رسالة في أحكام الأضحية
كتبها؛ الشيخ د. عبد الحي يوسف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
الكلام على فضل عشر ذي الحجة
فإن لله تعالى خواص في الأزمنة والأمكنة والأحداث والأشخاص؛ فله سبحانه أن يميِّز ما شاء من مكان أو زمان أو حدث أو شخص؛ فمثلما جعل لمكة ـ زادها الله شرفاً ـ فضلاً على سائر البلدان، ولبدر مزية على سائر الغزوات، وفضَّل محمداً صلى الله عليه وسلم على سائر البشر؛ وقدَّر أن يكون يوم الجمعة سيِّد أيام الأسبوع، وأعلى شأن يوم عرفة على سائر أيام السنة؛ فكذلك ميَّز عشر ذي الحجة على غيرها من الأيام؛ فأقسم بها في كتابه الكريم؛ حيث قال {والفجر + وليال عشر}[1] قال عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير ومسروق بن الأجدع وعكرمة ومجاهد بن جبر وقتادة السدوسي وابن زيد: هي عشر ذي الحجة. ورجَّح ذلك شيخ المفسرين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى فقال: والصواب من القول في ذلك عندنا أنها عشر الأضحى لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه، وأن عبد الله بن أبي زياد القَطْوانيّ، حدثني قال: ثني زيد بن حباب، قال: أخبرني عياش بن عقبة، قال: ثني جُبير بن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ} قال: عَشْرُ الأضْحَى[2].ا.هـــ
وثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله تعالى من أيام العشر. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء)[3] قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وفيه تفضيل بعض الأزمنة على بعض كالأمكنة، وفضل أيام عشر ذي الحجة على غيرها من أيام السنة، وتظهر فائدة ذلك فيمن نذر الصيام أو علَّق عملاً من الأعمال بأفضل الأيام؛ فلو أفرد يوماً منها تعيَّن يومُ عرفة لأنه على الصحيح أفضل أيام العشر المذكور؛ فإن أراد أفضل أيام الأسبوع تعيَّن يوم الجمعة؛ جمعاً بين حديث الباب وبين حديث أبي هريرة مرفوعاً (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة) رواه مسلم. إلى أن قال رحمه الله: واستدل به على فضل صيام عشر ذي الحجة[4] لاندراج الصوم في العمل؛ واستشكل بتحريم الصوم يوم العيد؛ وأجيب بأنه محمول على الغالب؛ ولا يَرِدُ على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن عائشة قالت (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً العشر قط) لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته[5]؛ كما رواه الصحيحان من حديث عائشة أيضاً، والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يتأتى ذلك في غيره[6] وقال النووي رحمه الله تعالى: يتأول قولها ـ يعني عائشة رضي الله عنها ـ (لم يصم العشر)[7] أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائماً فيه، ولا يلزم عن ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، ويدل على هذا التأويل حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر: الاثنين من الشهر والخميس. ورواه أبو داود وهذا لفظه وأحمد والنسائي وفي روايتهما (وخميسين) والله أعلم.[8]
مسألة
سئل الإمام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى عن عشر ذي الحجة والعشر الأواخر من رمضان أيهما أفضل؟ فأجاب أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة[9]. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب وجده شافياً كافياً؛ فإنه ليس من أيام العمل فيها أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة وفيها يوم عرفة ويوم النحر ويوم التروية، وأما ليالي عشر رمضان فهي ليالي الإحياء التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحييها كلها، وفيها ليلة خير من ألف شهر؛ فمن أجاب بغير هذا التفصيل لم يمكنه أن يدلي بحجة صحيحة.ا.هــ[10]
الأضحية أفضل العبادات في عشر ذي الحجة لغير الحاج
يأتي في قمة الصالحات التي يؤديها المسلمون في عشر ذي الحجة ويرجون بها الثواب من الله تعالى، التقرب إليه سبحانه بإراقة الدماء وذبح الأضاحي؛ طلباً للأجر وإحياءً للسنة؛ وقد ثبت من حديث أمِّنا عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من هراقة دم، وإنه لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله عز وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفساً}[11]
ولما كانت الأضحية عبادة كسائر العبادات مشتملة على شروط ومبطلات، ولها آداب وأحكام أحببت أن أنبه إليها إخواني المسلمين؛ حتى يرعوا هذه الأحكام حق رعايتها ويأتوا بها وافية كاملة؛ لتقع عبادتهم بموقع القبول من الله عز وجل مذكِّراً نفسي وإياهم بقول ربنا سبحانه وتعالى {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ}[12]
شروط العبادة المقبولة عند الله تعالى
ليس من نافلة القول أن أذكِّر في هذا المقام بأن العبادة المتقبَّلة عند الله تعالى لا بد فيها من شروط ثلاثة:
أولها: أن تكون مبنية على أساس من الإيمان الصحيح؛ فغير المؤمن عمله حابط وسعيه خاسر؛ قال الله تعالى {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ + أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ}[13] وقال سبحانه {مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ}[14]وقال سبحانه {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا}[15] فمن كان تاركاً لجنس العمل لا يصلي الخمس، ولا يصوم الشهر، ولا يؤدي زكاة ماله، ولا يحج البيت، ولا يبالي بحلال ولا حرام؛ فإن ذبيحته يوم العيد لا تزيده من الله إلا بعدا
ثانيها: أن يكون باعثها الإخلاص لله تعالى؛ فإنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك[16]، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجهه[17]، ودينه كله مبناه على الإخلاص؛ كما قال سبحانه {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}[18] وقال سبحانه {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ + وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ + قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ + قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي + فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ}[19] فإياك ـ أُخَيَّ ـ أن تذبح أضحيتك جرياً على العادة، أو شهوةً للحم، أو إرضاءً للأهل، أو نزولاً على رغبة الصغار، أو لغير ذلك مما يكون باعثاً لكثير من الناس؛ حتى إنك ترى الواحد من هؤلاء بعد أن يذبح بهيمته يكون ساخطاً ضيق الصدر لأنه ما أراد بها وجه الله؛ بل ربما يقول قائلهم: خسرت في الأضحية كذا وكذا!! ولو كان مخلصاً لربه راجياً لثوابه لما عَدَّ ذلك خسارة، ولتذكَّر قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة حين ذبح شاة ووكَّلها في قسمتها على المساكين فسألها: ما فعلت الشاة؟ قالت: ذهبت كلها يا رسول الله إلا الذراع!! قال: بل بقيت كلها إلا الذراع.[20]
اذبح أضحيتك وأنت تستحضر قول ربك عز وجل )لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ([21] اذبحها استجابة لأمر ربك سبحانه )فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ([22] وإحياءً لسنة الخليل إبراهيم عليه السلام )وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ + وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ + سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ + كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ + إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ([23] واتباعاً لهدي محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين فإذا صلى وخطب الناس أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية ثم يقول: اللهم هذا عن أمتي جميعاً من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول: هذا عن محمد وآل محمد، فيطعمهما جميعاً المساكين ويأكل هو وأهله منهما.[24]
ثالثها: أن تكون متَّبعاً للشرع الحنيف فيما سنه محمد صلى الله عليه وسلم متقيداً في ذلك بالكمية والكيفية والزمان الذي عيَّنه صلوات الله وسلامه عليه، وأنت على يقين من قول ربك سبحانه )قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ + قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ([25]
إذا تبين ذلك فإني سائقٌ جملة من أحكام الأضحية في مسائل أرجو أن تكون يسيرة إن شاء الله
المسألة الأولى: في فضل الأضحية
في فضل الأضحية وردت أحاديث عن نبينا r منها:
1ـ عن عائشة رضي الله عنها أن النبي e قال {ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من هراقة دم[26]، وإنه لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله U بمكان قبل أن يقع على الأرض[27] فطيبوا بها نفساً} رواه ابن ماجه والترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب[28].
2ـ عن زيد بن أرقم t قال: قلت: يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم، قالوا: ما لنا فيها؟ قال: بكل شعرة حسنة، قالوا: فالصوف؟ قال: بكل شعرة من الصوف حسنة. رواه أحمد وابن ماجه[29].
3ـ عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله e: من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا. رواه أحمد وابن ماجه.
4ـ وعن ابن عباس قال: قال رسول الله e: ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد. رواه الدارقطني.
وهذه الأحاديث يستفاد منها: مشروعية الأضحية ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم وقد دلَّ على مشروعيتها الكتاب والسنة كذلك، وأنها أحب الأعمال إلى الله يوم النحر، وأنها تأتي يوم القيامة على الصفة التي ذبحت عليها، وأن دمها يقع بمكان من القبول قبل أن تقع على الأرض، وأنها سنة إبراهيم لقوله تعالى }وفديناه بذبح عظيم{، وأن للمضحي بكل شعرة من شعرات أضحيته حسنة، وأنه يكره لمن كانت له سعة أن يدعها، وأن الدراهم لم تنفق في عمل صالح أفضل من الأضحية[30]
المسألة الثانية: الحكمة منها
المسلم حين يضحِّي يتذكر أبا الأنبياء إبراهيم u حين أمره الله بذبح ولده فاستجاب لأمر ربه، وقال لابنه )يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى([31] فما كان من الولد إلا أن أطاع الله بطاعة أبيه )قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ([32] ثم يأتي الفرج من الله تعالى في وقت يسير )فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ + وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ + قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ + إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ + وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ([33] حين يضحي المسلم متذكراً تلك القصة يتعلم من خلالها وجوب الاستجابة لأمر الله تعالى على كل حال، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ([34] وأن التقوى يعقبها الفرج من الله وتيسير الأمر )وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا + وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ([35]
كما أن في الأضحية إدخالاً للسرور على المسلمين، وإطعاماً للجائعين، وتوسعة على العيال والأهلين، وإكراماً للأصدقاء والأرحام والجيران، إلى غير ذلك من المنافع العظيمة والحكم الجليلة. يقول الدكتور وهبة الزحيلي وفقه الله: والحكمة من تشريعها: هو شكر الله على نعمه المتعددة، وعلى بقاء الإنسان من عام لعام، ولتكفير السيئات عنه: إما بارتكاب المخالفة، أو نقص المأمورات، وللتوسعة على أسرة المضحي وغيرهم، فلا يجزئ فيها دفع القيمة، بخلاف صدقة الفطر التي يقصد منها سد حاجة الفقير. ونص الإمام أحمد على أن الأضحية أفضل من الصدقة بقيمتها.[36]
المسألة الثالثة: حكم الأضحية
ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومالك والشافعي والصاحبان ـ أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني ـ إلى أنها سنة، قال النووي في شرح المهذب: وهذا مذهبنا وبه قال أكثر العلماء منهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وبلال، وأبو مسعود البدري، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وعلقمة، والأسود، ومالك، وأحمد، وأبو يوسف، وإسحاق، وأبو ثور، والمزني، وداود، وابن المنذر.ا.هــ[37] واستدلوا على ذلك بأحاديث منها:
أولاً: ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر t قال: صليت مع رسول الله e عيد الأضحى فلما انصرف أتي بكبش فذبحه فقال: بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي.
ثانياً: ما رواه أحمد عن علي بن الحسين رضي الله عنهما عن أبي رافع t أن رسول الله e كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين[38] أملحين[39] فإذا صلى وخطب الناس أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية ثم يقول: اللهم هذا عن أمتي جميعاً من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول: هذا عن محمد وآل محمد، فيطعمهما جميعاً المساكين ويأكل هو وأهله منهما. فمكثنا سنين ليس لرجل من بني هاشم يضحي قد كفاه الله المئونة برسول الله e والغرم.
ووجه الدلالة من الحديثين أن تضحية النبي e عن أمته وعن أهله تجزيء كل من لم يضح سواء كان متمكِّناً من الأضحية أو غير متمكن.
ثالثاً: قوله r {إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره} رواه الجماعة. ووجه الدلالة من الحديث أن النبي r فوَّض الأضحية إلى إرادة الشخص؛ فهو مشعر بعدم الوجوب؛[40] فهو كقوله r {صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال: صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال عند الثالثة: لمن شاء}[41]
رابعاً: ما أخرجه أحمد عن ابن عباس مرفوعا {أمرت بركعتي الضحى ولم تؤمروا بها، وأمرت بالأضحى ولم تكتب عليكم} وأخرجه أيضاً البزار وابن عدي والحاكم عنه بلفظ {ثلاث هن عليَّ فرائض ولكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الضحى} وأخرجه أيضا أبو يعلى عنه بلفظ {كتب علي النحر ولم يكتب عليكم وأمرت بصلاة الضحى ولم تؤمروا بها} قال الشوكاني رحمه الله تعالى: ويجاب عنه بأن في إسناد أحمد وأبي يعلي جابر الجعفي وهو ضعيف جداً، وفي إسناد البزار وابن عدي والحاكم جناب الكلبي، وقد صرح الحافظ بأنه ضعيف من جميع طرقه، وقد أخرجه الدارقطني بلفظ {ثلاث هن على فريضة وهن لكم تطوع الوتر وركعتا الفجر وركعتا الضحى} وأخرجه البزار بلفظ {أمرت بركعتي الفجر والوتر وليس عليكم} ورواه الدارقطني أيضا وابن شاهين في ناسخه عن أنس مرفوعا {أمرت بالوتر والأضحى ولم يعزم عليَّ} وفي إسناده عبد الله بن محرر وهو متروك[42] قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وصححه الحاكم فذهل[43]
خامساً: ما أخرجه البيهقي عن الشعبي، عن أبي سريحة[44] قال: أدركت أبا بكر وعمر، وكانا لي جارين وكانا لا يضحيان[45] في السنن الكبرى عن الشافعي رحمه الله قال: وبلغنا أن أبا بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان كراهية أن يُقتَدَى بهما فيظن من رآهما أنها واجبة[46]
سادساً: ما رواه البخاري تعليقاً عن ابن عمر رضي الله عنه قال {هي سنة ومعروف} قال ابن حجر رحمه الله تعالى: وصله حماد بن سلمة في مصنفه بسند جيد إلى ابن عمر، وللترمذي محسَّناً من طريق جبلة بن سحيم أن رجلاً سأل ابن عمر عن الأضحية أهي واجبة؟ فقال {ضحى رسول الله r والمسلمون بعده} قال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم أن الأضحية ليست بواجبة[47]
سابعاً: اتفاق الصحابة y على ما نقل ابن حزم رحمه الله تعالى على القول بعدم الوجوب. قال في المحلى: لا يصح عن أحد من الصحابة أن الأضحية واجبة، وصح أن الأضحية ليست واجبة عن سعيد بن المسيب والشعبي.ا.هـــ[48]
وذهب أبو حنيفة وبعض المالكية إلى وجوبها على الموسر، قال النووي رحمه الله في المجموع: وقال ربيعة والليث بن سعد وأبو حنيفة والأوزاعي: واجبة على الموسر إلا الحاج بمنى، وقال محمد بن الحسن هي واجبة على المقيم بالأمصار، والمشهور عن أبي حنيفة أنه إنما يوجبها على مقيم يملك نصاباً.ا.هــ [49]واستدلوا بالآتي:
أولاً: قوله تعالى )فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ([50] والأمر للوجوب. وأجيب بأن المراد تخصيص الرب بالنحر له لا للأصنام؛ فالأمر متوجه إلى ذلك لأنه القيد الذي يتوجه إليه الكلام، ولا شك في وجوب تخصيص الله بالصلاة والنحر على أنه قد روي أن المراد بالنحر وضع اليدين حال الصلاة على الصدر[51]
ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها والله تعالى يقول }لقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ{[52]
ثالثاً: قوله صلى الله عليه وسلم {من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا}[53] لأنه ترك واجباً فكأنه لا فائدة من التقرب مع ترك الواجب. قال الحافظ في الفتح: أخرجه ابن ماجة وأحمد ورجاله ثقات، لكن اختلف في رفعه ووقفه والموقوف أشبه بالصواب. قاله الطحاوي وغيره، ومع ذلك فليس صريحا في الإيجاب[54]
رابعاً: حديث مِخْنَف بن سُلَيْم t أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعرفات {على أهل كل بيت أضحية}[55] قال ابن حجر رحمه الله تعالى: أخرجه أحمد والأربعة بسند قوي، ولا حجة فيه لأن الصيغة ليست صريحة في الوجوب المطلق، وقد ذُكر معها العتيرة[56] وليست بواجبة عند من قال بوجوب الأضحية[57]
خامساً: قوله صلى الله عليه وسلم {من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى}[58]. وصيغة الأمر للوجوب. قال الحافظ في الفتح: وأجيب بأن المقصود بيان شرط الأضحية المشروعة فهو كما لو قال لمن صلى راتبة الضحى مثلاً قبل طلوع الشمس: إذا طلعت الشمس فأعد صلاتك[59]
قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: إن هذه الأدلة كلها لا تسلم من معارض ولا تصح دليلاً للإيجاب ولا لعدمه! ثم قال: وفي مثل يتأكد على الإنسان الخروج من الخلاف فلا يترك الأضحية مع قدرته عليها لحديث {دع ما يريبك إلى ما لا يريبك} فلا ينبغي تركها لقادر عليها; لأن أداءها هو الذي يتيقن به براءة ذمته، والعلم عند الله تعالى[60].ا.هـــ
المسألة الرابعة: شروط وجوب الأضحية أو سنيتها
يشترط في وجوب الأضحية أو سنيتها جملة من الشروط بعضها يتعلق بالمضحي نفسه وبعضها بالأضحية، بعضها شرط صحة وبعضها شرط وجوب، وهذه الشروط تتمثل في:
أولا: الإسلام، وهذا شرط متفق عليه؛ لأن الأضحية قربة، والكافر ليس محلاً للقربة؛ قال الله تعالى )وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا([61] وهذا الشرط شرط صحة كما لا يخفى
ثانياً: التكليف، ويقصد به البلوغ والعقل، وهذا شرط وجوب مختلف فيه؛ حيث ذهب محمد ابن الحسن وزفر ـ من الحنفية ـ إلى اشتراطهما في إيجاب الأضحية على المسلم، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: بعدم اشتراطهما على الصبي والمجنون لكونهما غير مكلفين. وثمرة هذا الخلاف عند الحنفية أنه إذا ضحى وليهما أو وصيهما عنهما من مالهما فإنه لا يضمن عند أبي حنفية وأبي يوسف، ويضمن عند محمد وزفر. والراجح من القولين في المذهب ما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف[62].
وقال المالكية: لا يشترط التكليف للتضحية، وإنما يسن لولي الصغير أو المجنون أو وصيهما أن يضحي عنهما من مالهما حتى ولو كانا يتيمين[63]. قال مالك: الصدقة بثمن الضحية بمنى أحب إليَّ، ويُضحَّى عن اليتيم طفلاً كان أو بالغاً؛ كما تُخرَج عنه زكاة الفطر.[64] وقال الشافعية: لا يجوز لولي الصغير أو المجنون أو الوصي عليهما أن يضحي عنهما من مالهما، لأنه مأمور بالاحتياط لهما، ممنوع من التبرع به والأضحية تبرع. وإذا كان الولي أباً أو جداً، فإنه يجوز له أن يضحي عنهما من ماله الخاص على سبيل التبرع لهما، وهو بهذا التبرع كأنه ملَّكها لهما وذبحها عنهما، فيقع له أجر التبرع ولهما ثواب التضحية[65].
أما الحنابلة فقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في التضحية عن اليتيم من ماله، فروي عنه أنه لا يجوز أن يضحي عنه من ماله، لأنه إخراج شيء من ماله بدون عوض، وهذا غير جائز أشبه الصدقة والهدية، وروي عنه أنه يجوز أن يضحي عنه من ماله إذا كان موسراً على سبيل التوسعة عليه تطييباً لقلبه، وإشراكه لأمثاله في يوم العيد[66]
ثالثاً: الإقامة، وهذا الشرط محل خلاف بين أهل العلم؛ حيث قال الحنفية: لا تجب الأضحية إلا على المقيم؛ أما المسافر فلا[67]؛ وهي واجبة على كل مسلم حر مقيم موسر وإنما لم تجب على المسافر لأنها اختصت بأسباب شق على المسافر تحصيلها[68]، وتفوت بمضي الوقت فلم تجب كالجمعة، بخلاف الفطر[69] والزكاة حيث لا تفوت بالوقت، ويجوز فيهما التأخير ودفع القيم وغير ذلك[70] ولأنه قد سقط عنه ما هو آكد من ذلك كالجمعة وبعض الفرض حتى لا يتشاغل عن سفره[71] قال أبو حنيفة: ليس على المسافر أن يذبح عن نفسه، وعليه أن يذبح عن أولاده إذا كانوا مقيمين؛ فإن كانوا مسافرين معه لم يضح عنهم؛ كذا في الكرخي، وإن كان مقيماً وأولاده مسافرين ضحَّى عن نفسه[72]
والجمهور ـ سوى الحنفية ـ لا يشترطون هذا الشرط، وإنما قالوا: تسن للمسافر كما تسن للمقيم؛ استدلالاً بحديث ثوبان t قال: ذبح رسول الله e أضحيته ثم قال {يا ثوبان أصلح لي لحم هذه؟} فلم أزل أطعمه منه حتى قدم المدينة[73]. إلا أن المالكية استثنوا من ذلك الحاج، حيث قالوا: إن السنة في حقه الهدي، والهدي هو ما يهديه الحاج إلى فقراء الحرم تقرباً إلى الله تعالى به. قال في الثمر الداني في شرح قول ابن أبي زيد رحمه الله تعالى: (والأضحية سنة واجبة على من استطاعها) قال: إذا كان حراً مسلماً كبيراً كان أو صغيراً ذكراً كان أو أنثى مقيماً كان أو مسافراً؛ حالة كونه غير حاج لأن سنته الهدي[74]
رابعاً: القدرة، وهذا شرط متفق عليه بين العلماء؛ لقوله تعالى )لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا( لكنهم مختلفون في ضابط القدرة؛ فالمقصود بالقدرة عند الحنفية، اليسار، وهو أن يكون مالكاً مائتي درهم الذي هو نصاب الزكاة، أو متاعاً يساوي هذا المقدار زائداً عن مسكنه ولباسه، أو حاجته وكفايته هو ومن تجب عليه نفقتهم. والقادر عليها عند المالكية هو الذي لا يحتاج إلى ثمنها لأمر ضروري في عامه. ولو استطاع أن يستدين استدان. وعند الشافعية: هو من يملك ثمنها زائداً عن حاجته وحاجة من يعوله يوم العيد وأيام التشريق، لأن ذلك وقتها، مثل زكاة الفطر، فإنهم اشترطوا فيها أن تكون فاضلة عن حاجته مَئونة يوم العيد وليلته فقط. وعند الحنابلة: هو الذي يمكنه الحصول على ثمنها ولو بالدين، إذا كان يقدر على وفاء دينه.[75]
المسألة الخامسة: شروط صحة الأضحية
يشترط لصحة هذه العبادة شروط بعضها يتعلق بالذبيحة نفسها، وبعضها يتعلق بالوقت الذي تذبح فيه، وهذه خلاصتها:
أولا