لماذا الموت هو أخطر أنواع التطورات في حياة الإنسان على الإطلاق؟
الأستاذ بن سالم باهشام
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
(سلسلة خطبة الجمعة)
عباد الله، قال تعالى في سورة المؤمنون: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا، فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا، ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) [المؤمنون: 12 – 16]
عباد الله، هذه الآيات الكريمة من سورة “المؤمنون”، ترشدنا إلى الإعجاز العلمي في تطورات حياة الإنسان، وتذكر أن الموت ليس فناء كاملا للإنسان، إنما هو نوع من أنواع التطور الذي فرض وكتب على جميع المخلوقات ذات التطورات المختلفة، قال تعالى في سورة آل عمران: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ؛ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [آل عمران: 185]، وقال سبحانه في سورة الأنبياء: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً، وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: 35]. وقال عز وجل في سورة العنكبوت: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [العنكبوت: 57].
عباد الله، إذا كان موت الإنسان نوع من التطور، فإن هذا التطور هو أخطر هذه الأنواع على الإطلاق، لكون التطورات السابقة؛ كانت تطورات تدفع إلى الحياة الدنيا، أما هذا التطور، فإنه إنهاء للحياة الدنيا، وتخليص كلي منها، وإدخال في حياة أخرى مختلفة عن الحياة الدنيا في كل شيء. والتطورات السابقة للموت، كانت تطورات من تراب إلى نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظام كسيت لحما، ثم أنشأه الله خلقا آخر، فجاء سويا جميلا سميعا بصيرا متكلما، ثم تطور من طفل إلى صبي إلى شاب حتى صار شيخا هرما، أما التطور الجديد في مرحلة ما بعد الموت، فهو قبر ثم بعث ثم حشر ثم حساب، ثم نار أو جنة، شقاء أو سعادة إلى أبد الآبدين، وما قبل الموت يسمى الحياة الدنيا الفانية، وما بعد الموت يسمى الحياة الآخرة الباقية. والموت فاصل بين الحياتين، وليس إفناء للإنسان؛ به ينتهي ولا يُذكر.
عباد الله، ما قبل الموت حياة فيها الخداع والعبث، كما فيها الشرف والكرامة، فیها النفاق والكذب، کما فیها الصدق والوضوح، فيها الزور والبهتان، والشر والفساد، والضياع والشقاء، كما أن فيها الحق والهدى والصلاح، والبر والخير والسعادة.
ما قبل الموت حياة فيها وحوش البشر، وفيها هداتهم، فيها الأنبياء والعلماء العاملون، الذين فرّغوا أنفسهم لصالح البشر وإصلاح شؤونهم بأمر الله ووحيه، وفيها الجبابرة العتاة، والظالمون الذين لا همّ لهم إلا امتصاص دماء الناس وسلخهم من إنسانيتهم وحريتهم وكرامتهم.
ما قبل الموت حياة فيها الفتن التي تُطمس بسببها الحقائق، كالضباب يحجب شمس الحق عن عيون المفتونين، وفيها الشهوة الطاغية المستبدة بمن فقدوا الإيمان واليقين، كما أن فيها الذين هداهم الله فآمنوا وأصبحوا زاهدين، فعاشوا بين الناس بأخلاق الرحماء الأعفاء المحسنين.
عباد الله، إذا وضعنا مقارنة بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة، والتي يفصل بينهما الموت، وجدنا أن في الدنيا إنسان يحرس إنسانا، وفي الآخرة ملائكة من حول الجميع من الموقوفين، إما تدفعهم دفعا، وتسوقهم سوقا، وإما تستقبلهم وفودا، قال تعالى في سورة مريم: ( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا) [مريم: 85، 86]، في الدنيا إنسان يحاسب إنسانا ويحاكمه، وفي الآخرة الحكم كله لله الواحد القهار، قال تعالى في سورة إبراهيم: ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ، وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [إبراهيم: 48 – 51]، في الدنيا يوزن الإنسان بنسبه وحسبه ومنصبه وماله، وفي الآخرة تسقط كل هذه الموازين، ويبقى ميزان واحد فقط وهو التقوى، قال تعالى في سورة الحجرات: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) [الحجرات: 13]، وقال تعالى في سورة غافر: ( يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ؛ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ* الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ؛ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [غافر:16 – 17].
عباد الله، المطلوب من كل إنسان بعد معرفة هذه الحقائق، أن يراجع نفسه، ويصالح ربه، ويجعل عقله وقلبه وجسده في خدمة الغاية النبيلة، والسعادة الدائمة، والحياة التي ليس فيها إلا الجمال والكمال والحب والسرور والنعيم والمتع التي أعدها الله لأوليائه ومن فازوا برضاه. وسأحاول أن أقدم إليكم أهم ما يطلب عمله قبل الموت من أجل الوصول إلى رضوان الله تعالى وجناته ونعيمه الأبدي، والمؤمن الحصيف، لا ينتظر أمارات الموت ليراجع نفسه، إنما عليه أن يفعل ذلك في كل مرحلة من مراحل حياته، فقد يأتيه الموت بدون أمارات.
عباد الله، إن أول ما ينبغي المبادرة إليه دون تلكؤ أو تسويف أو انتظار، هو التوبة النصوح، والتي هي الرجوع إلى العمل بما يرضي الله، فإذا تاب العبد إلى الله، تاب الله على عبده، أي عاد عليه بالفضل والإحسان والثواب العظيم.
عباد الله، إن للتوبة النافعة مكانة عظيمة في حياة الإنسان، فهي من أهم الأعمال الإنسانية وأعظمها أثرا في حياته، لأنها تعتبر انتفاضة نفسية تزلزل الكيان الإنساني، وتغير الاتجاه الفكري، وتحدث في داخل الإنسان معركة ينتصر فيها الحق على الباطل، والهدى على الضلال، ويظهر أثر ذلك في السلوك والعمل والخلق، وجميع أقوال الإنسان وأفعاله وأحواله، فهي تحول فكري؛ يجعل الإنسان يشعر بالخطأ الذي ارتكبه، ويدرك خطر الذنب الذي عصى به ربه، والانحراف الذي هو فيه، والهلاك الذي هو منساق إليه. والتوبة تغير نفسي يُحدث الشعور بالندم والأسى والحزن لدى الإنسان بسبب جهله وحمقه وكفره بنعم الله، وهي تغيير في السلوك وجميع التصرفات، ليظل المسلم على الخط المستقيم، ويلتزم بما يرضي الله تعالى، ويقربه إليه مهما ضحى في سبيل ذلك.
عباد الله، إذا كانت هذه هي أهمية التوبة في حياة الإنسان، فبم تتحقق إذن؟ إن التوبة لا تتحقق إلا بثلاثة أمور أساسية:
* الأمر الأول: معرفة ضرر الذنوب وخطورتها على الإنسان، وكونها سبب البلاء والشقاء في الدنيا والآخرة، والعلم بأنها حجب بين العبد وبين كل محبوب يأمل نيله والوصول إليه.
* الأمر الثاني: حصول الألم النفسي بسبب الشعور السابق، فإن العاصي لله تعالى إذا أيقن أن معصية تحرمه محبوبه وتبعده عنه، وتجلب عليه الشقاء والعناء، فإنه يتألم لذلك تألما شديدا، وهذا التألم هو الندم.
* الأمر الثالث: ما يترتب على الندم من ترك للمعصية؛ وعزم صادق على عدم العودة إليها مستقبلا، ثم العمل على تدارك ما يمكن تداركه، وعلاج ما أوجب الشرع علاجه، مثل قضاء الصلوات والصيام والزكاة والحج، وردّ الحقوق إلى أصحابها، والتحلل من المظالم التي عليه للناس، سواء منهم القريب والبعيد.
عباد الله، أما شروط التوبة عند العلماء، فقد قال الإمام النووي رحمه الله كما جاء في منهل الواردين، شرح رياض الصالحين: (قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى، لا تتعلق بحق آدمي، فلها ثلاثة شروط:
أحدها: أن يقلع عن المعصية.
والثاني: أن يندم على فعلها.
والثالث: أن يعزم على ألا يعود إليها أبدا.
فإن فقد أحد الثلاثة، لم تصح توبته، وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي، فلها شروط أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالا أو نحوه رده إليه، وإن كانت حدّ قذف ونحوه رده ومكنه منه، أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة قد بلغته استحله منها، ويجب أن يتوب من جميع الذنوب، فإن تاب من بعضها، صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب، وبقي عليه الباقي) [منهل الواردين، شرح رياض الصالحين، ص: 51]، وقال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: (وكثيرا ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين: (الندم توبة)، إذ لا يخلو الندم عن علم أوجبه وأثمره، وعن عزم يتبعه ويتلوه).
فيا عباد الله، هذا خالقكم يدعوكم إلى الرجوع إليه، وعدم القنوط من رحمته فيقول في محكم كتابه من سورة الزمر: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ، أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ* وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الزمر: 53 – 61].
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
-150x150.jpg)