: أجيبوا .. إن كنتم صادقين
الشيخ محمد الغزالي
لابد أن نعترف بأن موقف الحياد السياسي بين شتى القوى الأجنبية أمر لا محيص عنه.. بل هو فى هذه الأيام مقتضى الإيمان.. وقد حدث فى أخريات الدولة الفاطمية أن جنح بعض الحكام إلى الصليبيين، يستعين بهم على دعم سلطانه، وإعزاز شأنه، فكان جنوحه إلى هذه القوى الغازية الخائنة جناية على الدين وأهله، وخيانة للمسلمين ومصالحهم. فماذا جنى من هذه السياسة؟
إن الله دمر عليه وعلى من معه، وكانت الخيانة التى لجأ إليها هى التى خطت مصرعه. ثم أنقذ الله البلاد من عواقب هذه السياسة المعوجة، فانتصر أهلها المخلصون، وطردوا الأجانب أجمعين، وذهب من والاهم أدراج الرياح.
إن نفوسنا تغزوها الحسرات عندما نسمع نفرا من ساسة العرب يبنون مستقبل بلادهم وذراريهم على محالفة الغرب! وعندما نسمعهم يستنكرون أي موقف حيادي مستقل، ويقرون فى حرارة ورغبة أن تكون مواطنهم مسرحا لإنجلترا وفرنسا وأمريكا- وإسرائيل- (!) والحقيقة أن القوم نضبت خلال العزة والشرف من بين جوانحهم، أما عواطف الإيمان بالله، والغيرة على دينه وعباده، فقد انقضت من زمان سحيق.
وإلا فأين هذا المسلم الذى يتسع ضميره لمصافحة الإنجليز والفرنسيين وأيديهم مخضبة بدمائنا؟!
إن أمريكا ورئيسها ما يفتأ يؤكد فى إسراف منكر أن إسرائيل خلقت لتبقى، وأن وجودها فى ضمانه وضمان بلاده التى تملك أعظم قوة فى العالم!
إننا ننادى بهذه السياسة لا لشيء إلا لعجزنا عن الثأر لما نزل بنا من لطمات مخزيات، فهل بلغ من رضا البعض بالدنية أن يركل بالقدم، ثم هو يتمسح بأذيال راكليه؟ ويريد الانضمام لمعسكرهم، والعمل فى صفهم؟
ألا فلنعلم علم اليقين أن أمريكا والغرب إن قبلا اليوم بعض الدولة العربية حليفا لهما ، فإلى حين قريب! وسوف يأبيان عليهم حق الحياة ولو خدموا! إن الغرب وأمريكا يكرهون الإسلام، ويمقتون أهله، ويصنعون لهم الشر حالا، وينوون لهم ما هو أقسى وأنكى مستقبلا.
ذلك إلى جانب أن تاريخ الاستعمار القديم والحديث هو تاريخ النهب والسلب، والقرصنة وسفك الدماء وقتل الأبرياء.. مضافا إليها قدرا وفيرا من التبجح وقلة الحياء!
اقرأوا معى- على سبيل المثال- هذه الفقرة من خطاب قائد الأسطول البرتغالى الذى استولى على مقاطعة " جوا " الهندية، منذ أربعة قرون.. وهو " ألبو كيرك " الذى كتب إلى ملك البرتغال يقول:
".. وبعد ذلك أحرقت المدينة – أى جوا-، وأعملت السيف فى كل الرقاب، وأخذت دماء الناس تراق أياما عدة.. وحيثما وجدنا المسلمين لم نوقر معهم نفسا، فكنا نملأ بهم مساجدهم، ونشعل فيهم النار، حتى أحصينا ستة الاف روح هلكت، وقد كان ذاك يا سيدى عملا عظيما رائعا أجدنا بدايته، وأحسنا نهايته "!
عمل عظيم رائع!!
أكانت هذه الوقائع فى رأس جون فوستر دالاس وزير خارجية أمريكا حينما وقف فى أحد مؤتمراته الصحفية، ينتصر للبرتغال فى قضية " جوا البرتغالية "؟
ولنا في التاريخ عبرة أليس كذلك يا أصدقاء الغرب وأمريكا، ومحترفى الدعاية لهما والسير في ظلهما ؟!
أليس كذلك يا ساسة العرب؟ أجيبوا، إن كنتم صادقين؟
-150x150.jpg)