المسجد الأقصى المبارك في بيت المقدس آية نتعبد الله بها
الشيخ الدكتور تيسير رجب التميمي – عضو الاتحاد
المسجد الأقصى المبارك الواقع في مدينة القدس بفلسطين هو أكثر المساجد قدسيةً في عقيدة المسلمين بعد المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة ، سماه الله تبارك وتعالى بذلك في آية الإسراء ، وكان قبلاً يسمى بيت المَقْدِس ، يتعرض هذا المسجد لمحنة جديدة ومؤامرة خبيثة بمحاولة خلخلة مكانته في قلوب وعقول وضمائر أبناء الأمة وتشكيكها في مكانه ، ففي تسعينات القرن الماضي ظهرت مزاعم صهيونية بأن المسجد الأقصى المبارك يقع في السعودية وليس في مدينة القدس في فلسطين ، وتهافت بعض الجهلة والمتصهينين من أبناء جلدتنا فأُمِرُوا أن يرددوا هذه الأكذوبة المفبركة بهدف قطع الصلة بين الأمة ومسجدها الأقصى المبارك ، ولكن هيهات هيهات لهذه الخرافة أن تنجح مهما بذل الأعداء من جهد لترويجها ، فقد أيقنت الأمة يقيناً ثابتاً لا يتزعزع من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا أن المسجد الأقصى المبارك هو هذا المسجد المقام في بيت المقدس ، ففي قصة معجزة الإسراء قال صلى الله عليه وسلم { لما كذَّبتني قريش قمت في الحجر ، فجلاَّ الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه} رواه البخاري ، وقال المطعم بن عدي وهو من رجال قريش الذين كذبوا قصة الإسراء {… إني أشهد إنك لكاذب ، نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعداً شهراً ومنحدراً شهراً تزعم أنك أتيته في ليلة ؟ …}
أما عن مكونات المسجد الأقصى المبارك فيظن كثيرون أنه فقط الجامع القبلي الذي تقام فيه الجمعة والصلوات الخمس حالياً للرجال ، وهذا خطأ فاحش ، والصواب أن المسجد الأقصى المبارك هو كامل المنطقة المحاطة بالسور والبالغة مساحتها مائة وأربعة وأربعين دونماً تمتد في أعماق الأرض وترتفع في أعالي الفضاء ، لذا فإن مضاعفة ثواب الصلاة فيه يتحقق بالصلاة في أي جزء داخل هذه المساحة المسوّرة والتي تشمل معالم ومكوّنات عديدة تصل إلى مائتين ، ومن أبرزها ما يلي:
أولاً: المصليات ، يتكون المسجد الأقصى المبارك من سبع مصليات منها:
1 – الجامع القِبلي: وهو المسقوف الذي تعلوه القبّة الرمادية ، وهو المصلّى الرئيس ويوجد فيه المحراب ومنبر صلاح الدين ، وفيه تقام شعائر صلاة الجمعة ويخطب الإمام للصلاة ، وهو مخصص حالياً للرجال ، ويتكوّن من رواق كبير في الوسط وثلاثة أروقة عن يمينه وثلاثة أخرى عن يساره ، ولهذا الجامع قبّة مرتفعة داخلية مصنوعة من الخشب تعلوها القبّة الرئيسة الخارجيّة المُغطّاة بألواح الرصاص ، ويتّسع لحوالي خمسة آلاف وخمسمائة مصلّ .
2 – المصلى المرواني: ويقع في أسفل الزاوية الجنوبية الشرقية للمسجد الأقصى المبارك ، بناه الأمويون كتسوية معمارية لهضبة بيت المقدس الأصلية المنحدرة جنوباً حتى يتسنّى البناء فوق قسمها الجنوبيّ. ويتكوّن من ستة عشر رواقاً ، وتم افتتاحه عام 1996 كمُصلّى ، وجاء هذا القرار رداً على تسريب وثيقة سريّة بمؤامرة صهيونية لتقسيم المسجد الأقصى المبارك باعتبار ما تحت الأرض لليهود وما فوق الأرض للمسلمين عام 1995.
3- مصلى الأقصى القديم ويقع تحت الجامع القبلي ، يُدْخَلُ إليه عبر درج يقع قرب الرواق الأوسط في الجهة الشمالية للجامع القبلي ، وهو ممر يتكون من رواقين باتجاه الجنوب ، ومن العناصر المعمارية المميزة فيه وجود قبّتين أمويتين مسطحتين فوق مدخله الجنوبي ، ويتّسع لحوالي ألف مصلٍّ.
4 – مسجد قبّة الصخرة: وهو البناء المثمن الأضلاع وبداخله تثمينة أخرى تقوم على دعامات وأعمدة أسطوانية ، وبداخلها دائرة تتوسطها الصخرة المشرفة ، وهو حالياً مصلى النساء ، ويقع هذا المصلى في منتصف المسجد الأقصى المبارك إلى اليسار قليلاً ، فهو بالنسبة للمسجد بمثابة القلب للجسد ، وهناك ثلاثة مساجد أخرى هي مسجد البراق في الناحية الجنوبية الغربية للمسجد ، ومسجد المغاربة في الزاوية الجنوبية الغربية أيضاً جنوب حائط البراق ، وجامع النساء في الجزء الجنوبي الغربي.
ثانياً: القباب ، يحتوي المسجد الأقصى المبارك على خمسة عشر قبة جميلة من التحف الإسلامية الخالدة التي تضفي عليه جواً قدسياً ، ودرتها القبة الذهبية للصخرة المشرفة ، وهي من أقدم وأعظم المعالم المعمارية الإسلامية ، وسميت بذلك نسبة إلى الصخرة التي تقع داخل المبنى والتي عرج منها صلى الله عليه وسلم إلى السماء في ليلة الإسراء والمعراج ، وهي أعلى بقعة في المسجد الأقصى المبارك ، والصخرة غير معلقة كما يعتقد عامة الناس ، لكن يوجد أسفلها مغارة صغيرة .
ومن القباب الأخرى في المسجد قبة السلسلة ، والقبة النَّحْوِيَّة ، وقبة المعراج ، وقبة محراب النبي عليه الصلاة والسلام والتي بنيت في المكان الذي صلى فيه النبي محمد إماما بالأنبياء في ليلة الإسراء ، وغيرها .
ثالثاً: المآذن ، للمسجد الأقصى المبارك أربع مآذن هي مئذنة باب المغاربة الواقعة في الجنوب الغربي ، ومئذنة باب السلسلة الواقعة في الجهة الغربية ، ومئذنة باب الغوانمة الواقعة في الشمال الغربي ، ومئذنة باب الأسباط الواقعة في الجهة الشمالية ، وقد أعلن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني عام 2006م عن نيته بناء المئذنة الخامسة في الجهة الشرقية من المسجد لتطل على جبل الزيتون.
رابعاً: الأبواب ، للمسجد الأقصى المبارك خمسة عشر باباً تقع كلها في أسواره ، منها عشرة مفتوحة حالياً ، وتقع جميع الأبواب المفتوحة في الجهتين الشمالية والغربية من المسجد ، وهي: باب الأسباط ، باب حُطَّة ، باب العتم ، باب الغوانمة ، باب الناظر ، باب الحديد ، باب القطانين ، باب المطهرة ، باب السلسلة ، باب المغاربة ، أما الأبواب المغلقة فخمسة هي : الباب المنفرد ، الباب المزدوج ، الباب الثلاثي ، الباب الذهبي ، باب الجنائز .
خامساً: الأروقة، وهي الممرات المسقوفة، وفي المسجد الأقصى المبارك رواقان: الغربي ويمتد بطول الواجهة الغربية للمسجد، ويستخدم لتسهيل المرور بين كافة المعالم الموجودة في جهته الغربية. والشمالي ويمتد بطول الواجهة الشمالية للمسجد، ويستخدم لتسهيل المرور بين كافة المعالم الموجودة في جهته الشمالية.
سادساً: المدارس ، تتميز المساجد في الإسلام بأنها دور عبادة وعلم معاً ، فكثير من المساجد تعتبر جامعاً وجامعة كالأزهر الشريف مثلاً ، ولذا حرص المسلمون على إقامة المدارس في المسجد الأقصى المبارك ووقفها على الشيوخ والطلاب المرابطين فيه طلباً للعلم والأجر ، ومدارس المسجد هي : مدارس ورياض الأقصى الإسلامية ، المدرسة البكرية ، ثانوية الأقصى الشرعية ، المدرسة الدلغادرية ، المدرسة الباسطية ، المدرسة الأمينية ، المدرسة الملكية ، المدرسة الأسعردية ، المدرسة المنجكية ، المدرسة العثمانية ، المدرسة الأشرفية ، المدرسة التنكزية ، المدرسة العمرية.
سابعاً: البوائك أو القناطر، وهي أعمدة تربطها عقود وتقع أعلى الدرجات الحجرية (المَرَاقي أو السلالم) المؤدية إلى صحن الصخرة المشرفة ، وأنشئت لتسهّل انتقال المصلين بين جهات المسجد دون الالتفاف حول الصحن ، وعددها ثمانية بوائك ، وفي البائكة الجنوبية لمسجد قبة الصخرة المشرفة من جهة المسجد القبلي توجد مزولة وهي ساعة شمسية لقراءة الوقت وتساعد في معرفة أوقات الصلوات.
ثامناً: الأسبلة، حرص المسلمون على توفير المياه للشرب والطهور في المسجد الأقصى المبارك فحفروا الآبار وأنشأوا الصهاريج والأسبلة في ساحاته لتخزين مياه الأمطار، والسبيل هو عين ماء وما لحقها من المرافق ، وقد زودوها اليوم بصنابير المياه والثلاجات، وهي كثيرة جداً منها مثلاً سبيل الكأس وسبيل قايتباي.
تاسعاً: الآبار ، فالمسجد الأقصى المبارك يحتوي على خمسة وعشرين بئراً ، ثمانية منها في صحن الصخرة المشرفة وسبعة عشر بئراً في الساحات المحيطة ، وفيها ماء يكفى المصلين الوافدين ؛ بل ويكفي كل سكان البلدة القديمة من مدينة القدس ، ومنها بئر الجنة وبئر رمانة.
عاشراً: المصاطب ، وهي مساحات مسطحة ترتفع قليلاً عن الأرض ولها محراب على شكل حَنْيَةٍ أو تجويف في جدار يحدد اتجاه القبلة ، وتستخدم المصاطب للجلوس والصلاة والتدريس ؛ وبالأخص في فصل الصيف ، وعدد مصاطب المسجد الأقصى المبارك ست وعشرون مصطبة.
إن هذه المكونات للمسجد الأقصى المبارك ما ذكرتُ وما لم أذكر هي جزء من المسجد الأقصى المبارك ، وأؤكد مجدداً أنه بأسواره وأساساته وفضائه وكل معالمه ومكوناته سواء التي فوق الأرض والتي تحت الأرض هو مسجد إسلامي خالص للمسلمين وحدهم ولا حق فيه لغيرهم أبداً لا من قريب ولا من بعيد ، فقد قرر الله عز وجل هويته الإسلامية هذه بقوله { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } الإسراء1 ، فأرض فلسطين تستمد بركتها من هذا المسجد ، والبركة هي القداسة والطهر ، لذا فالتفريط بأي جزء منه أو من محيطه كفر وإنكار لما قرره القرآن الكريم ، فالمسجد الأقصى المبارك وفلسطين هما من الآيات القرآنية التي نتعبد الله بتلاوتها وحمايتها من كل مؤامرة تستهدف هويتهما العربية الإسلامية ، وأؤكد أيضاً بأننا لن نقبل مطلقاً سيادة لغير المسلمين عليه أو على أي جزء منه ، كيف وقد بذل قادة الأمة وجُنْدُها وعلماؤها وشهداؤها وأسراها من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا كل غالٍ ونفيس ذوداً عن إسلاميته ! كيف وقد ثبت شهيد القدس الرئيس ياسر عرفات رحمه الله أمام المغريات والضغوط وتهديدات الإدارة الأمريكية في كامب ديفيد عام 2000 ليعترف لليهود بأي حق فيه حتى ولو تحت الأرض فلم يفرط بذرة من ترابه المقدس الطهور!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الشيخ الدكتور تيسير رجب التميمي: قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس
-150x150.jpg)