آخر الأخبار

تزكية الاصطفاء والاجتباء

شارك المقال على :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على نبيّ الهُدى والرحمة المهداة، والنعمة المسداة، سيدنا محمد عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين.

إضاءات إيمانية: الحلقة الثانية

د. عبد الكامل أوزال – عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين     

            الضابط الثاني:

  1. تزكية الاصطفاء والاجتباء:
    1. المسألة الأولى:

إن التزكية صبْغة وجِبِلّة اختصّ الله تعالى بها أنبياءه ورسله عليهم السلام. يقول تعالى:﴿لأهب لكِ غلاما زكِيّا﴾ مريم: 18. وقد جاءت التزكية في سياق هذه الآية وصفا ونعتا للنبي عيسى عليه السلام. يقول الإمام الشوكاني في تفسير كلمة " الزّكِيّ ":والزّكِيّ الطاهر من الذنوب، الذي ينمو على النزاهة والعِفّة . وهذا هو نفس المعنى الذي ذهب إليه الإمام البغوي بقوله:غلاما زكيّا ولدا صالحا طاهرا من الذنوب) . إن هذه الجِبِلّة هي ما يطبعه الله تعالى في أنبيائه ورسله «لا بالتعلم والممارسة، ولكن بالاجتباء والتوفيق الإلهي، أي بالاصطفاء الرباني الذي تتنزّل رحماته على العباد، بل على الكون بأسره، رحمات الهداية إلى صراط الله القويم. وقد بدأت هذه الرحمات بالاصطفاء الأول المُقدّر في علم الله جل وعلا، وهو اصطفاء آدم عليه السلام. يقول تعالى: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات، فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم﴾ البقرة: 37. لقد بدأ اصطفاء الله تعالى لآدم عليه السلام بأن ألقى عليه كلمات ليتوب، ويؤوب فتشمله رحمته الواسعة جل وعلا. يقول تعالى: ﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين﴾ الأعراف: 23. فبهذه الكلمات التي ألقاها الله تعالى على آدم عليه السلام تبدأ عملية الاصطفاء والإجتباء، إيذانا ببزوغ شمس الهداية التي تسطع على الكون، فتغمر أنوارها العباد والبلاد. يقول الله عزوجل: ﴿ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ طه: 122، أي اصطفاه وقربه كما يقول الإمام الشوكاني في تفسيره وهداه للتوبة فوفقه لهاكما في تفسير الإمام الطبري 

2.2- المسألة الثانية:

غير أن هاهنا مسألة لا بد من توضيحها وبيانها، ذلك أن الذنب الذي وقع فيه آدم عليه السلام لم يكن مقصودا لذاته، ولا متعمّدا ممّا لا يليق بمنزلة الأنبياء والمرسلين، ولا ممّا يُنْسب إليهم من وقوعهم في الذنوب عمدا منهم إليها، واقتحاما لها مع العلم بها. وحاش لله، فإن الأوساط من المسلمين يتورّعون عن ذلك، فكيف بالنّبيّين. ولئن كان الأمر كذلك فالذنب الذي وقع فيه آدم عليه السلام ليس محكوما بتكاليف شرعية ضابطة للثواب، أو العقاب. لذلك، كما يقول ابن عاشور «لم يكن ارتكابها بقادح في نبوءة آدم…يُضاف إلى ذلك ان العالم الذي عاش فيه آدم في مستهل حياته لم يكن (عالم تكليف) بالمعنى المتعارف عند أهل الشرائع، بل عالم تربية فقط، فإطلاق "المعصية" و "التوبة" و "ظلم النفس" مما ورد في قصة آدم هو بغير المعنى الشرعي المعروف، وتوبة الله عليه، بمعنى الرضا لا بمعنى غفران الذنوب، وظلم النفس بمعنى التسبب في حرمانها من لذّاتٍ كثيرة بسبب لذّة قليلة»([7])

3.3 – المسألة الثالثة:

ويشاء الله تعالى أن تبدأ تزكية الاصطفاء والاجتباء بآدم عليه السلام، لأنه أب البشرية ومن ظهره أخرج الله عز وجل نسله، مرورا بالأنبياء والمرسلين المبعوثين إلى أقوامهم، ليختمها الحق سبحانه وتعالى باصطفاء الرسول المصطفى ﷺ، وهي أعلى مراتب الاصطفاء في سيرورة النبوّة المشمولة برعاية الله وحِفْظِه وتأييده. ففي الحديث الذي أخرجه مسلم برواية واثِلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله يقول: «إن الله اصطفى كِنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم. وفي الحديث الذي أخرجه الترمذي برواية العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله إن قريشا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة من الأرض، فقال النبي : إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم من خير فِرقِهم، وخير الفريقين، ثم تخيّر القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثم تخيّر البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا. إن اصطفاء النبي ﷺ يختلف عن اصطفاء باقي الأنبياء والمرسلين الذين بُعثوا قبله، ذلك ان الله تعالى بشّر بمبعثه قبل ان يُخلق، وهو ﷺ ما زال في عالم الغيب، وجرت عليه أحكام النبوة من ذلك الحين، بخلاف الأنبياء السابقين، فإن الحكام جرت عليهم بعد البعثة، كما قال مولانا الجامي إنه كان نبيا قبل النشأة العنصرية. وهذا هو نفس المعنى الوارد في الحديث الذي أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: يا رسول الله متى وجبت لك النبوة، قال: «وآدم بين الروح والجسد» . ويشاء الله تعالى أن يجعل دورة الاصطفاء والإجتباء يكتمل بناؤها، بإرسال خاتم الأنبياء والرسل، محمد عليه أفضل الصلوات وأزكى التّسليمات، وتكتمل معه الرسالة الخاتمة. وقد ضرب الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام مثلا لعملية اكتمال دورة الاصطفاء هاته، بدار بناها رجل وأحسن بناءها، وأتقن صنعها وترك موضع لبنة فارغا، دون أن يكمله، فأخبر الرسول ﷺ أنه هو تلك اللبنة التي يكتمل بها البناء. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد في الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الإحالات:

[1] فتح القدير: 3/413

2تفسير البغوي: 3/74

3 رسالة التربية في القرآن الكريم: عبد الكامل أوزال، ص.84

4 فتح القدير: 3/489

5 تفسير الطبري: 7/5650

6 أحكام القرآن: 3/279

7التيسير في أحاديث التفسير: 4/101

8صحيح مسلم بشرح النووي: كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي ﷺ (2276)، 8/41

9العرف الشذي شرح سنن الترمذي: كتاب المناقب، باب: في فضل النبي ﷺ (3966)، 4/425

10 سنن الترمذي: كتاب المناقب، باب في فضل النبي ﷺ، 4/429  

11العرف الشذي شرح سنن الترمذي: 4/426، انظر أيضا: سنن الترمذي: رقم الحديث: 3609، ص.824

 

                                                       يُتْبــــــــــــع

                                

 

 

 

 

 

 

 


فتح القدير: 3/413

تفسير البغوي: 3/74

رسالة التربية في القرآن الكريم: عبد الكامل أوزال، ص.84

فتح القدير: 3/489

تفسير الطبري: 7/5650

أحكام القرآن: 3/279

التيسير في أحاديث التفسير: 4/101

صحيح مسلم بشرح النووي: كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي (2276)، 8/41

العرف الشذي شرح سنن الترمذي: كتاب المناقب، باب: في فضل النبي (3966)، 4/425

 سنن الترمذي: كتاب المناقب، باب في فضل النبي ، 4/429  

العرف الشذي شرح سنن الترمذي: 4/426، انظر أيضا: سنن الترمذي: رقم الحديث: 3609، ص.824

الشيخ عبد الكامل أوزال
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان