آخر الأخبار

المواطنة 3 – 4

شارك المقال على :

المواطنة العامة و الخاصة:
للإنسان في الدولة الحديثة المسلمة أيَّاً كان مذهبه وجنسيته ، حقوق ثابتة في العيش الكريم ـ سيأتي ذكرها بإذن الله ـ ولكنه يملك حق الاختيار في أن يؤمن بأهداف الدولة والأسس التي قامت عليها ، ويمثل الإسلام العمود الفقري ، أو أن يرفض ذلك ، فإن آمن وكان مسلماً فليس له ما يميزه عن إخوانه المسلمين غير مؤهلات، وإن اختار الرفض فهو مجبر من أجل اكتساب حقوق المواطنة أن يوالي الدولة ، ويعترف بشرعيتها ، فلا يتهدد نظامها العام بحمل السلاح في وجهها ، أو موالاة أعدائها ، ولكن مواطنته تظل ذات خصوصية لا ترتفع إلا بدخوله الإسلام ، أي: يظل متمتعاً بحرية لا يتمتع بها المسلم ، تتعلق بحياته الشخصية في أكله وشربه وزواجه[(1)] ، محروماً من حقوق يتمتع بها المسلم كتولي مواقع رئيسية في الدولة ذات مساس بهويتها «الرئاسة العامة» ، ولكنه من جهة أخرى يعفى من واجبات مطلوبة من المسلم ، كالامتناع عن محرمات معينة ، وهي استثناءات محدودة ، وهو مبدأ أساسي مرعي في الدولة الإسلامية ، وإنما هي من مقتضياته ، ونحن لا نعلم دولة في الدنيا قديمة أو حديثة خلت دساتيرها جملة من مسألة تنظيم حقوق المواطنة ، ومنها الحريات العامة ، كحرية تكوين الجمعيات من وضع قيود معينة من شأنها حفظ كيان الدولة ، أو حرية المواطنين ، وحق الأغلبية في أن تصبغ الحياة العامة بصبغتها.
وإذا كان المسلم خارج إقليم الدولة لا يملك غير حق النصرة في حدود إمكانات الدولة ، فإن غير المسلم «الذمي» يملك إلى جانب النصرة سائر الحقوق التي يملكها المسلم ، عدا شغل المواقع ذات المساس المباشر بهوية الدولة ، وطبيعتها الإسلامية ، مع ملاحظة أن الوظائف في الإسلام ليست حقوقاً للمواطن ، وإنما هي أعباء وتكاليف.
لقد لفت نظر المؤرخين الأوربيين ؛ الذين درسوا تاريخ الحضارة الإسلامية ، ظاهرة غريبة لا نظير لها في حضارات أخرى ، هي كثرة الرجال غير المسلمين ذوي النفوذ في جهاز الحكم الإسلامي ، يقول ادم متز: من الأمور التي تعجب لها كثرة عدد العمال والمتصرفين غير المسلمين في بلاد الإسلام ، وكان تشكي المسلمين من ذلك كثيراً.
ويقول المؤرخ الأمريكي درابر: إن المسلمين الأولين في زمن الخلفاء لم يقتصروا في معاملة أهل العلم من النصارى المنظورين ، ومن اليهود محل الاحترام ، بل فوضوا لهم كثيراً من الأعمال الجسام ، ورقّوهم إلى المناصب في الدولة ، حتى إن هارون الرشيد وضع جميع المدارس تحت مراقبة (حنا مستة) فكانت مفوَّضة أحياناً إلى النسطوريين وإلى اليهود تارة أخرى ، واستوزر عدد من الخلفاء عدداً من اليهود والنصارى ، كيف لا ، وقد امنت كل شعوب الدولة الإسلامية في ظل الإسلام على اختلاف دياناتها وألوانها ، فتفتقت مواهبها ، وأحيت ثقافتها وتراثها ، وساهمت مساهمة فعالة في وضع الحضارة الإسلامية ، حتى إن النزهاء من مؤرخي اليهود يعترفون بأن عصر الحضارة الإسلامية بالأندلس ـ مثلاً ـ كان العصر الذهبي لليهود ، يقول (سيمون دينوه) في كتابه (تاريخ اليهود): لأول مرة يتمكن قسم من الشعب
اليهودي من التمتع بحرية الفكر ، وفي القرنين الحادي عشر والثاني عشر بلغ تطور الفكر اليهودي قمة النجاح
أما الدول الغربية المعاصرة فرغم ادعائها المساواة والتحرر من التمييز ؛ فإن ملايين المسلمين من مواطنيها ، رغم بلائهم في تحريرها وتعميرها ، مثل مسلمي فرنسا ، فإنهم لم يضمنوا بعد حتى حقوقهم الشخصية ، كحق الحياة ، والحرية الدينية بإقامة المساجد ، وحمل نسائهم على الحجاب ، مما لا يبقى مجالاً للحديث عن حقوقهم السياسية ، وتوليهم الوظائف الكبرى ، فليس من بين أكثر من عشرة ملايين مسلم في أوربة الغربية وزير واحد ، أو وكيل وزارة ، ولا نائب واحد في البرلمان الأوربي ، والسفير الغربي المسلم الوحيد السيد مراد هوفمان قامت ضجة كبيرة في ألمانيا بسبب تأليفه كتاباً نصرة للإسلام هو: «الإسلام هو البديل» ، وطالبوا بعزله من منصبه كسفير لبلاده ، بينما لم يثر ضجة ، ولا مثّل مشكلاً في أواسط الرأي العام الإسلامي تولي مواطنين ينتمون إلى الأقلية المسيحية في مصر والعراق وسورية مناصب رئيسية في الدولة ، وزراء ، وسفراء .
_____________________

ـ[1]  الحريات العامة ، الغنوشي (2/154).
ـ[2] في الفقه السياسي الإسلامي ، فريد عبد الخالق ص (155).

المواطنة والدولة الحضارية:
الدولة الحضارية الحديثة المسلمة تستند إلى منظومة قيم مستمدة من المرجعية الحضارية الإسلامية ، وهذه القيم تمثل النظام الأعلى الحاكم للدولة والمجتمع ، وفي الدولة الحضارية القطرية ، فإن كل من ينتمي لهذه الدولة ، يفترض ضمناً أنه ينتمي للقيم العليا المنظمة للدولة والمجتمع ، ومعنى هذا أنه ينتمي أساساً للمجتمع ، ومن ثم للأمة ، وهو بانتمائه للمجتمع أصبح عضواً فيه ، ولأن الدولة هي وكيل عن المجتمع ؛ فإن كل من ينتمي للمجتمع يصبح عضواً أصيلاً في الدولة ، وبالتالي يصبح مواطناً في الدولة له كل الحقوق ، وعليه كل الواجبات ، ويحظى بعلاقة المساواة من قبل الدولة مثل غيره من أعضاء المجتمع ، وهنا نؤكد على فكرة محورية في الدولة الحضارية ، وهي أن المجتمع سابق على الدولة ، وأن الأمة سابقة على الدولة ؛ لأن الدولة الحضارية تقوم هويتها على قيم ؛ لذا فإن تلك القيم توجد أولاً في المجتمع أو الأمة ، وتصبح سائدة وغالبة ، ومن ثم تقوم الدولة على تلك القيم ، وتستمد شرعيتها من حفاظها على القيم التي امن بها المجتمع ، وامنت بها الأمة ؛ لأن الدولة التي تستند لقيم لا توجد في المجتمع ، وتفرض قيمها على المجتمع ، ليست دولة حضارية ، بل هي شكل من أشكال الدولة المستبدة.
يضاف لهذا مسألة مهمة في التفرقة بين الدول ، ففي الدولة الحضارية يقوم المجتمع على قيم ، وكل من ينتمي لتلك القيم يصبح عضواً في المجتمع ، وبالتالي يصبح عضواً في الدولة ، وهو بهذا مثله مثل غيره لا فارق بينهما ؛ لأن كل أعضاء المجتمع تقوم عضويتهم على إيمانهم بقيم المجتمع ، وهذا الأمر لا يتحقق في المجتمعات التي تقوم فيها الدولة مستندة على القومية ، ففي فرنسا ، مثلاً ، تقوم الدولة مستندة على القومية الفرنسية ، ومن يحصل على جنسية الدولة الفرنسية من غير المنتمين للقومية الفرنسية يصبح مواطناً في الدولة ، ولكنه لا يصبح منتمياً للقومية الفرنسية ؛ لأن الفرد لا يمكن تحويل قوميته ، لأنها عرق ، ولها أساس بيولوجي ، ففي فرنسا تحدد المواطنة علاقة المساواة بين كل حاملي جنسية الدولة ، ولا يمكن أن ينتمي لقوميتهم أحد من خارجها ، لكن الدولة الحضارية تقوم أساساً على القيم ، وهي دولة عابرة للقومية ؛ مما يجعل تعدد القوميات والأعراق فيها جزءاً من تعدد مكوناتها داخل الهوية الواحدة ، ولأن الهوية تقوم على القيم ، فإن كل من ينتمي لتلك القيم يصبح جزءاً من هوية المجتمع والدولة ، ويصبح مواطناً كاملاً في الدولة ، وعضواً كاملاً في المجتمع ، حتى وإن اختلفت أصوله العرقية.
فالمواطنة تتحقق في الدولة الحضارية نتيجة أن الفرد ينتمي انتماءً كاملاً غير منقوص للمجتمع ، وبالتالي تصبح مواطنته مفروضة على الدولة ؛ لأن الدولة وكيل عن المجتمع ، وتتبع هوية المجتمع ، وعليه نقول: إن الدولة الحضارية تتميز بأن الانتماء لها مفتوح، فجنسيتها تعطى لمن يؤمن بالقيم المؤسسة لها[(1)].
ويمكننا أن نتصور أن مع بداية تأسيس الدولة الإسلامية الكبرى ، وتوسعها في العديد من المناطق، وانضمام العديد من القوميات لها، كان هناك اختلافات حضارية ما ، أو كان هناك قدر من عدم التجانس ، وهو ما تم تحويله إلى حالة تجانس عام ، من خلال تجمع كل الأمة على القيم العليا إطاراً جامعاً سمح بمساحة للفروق الثقافية داخلها ، فحافظت المجتمعات على تميزها ، وفي الوقت نفسه اشتركت في الإطار الحضاري العام ، فصارت بهذا أمة واحدة[(2)].
وهنا تبرز خاصة مهمة في الحضارة الإسلامية ، أنها حضارة التنوع في إطار الوحدة ، فهي أكثر الحضارات التي تشمل تنوعاً داخلياً ، ومع هذا فهي أكثر الحضارات التي تتميز بإطار عام حاكم ومحكوم ، وتلك هي خاصة الدين ،
فمنظومة القيم المستمدة من الدين تقوم على قيم محددة ومطلقة، أي: تقوم على عدد محدد من المبادئ العامة ، وداخل هذه المبادئ يمكن أن يختلف الناس ، ولكن إيمانهم بهذه المبادئ يوحدهم مهما اختلفوا داخلها ؛ ولهذا يتمدد التنوع داخل إطار القيم الحاكمة التي تحول هذا التنوع إلى وحدة ..
_______________

ـ[1]  الوسطية الحضارية ، د. رفيق حبيب ص (153).
ـ[2]  قضايا إسلامية معاصرة ، د. منير الغضبان (1/192).

9 ـ المواطنة والدولة القطرية:
في الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية تجد ما يلي:
المادة (1):
لكل الشعوب الحق في تقرير المصير ، وبمقتضى هذا الحق فإنها تقرر بحرية وضعها السياسي ، وتتابع بحرية تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية[(53)] ، أما في وطننا الإسلامي فقد ابتدأت قضية المواطنة قبل قرن وربع في العالم العربي والإسلامي ، وذلك منذ صدور أول دستور عثماني عام (1876م) مقرراً مبدأ المساواة في جميع الحقوق والواجبات بين مواطني الدولة على اختلاف أديانهم[(54)].
إن غير المسلمين صاروا شركاء أصليين في أوطان المسلمين ، ولم تعد علاقاتهم بالمسلمين قائمة على إعارة قبيلة لقبيلة أخرى ، أو خضوع من قبيلة إلى قبيلة أخرى ، الأمر الذي ينبغي أن يسقط معه على الفور ـ ومهما كانت المبررات ـ أي تصنيف لهم في مربع الأجانب الأخرى[(55)].
ولابد من إيضاح هذا المفهوم ؛ فلقد كانت المواطنة في الدولة الإسلامية منذ عهد الفتوح الإسلامية قائمة على تقسيم المواطنين لفريقين: مسلمين وذميين ، والمسلمون لهم حقوق تختلف قليلاً أو كثيراً عن حقوق أهل الكتاب أو أهل الذمة ، وفي الوقت الذي يدفع المسلمون فيه الزكاة يدفع أهل الذمة الجزية ، ويكون حق الدفاع عن البلد واجب المسلمين ، والجزية مقابل حمايتهم ، والحفاظ على حرماتهم وأغراضهم ، وعندما تعجز الدولة عن الحماية تعيد الجزية ، وتدعو أهل الذمة إلى المشاركة في الدفاع عن الوطن المعرض للخطر من العدو الخارجي.
أما منذ صدور القانون العثماني عام (1876م) فقد أنهى هذا التقسيم لمسلمين وذميين ، واعْتُبِر المواطنون متساوين في الحقوق والواجبات ، وصار أهل الذمة والمسلمون شركاء في الدفاع عن الوطن ، وهذا أقرب إلى وضع الدولة الإسلامية الأولى في المدينة ، فقد كان يهود المدينة شركاء في المواطنة ، لليهود نفقتهم وللمسلمين نفقتهم ، وعليهم النصر على من داهم يثرب ، وجوف يثرب حرام على أهل هذه الصحيفة[(56)].
_____________________________

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان