آخر الأخبار

فداء الله تعالى لإسماعيل عليه السلام .. وسنة النحر في الأضحى

Picture of الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

شارك المقال على :

فداء الله تعالى لإسماعيل عليه السلام .. وسنة النحر في الأضحى

قال الله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)} ]الصافات:103-107[.

لقد تهيأ كل شيء لتنفيذ رؤيا إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه، ومع ذلك فإن الذبح لم يتم، فماذا حدث ؟ لقد همَّ سيدنا إبراهيم – عليه السّلام – بذبح ابنه، وتهيّأ كل شيء لتنفيذ الذبح، والأب موقنٌ بأن رؤياه إلهام من الله، والابن موقن أنه على صواب حينما رضي بالموت تنفيذاً لأمر الله، لقد استسلم الأب لأمر الله، واستسلم الابن لأمر الله، والقرآن حينما تحدّث عن حالتهما قال: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}. لقد أسلما رغم محاولة الشيطان أن يلعب دوراً في الاختبار والابتلاء، حين جاء الشيطان يوسوس إلى إبراهيم – عليه السّلام – مُوحياً بأن الأمر لا يخرج عن أن يكون رُؤيا، وكم في الرؤى من أضغاث أحلام، وهل من العقل أن يذبح إنسان ابنه مطيعاً رؤياه؟ لعلها وهم من الأوهام ولعلها خيال، مجرد خيال على أنه في الرؤيا -حسب وسوسة الشيطان- لم يؤمر بذبح ابنه، ولكنه رأى أن يذبحه، وفرق بين أن يؤمر بذبحه، وبين أن يرى أنه يذبحه، وأحسّ سيدنا إبراهيم بالشيطان يريد أن ينفذ إلى قلبه، فرجم الشيطان بسبع حصيات، وردّه خاسئاً مدحوراً، ولم ييأس الشيطان وهو العنيد اللجُوج، لقد انصرف من الأب إلى الابن قائلاً: إنّها مجرد رؤيا، أيذبحك أبوك من أجل رؤيا ؟ وأحسّ الابن بالمحاولة الخبيثة، وعرف أنّها محاولة شيطانية، فرجم الشيطان بسبع حصيات، ولم ييأس الشيطان، وهو العنيد اللجوج، فذهب مسرعاً إلى أم إسماعيل قائلاً لها: أدركي ابنك، إنّ أباه يريد أن يذبحه، استنقذيه منه قبل فوات الأوان، ورجمته الأم لثقتها بأن زوجها لا يتصرّف إلا في إطار الوحيّ، لقد رجمته هي الأخرى بسبع حصيات.

لقد رجم الجميع مصدراً من أهم مصادر الشرّ وهو الشيطان، وهذا الرمز الجميل – أعني: رجْم مصدر من مصادر الشرِّ- هو الذي يتكرر كل عام حينما يوشك الحجاج إلى بيت الله الحرام أن ينتهوا من حجِّهم، إنَّ حكمة رمي الجمار في الحج إنما هي رمي مصدر من أهم مصادر الشر والإثم والمعصية وهو “إبليس”، ورجمه مراراً وتكراراً، وتنتهي أعمال الحج بهذه الصورة الرائعة، صورة العزم المصمّم على الابتعاد المطلق عن الإثم والمعصية، وذلك تسجيل مؤكد وإعلان مشهود وإشهاد سافر على أنَّ الحاجَّ قد عزم عزماً لا تزعزعه أعاصير الشهوة أو مغريات الفتنة على أن يصبح خيراً  كله، لا مجال لنزغات الشيطان للتسلل إلى نفسه، فقد أصبح – بتطهير نفسه وبرجم الشيطان- من عباد الله المخلصين الذين لا سلطان للشيطان عليهم.

لقد أسلم إبراهيم وإسماعيل – عليهما السّلام – فلما أسلما أيّ: خلصا لله كلية واستسلما إليه استسلاماً مطلقاً، ثقةً وطاعةً لله ورضى وتسليماً له سبحانه وتعالى، وكلاهما لا يجد في نفسه إلا هذه المشاعر التي لا يصنعها غير الإيمان العظيم، وهذا هو الإسلام في حقيقته، فالذي صنعه إبراهيم وإسماعيل – عليهما السّلام- إنما هو الاستسلام لمراد الله، الاستسلام الواعي المتعقّل القاصد المريد، العارف بما يفعل، المطمئن لما يكون مع الرضى الهادئ المستبشر المتذوّق للطاعة وطعمها الجميل.

وهنا كان إبراهيم وإسماعيل – عليهما السّلام-  قد أدّيا، وكانا قد أسلما، وكانا قد حققا الأمر والتكليف، ولم يكن باقياً إلا أن يُذبح إسماعيل- بعد أن تلّه للجبين- أي أكبه على وجهه، ليذبحه من قفاه ولا يشاهد وجهه عند ذبحه؛ ليكون أهون عليه.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: فلما عزم إبراهيم – عليه السّلام – على ذبح ولده ورماه على شقه، قال الابن: يا أبت اشدُد رباطي حتى لا اضطرب، واكفف ثيابك لئلا ينتضح عليها شيء من دمّي، فتراه أمي فتحزن، وأحِدَّ شفرتك، وأسرع بها على حلقي؛ ليكون الموت أهون عليَّ، فقال إبراهيم – عليه السّلام -: نعم العبد أنت يا بني على أمر الله، ثم ضمّه إلى صدره، وأخذ يقبّله ويودّعه الوداع الأخير، ثم أسلم إبراهيم ابنه إسماعيل عليه السلام، فصرعه على شقه، وأوثقه بكتافه، ووضع السكين على حلقه وأمرّها فوق عنقه، ولكن السكين لم تقطع؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى الذي قد سلب خاصية الإحراق من النار التي أُلقي فيها من قبل إبراهيم – عليه السّلام -، هو سبحانه وتعالى الذي سلب خاصية القطع من السكين التي مرّرها إبراهيم على رقبة ابنه إسماعيل – عليه السّلام -، فقال إسماعيل الغلام الحليم: يا أبتِ كُبّني على وجهي، فإنك إذا نظرت إليّ أدركتك رحمة بي تحول بينك وبين أمر الله، ففعل إبراهيم الشفوق الرحيم، ثم وضع السكين على قفا ابنه المطيع، فلم تمضِ الشفرة، ولم تفُرِ الأوداج.

والمهم في القصة، أن الابتلاء قد تمَّ، والامتحان قد وقع، ونتائجه قد ظهرت، وغاياته قد تحققت، ولم يعد إلا الألم البدني وإلا الدم المسفوح والجسد الذبيح، والله لا يريد أن يعذب عباده بالابتلاء، ولا يريد دماءهم وأجسادهم في شيء، ومتى خلصوا له واستعدوا للأداء بكليّتهم، فقد أدّوا وقد حققوا التكليف، وقد جازوا الامتحان بنجاح، وعرف الله من إبراهيم وإسماعيل – عليهما السّلام – صدقهما، فاعتبرهما قد أدّيا وحقّقا وصدَقا. فجاء الخطاب الرباني لإبراهيم عليها السلام في قوله تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105)}:

أي: قد صدقت الرؤيا وحققتها فعلاً؛ فالله لا يريد إلا الإسلام والاستسلام بحيث لا يبقى في النفس ما تكنّه عن الله، أو تعزّه عن أمره، أو تحتفظ به دونه، ولو كان هو الابن فلذة الكبد، ولو كانت هي النفس والحياة وأنت – يا إبراهيم- قد فعلت، جُدّت بكل شيء، وبأعزّ شيء، وجُدّت به في رضى وهدوء وطمأنينة ويقين، فلم يبقَ إلا اللحم والدمّ، وهذا ينوب عنه ذبح أي ذبحٍ من دمّ ولحم، ويفدي الله هذه النفس التي أسلمت وأدّت، يفديها بذبحٍ عظيم، قيل إنّه كبش وجده إبراهيم مهيأً بفعل ربّه وإرادته ليجذبه بدلاً من إسماعيل.

وفي قوله تعالى: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} أي نجزيهم باختيارهم لمثل هذا البلاء، ونجزيهم بتوجيه قلوبهم ورفعها إلى مستوى الوفاء، ونجزيهم بأقدارهم وإجبارهم على الأداء، ونجزيهم كذلك باستحقاق الجزاء. وفي الآية إشارة إلى أن نجاح إبراهيم – عليه السّلام – وابنه إسماعيل – عليه السّلام – في هذا الامتحان لما فيه من الإحسان والإتقان في العمل، وهذه الدرجة جعلتهم من المحسنين لما استحقوا من ثواب على هذا الإحسان.

ومن معاني {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} أيّ: هكذا نصرف عمّن أحسن طاعتنا وعبادتنا المكاره والشدائد، ونجعل لهم من أمرهم فرجاً ومخرجاً، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} ]الطلاق:2[.

بيّن الله عزّ وجل أن هذا الامتحان لإبراهيم – عليه السّلام – هو الامتحان الكبير، فقال سبحانه: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ}؛ لأنَّه امتحنه في – أحبّ المخلوقات إليه – ابنه الوحيد البكر، وأمره أن يذبحه بيده، وهذا من أصعب الابتلاءات على النفس البشرية، ومع هذا نجح إبراهيم وإسماعيل – عليهم السّلام – بدرجة الامتياز.

وقد ظهر صفاء إبراهيم – عليه السّلام – وكمال محبته لربّه وخلّته، فلما قدّم حبّ الله، وآثره على هواه، وعزم على ذبحه، وزال ما في القلب من المزاحم، بقي الذبح لا فائدة فيه. وظهر من إسماعيل – عليه السّلام – انقياد واستسلام لأمر الله، وحلمٌ عجيب وصبرٌ يضرب به المثل، ومحبةٌ للخالق العظيم، وودُّ واحترام وتقدير للوالد الكريم صاحب الرسالة والنبوّة.

وفي هذا البلاء المبين قصة وعبرة قد تقع بنحو ما مع كل مؤمن، ويعيشها كل مؤمن، فالمؤمن لا بُدَّ أن يُمتحن، ولا بُدَّ من أن يوضع في اختيار صعب؛ ليظهر إيمانه ولتظهر طاعته، وليظهر حبه، وليظهر ورَعه، وخوفه، فإذا آثر رضوان الله على الدنيا نجح وأتته الدنيا راغمة، كما أخرج ابن حيان عن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه، وأرضى الناس عنه، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس.

ثم قال الله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} أيَّ فدى الله إسماعيل – عليه السّلام – بكبشٍ عظيم، ومعنى عظيم أي سمين أو عظيم القدر؛ لأنَّه يفدى به نبياً ابن نبي.

وروى الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إنَّ إبراهيم لما أمر بالمناسك، عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات، قال: قد تلّه للجبين.. وعلى إسماعيل قميص أبيض، وقال: يا أبتِ، إنه ليس لي ثوب تكفنّي فيه غيره، فاخلعه حتى تكفنّي فيه فعالجه ليخلعه، فنودي من خلفه: {أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا}، فالتفت إبراهيم فإذا هو بكبشٍ أقرت أعين.

ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} قال: خرج عليه كبش من الجنة قد رعى قبل ذلك أربعين خريفاً، فأرسل إبراهيم – عليه السّلام – ابنه واتّبع الكبش، فأخرجه إلى الجمرة الأولى، فرماه بسبع حصيات ثم أفلته عندها، فجاء إلى الجمرة الوسطى، فأخرجه عندها فرماه بسبع حصيات ثم أفلته، فأدركه عند الجمرة الكبرى، فرماه بسبع حصيات فأخرجه عندها، ثم أخذه فأتى به المنحر من مِنى فذبحه، فو الذي نفس ابن عباس بيده، لقد كان أول الإسلام، وإن رأس الكبش لمعلّق بقرنيه في ميزاب الكعبة حتى وحش، يعني: يبس.

ومضت بذلك سنَّة النّحر في الأضحى، ذكرى لهذا الحدث العظيم الذي يرتفع منارة لحقيقة الإيمان وجمال الطاعة وعظمة التسليم، والذي ترجع إليه الأمة المسلمة؛ لتعرف فيه حقيقة أبيها إبراهيم – عليه السّلام – الذي تتّبع ملّته، والذي ترث نسبه وعقيدته، ولتدرك طبيعة العقيدة التي تقوم بها أو تقوم عليها، ولتعرف أنّها الاستسلام لقدر الله في طاعة راضية واثقة ملبّية، لا تسأل ربّها لماذا؟ ولا تتلجلج في تحقيق إرادته عن أول إشارة وأول توجيه.

 

 

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

مظاهر التهويد في المسجد الأقصى بعد الإغلاق الأخير

لم يكن الإغلاق الأخير للمسجد «الأقصى» مجرد إجراء أمني عابر،

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد