"الكولسة" أيدز المؤسسات
بقلم: د. ونيس المبروك – عضو مجلس أمناء الاتحاد
عادة ما يحدث بين الناس نزاع حول بعض القضايا، أو شِقاق حول بعض المصطلحات، ثم يكتشف الطرفان أن نزاعهما كان بسبب سوء فهم حول دَلالة الألفاظ، وليس بسبب تباين الرأي حول المفهوم.
وحتى نتخلص من هذا الإشكال فإنه من المُهم تحرير مفهوم "الكولسة" حتى تكونَ لغة التخاطب بيني وبين القارئ الكريم واضحة.
وقبل كل ذلك أود التذكير بقاعدة منهجية مهمة جدا في هذا السياق؛ وهي أن العِبْرةَ [في التواصل والتعبير] بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ والمباني، ولكن لا يصح الاستدلال بهذه القاعدة ولا تستقيم ولا تنضبط، إلا بمعرفة حقيقة أخرى وهي أن الألفاظ والمصطلحات قد تنتقل من الحقيقة اللغوية إلى الحقيقة العُرفية!
وبالمثال يتضح المقال، فمصطلح "عصابة" يعني في الحقيقة اللغوية مجموعة من الناس، وقد استخدمه النبي صلى الله عليه وسلم في بدر: "إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَة (أي أصحابه) مِنْ أَهْلِ الْإِسْلامِ ، فَلا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ أَبَدًا…".
ولكن هذا المصطلح [عصابة] حَدثَ له انتقال بسبب تعارفِ الناس على معنى آخر،" فأنت حين تصف فريقاً أو مجموعة أصدقاء بأنهم عصابة؛ فإنه لا يقبل منك ذلك بحجة دلالة اللغة، وسيعتبره الناس انتقاصاً وسباً، والحق معهم وليس معك.
وعندما تقول فلان " إرهابي" وتقصد به الآية " ترهبون به عدو الله وعدوكم " فلن يقبل منك ذلك بحجة الدلالة اللغوية، لأن العرف أكسب اللفظ معنى آخر، فالحق معهم وليس معك.
ولنَعُد لموضوعِنا!
في هذا المقال لا أقصد بالكولسة ما يحدث من تشاور وإنضاج للأفكار والآراء وتقييم المقترحات وتزكية الرجل المناسب، قُبيل الدخول بتلك التدابير إلى قاعات اتخاذ القرار …، فهذا أمر مُباح شَرعاً ومستقر عُرفاً، إنما اقصد بالكولسة المعنى الذي تعارف عليه الناس واستقر، وهو ما يفعله بعض الأفراد في المؤسسات والجماعات، من استخدام السلطة المعنوية والتنظيمية وتحوير الإجراءات والأعراف السائدة في مؤسسة لأجل الوصول لقرارٍ مُبيت مُسبقا في شأن من شؤونها العامة ،وعادة ما يكون ذلك بالتنسيق بين شلة قيادية وبعض أفراد المؤسسة، في معزل عن الآخرين.
في تقديري أن هذا المسلك يتسبب في " فقد المناعة" عند المؤسسات والجماعات، لأسباب أوجزها في خمسة:
1- هذا المسلك يُفسد الثقة عند الأفراد الذين تمت ممارسة الكولسة عليهم، ثم يسري ذلك المرض (=ضعف الثقة) رويدا رويدا في المؤسسة، بل في صفوف "الكولاسة" أنفسهم، ومن المعلوم أن الثقة لأي اجتماع كالروح للجسد، وهي ركن التواصل الإنساني والأسري والمجتمعي والمؤسسي فإن فسدت فقد فسد كل شيء بعدها.
2- هذا المسلك يفقد المؤسسات والجماعات " رأس مالها " الذي كان سبباً رئيساً في جذب المنتمين إليها، والبقاء بين في صفوفها، فتتعرض مع الوقت لضمور وانحسار أعداد الفضلاء فيها، أو شعور الفرد بضعف قيمته ثم فتوره، ثم ينقلب إلى طاقة مُعطَلة ومعطِلة، أو صفرٍ على يسار الأرقام!
3- هذا المسلك يفقد المؤسسات والجماعات " ركن قوتها " الذين يميزها عن غيره؛ وهو الفضيلة وحسن الصلة بالله والصدق مع الناس. جاء في بدائع السلك في طبائع الملك للأصبحي أن عمر بن الخطاب كتب لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما " وإنما ينتصر المسلمون بمعصية عدوهم لله؛ فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة".
4- مع مرور الوقت يُفسد هذا المسلك طبيعة العلاقة بين " الكولاسة" أنفسهم؛ أي المنتفعين من هذا السلوك، لأنهم يعلمون جميعاً أن مكسبهم الحزبي أو التنظيمي إنما نشأ من هذا المسلك، فيعز عليهم الحديث عن القيم والصدق والشفافية لاحقاً، ويتم تعارفهم وتصالحهم على قاعدة " افتضحنا فاصطلحنا".
5- هذا المسلك هو " تقويض" لمعايير العمل المؤسسي وموازين التفاضل بين الناس، فيتقدم الولاء على الأداء، ويُقرّب الولي الحميم بدلاً من " القوي الأمين"، ويسود منطق الشُللية على الشفافية، ويتقدم الصفوف أوفر الناس كولسة وأضعفهم سيرة، على حساب أكثرهم مواهب وأنقاهم مسيرة.
لسنا ملائكة،.. وكُلنا ذو خطأ، وخَيْرُ الخطَّائينَ التّوّابون، ومن اكتشف أنه في القطار الخطأ فلا يبرر ويستكبر، ولينزل عند أول محطة ويعود، حتى لا يكون أمرُه فُرطاً، وغزلُه مِنْ بعد قوةٍ أنكاثاً.
-150x150.jpg)