قراءة في الحراك الطلابي ومبشراته
بقلم: التهامي مجوري
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الحراك الطلابي هذه الأيام بالولايات المتحدة الأمريكية يبشر بنقلة نوعية، في التحولات التي يشهدها العالم اليوم، ورغم أن ظاهرها نشاط احتجاجي على الحرب الصهيونية على غزة، إلا أن جوهرها فعل احتجاجي على الانحرافات التي يشهدها العالم في جميع المجالات، اختزلت في الصراع الفلسطيني الصهيوني، التي اختُصرت فيه المشكلة الإنسانية بجميع أبعادها.
فعلى المستوى السياسي، فإن احتلال الصهاينة لفلسطين، من أخطر واخبث الاستعمارات التي عرفها الإنسان، احتلال استيطاني عنصري، متميز عن غيره من الاستعمارات، بكونه ممثلا للقوى الاستعمارية الكبرى، ولذلك وجدنا أن هذا الكيان مدعوما من القوى العظمى، امريكا وبريطانيا وألماني وفرنسا وغيرها…، فهو الوكيل الرسمي للاستعمار الغربي القديم أنشئ بعد الحرب العالمية الثانية، للحفاظ على مصالحه التي كانت له خلال الفترة الاستعمارية، التي حكم فيها الغرب جل العالم الثالث، حتى أن بريطانيا وصفت بالامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، بسبب اتساع رقعة مستعمراتها، وعلى المستوى الأخلاقي فإن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني وأهل غزة خصوصا من تجاوزات أخلاقية فاقت الخيال…، خلال هذه الأشهر السبعة، فلا قوانين الحروب محترمة، ولا المواثيق الدولية محترمة، ولا القيم الإنسانية لها قيمة في عرف هذا الكيان…، وكل ذلك بدعم غربي مطلق، وبمقررات دولية طاغية، متجاوزة كل مع عرف الإنسان من قيم، حقوق الانسان والحريات والعيش الكريم؛ بل إن كل ما تقرر في المؤسسات الدولية من قيم إنسانية قد داسه الكيان الصهيوني بلا مراعاة لأدنى شيء يتعلق بالإنسان وقيمه؛ متحديا جميع من عارضه ولم يوافقه على ما يفعل ويقول… اما على المستوى المعرفي فإن المعرفة بمنظورها الغربي قد أثبتت فشلها في قيادة العالم، وقد أعلن خبراء من الغرب نفسه عن فشل المنظومة المعرفية الغربية، بما طفى على السطح من انحرافات في جميع المجالات… وآخر هذه الدراسات الدراسة الصادرة في مطلع العام 2024، لمانويل تود الفرنسي “هزيمة الغرب”، وقد كانت هذه الدراسة مسبوقة بدراسات أخرى تصب في نفس المصب، مثل “نظام التفاهة”، “عبادة المشاعر”، “الحداثة السائلة”…إلخ.
والحراك الطلابي هذا هو جوهره، وهو الإخفاقات المعرفية التي يستبطنها الواقع الجامعي الأمريكي الذي أضحى خلية من خلايا الصهاينة لدعم الكيانم الصهيوني، في تطوير السلاح والدراسات النفسية والمخابرتية، إذ أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أول داعم للكيان الصهيوني؛ بل لا يتردد المسؤول الأمريكي في التصريح بضرورة “الدفاع عن إسرائيل”، وكأنها ولاية من ولاياتها، تمثل جزء من أمنها القومي. والطالب الأمريكي ومن ورائه المواطن الأمريكي أيضا، كلهم يشعرون بأن حماية الكيان الصهيوني هي على حساب حياتهم ومعاشهم، فالإعانات المالية الأمريكية من الضرائب التي يدفعونهان، والمخابر والعلمية والجامعات في خدمة هذا الكيان لحمايته من المحيط الذي يهدده، ولذلك وجدنا من المواطنين من يحتج على تحويل الضرائب التي يدفعها إلى قتل الأطفال والنساء في غزة، وكذلك الطلبة والأساتدة أيضا اليوم يحتجون على جامعاتهم ومخابرها، ذات العلاقة العلمية بالكيان الصهيوني، بغرض تطوير الأسلحة والوسائل التكنولوحية الحربية الصهيونية.
وعليه فإن التضييق الذي يتعرض له حراك الطلبة في الجامعات الذي بدأ في شكل مخيمات واعتصامات في الجامعة، سيكون سببا في تحول الحراك إلى الشارع، لا سيما بعد فض الاعتصامات بالقوة وحملة الاعتقالات التي يتعرض لها الطلبة من الحرم الجامعي، وتكييف التهم الموجهة للطلبة بكونها “معاداة للسامية” وتضييقا على الطلبة اليهود؛ بل وتشبيه نتنياهو حراك الطلبة بفعل الألمان في ثلاثينيات القرن العشرين… فيما يعرف بقصة العداء الألماني لليهود وقصة المحرقة.
وعندما ينتقل الحراك إلى الشارع، سيلتحق به تلاميذ الثانويات وربما سيلتحق به العمال أيضا، مثلما وقع ذلك في حراك الطلبة في فرنسا سنة 1968. وهو الحراك الذي هز فرنسا والعالم، بحيث اعتبر حراكا مؤثرا على التوجهات الغربية عموما في الكثير من المجالات، وكذلك حراك الطلبة في الصين سنة 1988/1989، الذي زعزع الإدارة السياسية الصينية يومها. وإضراب الطلبة الجزائريين في سنة 1956 الذي أعطى للثورة الجزائرية نفسا جديدا وبعد انطلاقها بسنة ونصف.
لا شك ان هذا الحراك الطلابي الغربي احتجاج على ما يقع خارج حدوده، وهو مختلف عن هذه النماذج الثلاثة، التي كانت لمصالح وطنية محدودة، إلا أن موضوع الاحتجاج الطلابي اليوم أعمق وأشمل من المصالح الوطنية المحدودة، حيث أخذ الحراك بعدا إنسانيا، يفرض على العالم وعلى القوى الغربية خاصة، مراجعة كل شيء بما في ذلك المعرفة العنصرية القاصرة المجتزأة والمختزلة في التجربة الغربية المهددة بالانهيار.
إن شعوبا الغرب على العموم غير مسيسة، على اعتبار أن الضمانات الإجتماعية قائمة، ولا يشعر المواطن الغربي بضرورة النشاط السياسي من أجل تحسين الوضع الاجتماعي، وهو من حيث ضمان الحقوق الأساسية، لا يوجد في الغرب من يعاني من ذلك بالقدر المخل… ولكن عندما يصل الأمر إلى خروج هذا المواطن إلى الشارع، احتجاجا على دولته في سلوك ما تجاه قضية من قضايا العالم، فمعنى ذلك أن هذه الشعوب شعرت بشي لم تنتبه إليه من قبل، غير الضمانات الإجتماعية، وربنا هو افضل منها وأهم، فالأمر جلل وبلغ المستوى الذي لا يطاق، لا سيما والمواطن في تلك البقاع يشعر بانه قادر على محاسبة حكامه فيما يفعلون ويقولون، وقد بلغ بكوكبة من المواطنين في بريطانيا أنهم اعتصموا أمام مخزن للسلاح للتعبير عن رفضعم تصدير السلام إلى الكيان الصهيوني.
وعندما ينجح الطلبة الأمريكان في نقل الاعتصامات والتظاهرات إلى الشارع، فإن المحتمل أيضا أن تنتقل حركة الطلاب إلى المدن الغربية الأخرى ومنها على وجه الخصوص: بريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها من البقاع مثل كندا واستراليا؛ بل إن الحراك الطلابي بدأ في جامعة السربون، وستلتحق به جامعات أخرى؛ لأن القضية تطورت تطورا هاما، لأنها تتطور في اتجاه الدعوة إلى المراجعة الشاملة، بما في ذلك المعرفة التي بنيت على اساسها القيم التي تحكم العالم اليوم.
وتحضرني بعض التفسيرات لنمو اليمين المتطرف في الغرب، الذي يفسر دائما على انه معادي للإسلام فيما يعرف بالاسلاموفوبيا، والحقيقة أن هناك تفسير آخر وهو أن شعوب الغرب اليوم تعاني من اليهود، أكثر مما تعاني من أي جهة أخرى؛ لأن اليهود هم المتحكمون في المؤسسات المالية والإعلامية والمنظمات السرية الكثيره وأشهرها الماسونية، وبلغ الطغيان اليهودي على الحياة الاجتماعية الغربية أن المواطن لا يستطيع أن يقول شيئا عن اليهود، بحيث ان من تسول له نفسه بالوقوف في وجد اليهود بقول او فعل، يجد نفسه خارج التاريخ…، بالمحاصرة والتضييق وربما بالاغتيال…، والتجارب كثيرة ولعل أشهرها محاصرة روجي غارودي الذي حوصر إلى أن مات وحرم من أن يدفن او يصلى عليه كمسلم، بسبب كتابه الذي نشره بعنوان “الأساطير المؤسسة لإسرائيل”. إن المواطن الغربي يخاف من ان يتكلم في موضوع اليهود لأن أياديهم طويلة، وما يشهده العالم من احتجاجات شعبية على فعل الصهاية في غزة وخاصة في الإطار الطلابي، يعد خطوة في اتجاه التحرر من هيمنة اليهود على الساحة الغربية في كل المجالات.
والأهم في هذا الحراك والذي تظهر بوادره، ولم تظهر قوى تأثيره بعد بالقدر الكافي، هو تفعيل مثل هذا النشاط، بتبني الأساتذة لهذا الحراك، والاستثمار في تعميمه ليبلغ المساحات الأكبر في اتجاه شل الجامعة وتوقيفها عن التدريس، والتسريع بنقل هذا الحراك إلى الشارع والمؤسسات الدستورية عبر إطارات المجتمعات الغربية عموما، في البرلمانات والنقابات والإعلاميين…إلخ.
ذلك أن مثل هذه الأنشطة الفعالة، إذا لم تجد الروافد المجاورة لها فإنها معرضة للمحاصرة والخنق في مهدها، لا سيما عندما عندما تكيف لها التهم الكبرى التي ينص القانون عليها صراحة، مثل معاداة السامية في القوانين الغربية، الذي يعتبر كل رأي مخالف للطروحات الصهيونية، معاداة للسامية. ورغم أن هذا المصطلح اليوم بعد طوفان الأقصى أصبح من الخرافات التي يبشر الواقع بزوالها.
ــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
-150x150.jpg)