من وحي الصراعات الزوجية..
حين تغيب فطرة الوالدية!
بقلم: د. علي فتيني
عضو الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين
ما رأيت في حياتي أمرًا أثقل على نفسي
وأشد إيلامًا من محاولة الإصلاح بين زوجين بينهما أطفال..
فكم يرهقني نفسيًا ذلك العناد والتصلب
الذي يكون ضحيته الأولى فلذات الأكباد، حتى إني كثيرًا ما أفكر أن أعتذر مستقبلًا
عن التدخل في أي خلاف زوجي إذا علمت بوجود أطفال.
ولست هنا أتحدث عن وقوع الطلاق أو
عدمه، فذلك شأن آخر قد تفرضه أحيانًا ضرورات أو مبررات تخص أحد الطرفين أو كليهما.
لكن حديثي عن تلك الأرواح الصغيرة
البريئة، الهشة، التي تجد نفسها فجأة في قلب صراع لا تفهمه، وتشهد تفاصيل الخصام
والعراك بين والديها؛ ذينك اللذين كانا بالنسبة لها مصدر الأمان والطمأنينة.
وما أشد فداحة الأمر حين يتعمد أحد
الطرفين -أو كلاهما- استخدام الأطفال وسيلة ضغط أو أداة ابتزاز لتحقيق مكاسب في
النزاع!
يا له من سقوط مؤلم، أن تتحول براءة
الأطفال إلى ورقة تفاوض في لحظات الغضب والعناد.
كم يترك ذلك من ندوب عميقة في نفوسهم؟
وكم من خوف واضطراب وفقدان للأمان ينمو
بصمت داخل قلوبهم الصغيرة، وهم لا ذنب لهم في كل ما يحدث؟
والمؤلم أكثر أن آثار هذه الصدمات لا
تكون عابرة أو مؤقتة، بل قد تمتد سنوات طويلة، وربما ترافق الإنسان طوال عمره،
فتؤثر في شخصيته، واستقراره النفسي، وعلاقاته، بل وقد تكون سببًا في انحرافه أو
تعثره في مستقبله.
كيف يهون على الوالدين أن يدفع
أطفالهما هذا الثمن القاسي؟
وأي صورة للأبوة والأمومة تُرسم في
أعين الأطفال وسط هذه المشاهد المؤلمة؟
إنه لأمر يصعب عليّ فهمه.
فكيف يفقد الأبوان -في ساعات الغضب
والعناد- ذلك الحنان الفطري والخوف العظيم على أبنائهما، وهما اللذان لا يحتملان
أن تصيب طفلهما شوكة، أو تؤلمه حمى عابرة أو زكام ليلة واحدة؟
حقًا، إن هذا من أكثر الألغاز
الإنسانية التي أعجز عن تفسيرها.
ولهذا أكون شديد التأكيد قاسي الكلمة
في نصحي للوالدين بإبعاد أطفالهم عن تفاصيل خلافاتهم، وعدم إشراكهم في صراعات
الكبار، خصوصًا في واقع مليء بالتحديات والمخاطر كالواقع الأوروبي؛ حيث قد تتجاوز
آثار هذه النزاعات الداخلية للجهات الرسمية والمنظمات المسؤولة عن حماية الأطفال،
فضلا عن الأثر الخطير الذي يتعلق بنظرة الأطفال للدين وقيمه وتعاليمه، فيصبح
الوالد -من حيث لا يشعر- سبب فتنة لولده.
وكم هي ثقيلة تلك المسؤولية الملقاة
على عاتق المتصدرين للإصلاح الاجتماعي والساعين في حل المشكلات الأسرية، خاصة في
المجتمعات الغربية؛ حيث تتشابك الضغوط النفسية والقانونية والاجتماعية والثقافية
بصورة معقدة،
إنها مسؤولية تستنزف الفكر والمشاعر
معًا، وتحتاج إلى قدر كبير من القوة النفسية والصبر والحكمة، قبل التأهل الشرعي
والمهاري.
والله المستعان وعليه التكلان، ومنه
التوفيق والسداد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا
تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
-150x150.jpg)