرجعية الإسلامية عالية حاكمة ، على الصعيد القضائي. وهكذا كانت المجتمعات الإسلامية إذا ما ابتليت بجور الولاة ، تجد تعويضا لها في عدل القضاة. وتكون أسعد ما تكون ، إذا اجتمع لها مع عدل القضاة ، عدل الولاة ، { وَقَلِيلٌ مَا هُمْ } سورة ص/24

 .6 اتسم معظم الولاة في توليهم وفي تدبيرهم وسياساتهم وقراراتهم ، بتضييع فريضة الشورى ، أو ممارستِها بكيفية أقرب إلى الهزل منها إلى الجد ، مع أنهم هم المعنيون بها والمحتاجون إليه والملزمون بها ، أكثر من أي أحد سواهم . بينما أقام القضاة تجارب شورية راقية ورائدة ، في التاريخ الإسلامي والتاريخ البشري عامة. وقد عرضتُ نبذة من ذلك في كتاب ( الشورى في معركة البناء )

وعموما فإن قضاة الإسلام كانوا يأخذون مأخذ الجد والحزم ، الوصايا والتحذيرات التي تلقوها في دينهم وفقههم ، كقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: القضاة ثلاثة : فقاضيان في النار، وقاض في الجنة . فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به. وأما اللذان في النار ، فرجل عرف الحق فجار في الحكم، ورجل قضى على جهل، فهما في النار. وكان الفاروق عمر يقول : ويل لديان أهل الأرض من ديان أهل السماء يوم يلقونه ، إِلَّا من أمر بالعدل، وقضى بالحق، ولم يقض بهوى، ولا لقرابة، ولا لرغبة، ولا لرهبة، وجعل كتاب الله مرآة بين عينيه.( أَخْبَارُ القُضَاةِ ج 1 / ص 31) وللحديث بقايا إن شاء الله.

 
الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان