آخر الأخبار

عاشوراء: يوم تدور فيه رحى الزمان بين نصر ونذير

شارك المقال على :

عاشوراء: يوم تدور فيه رحى الزمان بين نصر
ونذير

بقلم: د. أسامة عيد

رئيس لجنة الشباب بالاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين

 

في سجل الأيام الخالدة التي يسميها العارفون “أيام
الله”، يبرز يوم عاشوراء كعلامة فارقة، ومحطة مفصلية تتكثف فيها العبر
وتتلاقى فيها أقدار الحق والباطل في مشهد مهيب. إنه ليس مجرد يوم في تقويم، بل هو
ذاكرة حية للأمة، ومرآة تتجلى فيها سنن إلهية لا تتبدل، حيث يدور الزمان ليعود
المشهد ذاته بصور مختلفة، لكن بجوهر واحد: صراع الحقيقة ضد الطغيان.

عبر تلافيف التاريخ، ارتبط هذا اليوم بخير عظيم، وفضل
عميم خصّ الله به نبيه موسى عليه السلام وقومه. ففي هذا اليوم، بلغ طغيان فرعون
منتهاه، ووصل الاضطهاد ببني إسرائيل إلى شفا الهاوية. وعندما وقفوا أمام بحر هائج
وعدو جبار خلفهم، وظنوا أنها النهاية الحتمية، صدح صوت اليقين من نبي الله: “كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ”.

لم تكن هذه الكلمات مجرد أمنية، بل كانت خلاصة مسيرة
طويلة من الإعداد والتربية الإلهية.

هذه اللحظة المعجزة التي انشق فيها البحر لتكون نجاة
لقوم وهلاكاً لآخرين، لم تكن وليدة مصادفة. لقد سبقتها سنوات من الدعوة والصبر،
وسبقها اضطهاد لا يحتمل، وشهدت طفولة نبي وُضع في تابوت وأُلقي في النهر، ليجد
الأمان في قصر عدوه. كانت رحلة محفوفة بألطاف الله الخفية: من إلقاء المحبة عليه،
إلى صناعته على عين العناية الإلهية، ورده إلى حضن أمه كي يكتمل بنيانه العاطفي،
ثم خروجه إلى مدين، وتلقيه للرسالة، وعودته بالآيات البينات التي واجه بها جبروت
فرعون. لقد كان النصر في عاشوراء تتويجاً لكفاح مرير، وترسيخاً لقاعدة أن الحق وإن
طال به الأمد، منتصر.

وعندما جاء نبينا الخاتم، محمد صلى الله عليه وسلم،
وأعلن أنه أولى بموسى من غيره، لم يكن يعلمنا فقط شكر النعم وإن تقادم عهدها، ولا
يربي فينا محبة الأنبياء واحترام تضحياتهم فحسب، بل كان يغرس في وعي الأمة مبدأ
أسمى: إحياء ذكرى انتصار المبدأ على القوة، وهزيمة الظلم مهما تجبر. وفي هذا
الإحياء، رسالة بأن لحظات علو الحق ليست استثناءً، بل هي نتيجة حتمية لتراكمات
الصبر والثبات.

وسنة الله في التدافع بين الحق والباطل لا تتوقف عند
النصر، فما كاد بنو إسرائيل يعبرون البحر ويرون بأعينهم أعظم آية، حتى مروا على
قوم يعكفون على أصنام لهم، فطلبوا من موسى وقد جفت أقدامهم من ماء النجاة: {اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}ـ
هنا يأتي الجواب القاصم من موسى، مفاصلة تامة لا مواربة فيها: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}، ليثبت أن
المعركة الأكبر تظل كامنة في النفوس، وأن الانتصار الحقيقي هو الثبات على المبدأ
بعد النجاة.

لكن التاريخ لا ينتهي هناك. ففي ذات اليوم، وعلى أرض
أخرى، كان للقدر موعدٌ مع شهادة، وشمس كربلاء كانت تكتب بالدم صفحة أخرى من كتاب
التدافع بين الحق والباطل.

الإمام الحسين، سبط النبي وريحانته، خرج من المدينة لا
طلبًا لملك، ولا سعيًا لثأر، بل لأن الصمت أمام الظلم خيانة، ولأنّ في صوته قبس من
نور النبوة، ومن ميراث جده المصطفى. دعوه أهل الكوفة، وبايعوه، ثم نكثوا…
وخذلوه، وقاتلوه، حتى قضى عطشان، ومعه رجال من أهل بيت النبوة، على ثرى كربلاء،
بين صيحات البغي ودموع الملائكة.

عاشوراء ليست فصلًا واحدًا من الحكاية، بل مشهدان من
مشاهد سنة التدافع الإلهي، بين نبي نجا، وسبط استُشهد… وبين قوم أغرقهم الله،
وآخرين قتَلوا حفيد وريحانة من أخرجهم من الظلمات إلى النور.

هكذا يدور الزمان، وتتكرر السنن، ويعيد التاريخ دروسه في
لباس جديد. بين البحر والصحراء، بين العصا والسيف، بين موسى والحسين… تتجلّى
الرسالة: أن الحق لا يُقاس بالقوة، بل بالثبات؛ وأن النصر لا يكون دومًا في
النجاة، بل أحيانًا في الشهادة.

إنها عاشوراء… حيث يبقى الحق نبراسًا، والباطل وإن بدا
غالبًا، فإنه إلى زوال… وتبقى الدماء الزكية تنبت أملًا في ضمير الأمة، إلى أن
يرث الله الأرض ومن عليها.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان