بسم الله
الرحمن الرحيم
النظرية الابتكارية في الحضارة الإسلامية
بقلم: الشيخ د. محمد سالم بن دودو
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
لا
يخفى ما في القرآن الكريم من دعوة صريحة متكررة إلى التأمل في الكون
بأجرامه اللامعة، وكائناته الحية، وجباله الشامخة، وأجوائه الرحبة، وبحاره الزاخرة..
وما في ذلك من تشجيع على استكشاف نواميسه وإعمال العقل لتوظيفها في تقوية الإيمان
بالخالق وحسن عمارة الأرض.
ولذلك
لم يختلف الباحثون والمؤرخون في عناية الدولة الإسلامية وخاصة في الحكمين الأموي
والعباسي باكتساب المعارف التجريبية وتطويرها، حيث حرصوا على اقتناء الإرث العلمي
لكل الحضارات التي فتحوا بلدانها أو تواصلوا معها، وعملوا على دراسة هذا الإرث
وتمحيصه أولا، ثم تطويره ثانيا.
وقد
كان ذلك في فترة شهد فيها العالم بأسره ولاسيما الغربي منه ركودا شديدا في جميع
المجالات المعرفية، طيلة أزيد من سبعة قرون عرفت في تاريخهم بعصور الانحطاط.
ففي الطب؛ أرسى
أبو بكر الرازاي (تـ بعد 332هـ) القواعد الأولى لعلم التشخيص الطبي، وقعد أبو
القاسم الزهراوي (تـ403ه) أسس علم الجراحة، واخترع أهم أدواتها في زمانه من مناظير
ومشارط، ولا يزال بعض أدواته اليوم مستخدما في أدق التخصصات، كجراحة الأعصاب
والدماغ وغيرها.. وقد دون معارفه ومهاراته ومخترعاته في كتابه الموسوعي “التصريف”
ذي الثلاثين مجلدا.
وكان
ابن سينا (تـ428هـ) أول من أرسى قواعد علم الطفيليات، فتحدث عن انتقال العدوى عبر
المياه والهواء، وحدد أسباب العديد من الأمراض الفتاكة.. وألف في ذلك كتبا منها “القانون
في الطب”.
واكتشف
ابن النفيس (تـ687هـ) الدورة الدموية الصغرى، وكان قبل هؤلاء للفيلسوف أبي يوسف
الكندي (تـ256هـ) وبعدهم لابن البيطار (تـ646هـ) وغيرهما إسهامات رائدة في إرساء
قواعد علم الصيدلة.
وقدم
ابن سهل البلخي (تـ322هـ) مبادئ الصحة النفسية في كتابه “مصالح الأبدان
والأنفس”، وتحدث ابن الهيثم (430هـ) في كتابه “المناظر” عن
سيكولوجيا الإدراك البصري، ومهد لظهور فرعي علم النفس التجريبي والفيزياء النفسية،
وكان أولَ مؤسس لعلم البصريات ومخترع أول كاميرا بدائية (الغرفة المظلمة) التي
مهدت للتصوير الفتوغرافي، ثم كانت حجر الأساس في اختراع الكاميرات الحديثة.
وإلى
الحضارة الإسلامية يرجع الفضل -بلا منازع- في ظهور المستشفيات العامة والمتخصصة في
الحضارة البشرية.
وفي الكيمياء؛ كان
جابر بن حيان (تـ199هـ) أول مؤسس لعلم الكيمياء عموما وخاصة فرع الكيمياء
التجريبية، وطور عمليات التبخير والتقطير والتبلور، واكتشف العديد من المركبات
والأحماض، كالكحول وحمض الكبريت وحمض النيتريك..
وقد
تابع هذا التأسيس أبو القاسم مسلمة المجريطي (تـ398هـ) صاحب “نظرية بقاء
المادة” التي هي من أهم أسس الكيمياء، وصاحب “كتاب الأحجار” الذي شرح
فيه الخصائص الكيمياوية للعديد من المعادن والأحجار الكريمة.
وحدد
أبو الريحان البيروني (تـ440هـ) الكثافة النوعية لثمانية عشر نوعا من أنواع
الحجارة الكريمة، وأرسى أُسُس قواعد الكثافة النوعية وكيفية قياسها بالوزن النوعي،
وكانت حسابته غاية في الدقة في معظمها.
وفي الفيزياء؛ بحثوا
علم الصوت ومنشأه وانتقاله وموجاته، وفسروا الصدى وتردداته.. واكتشف عبد الرحمن الخازني
(تـ550هـ) قوانين الحركية والسكون، والميل والانحدار.. ولا تزال نظرياته في ذلك
تدرس في تخصصي الديناميكا والهيدروستاتيكا.
وطور
الخازني نظرية البيروني (تـ440هـ) في الكثافة والأوزان، وطبقها على عشرات المواد
الصلبة والسائلة، فوصل إلى نتائج أكد العلم الحديث دقتها. كما طور آلة الوزن التي
اخترعها البيروني إلى ميزان ذي خمس كفات تتحرك إحداها على ذراع مدرج يقيس أوزان
المواد المغمورة في الماء أو الهواء والسوائل والغازات، ممهدا بذلك لاختراع ميزان
الضغط في العصر الحديث (البارومتر)، وله تأليف نفيس في ضمنه الكثير من مبتكراته
وسماه “ميزان الحكمة”.
وقد
أظهرت الدراسات الحديثة للمخطوطات الإسلامية أنها سبقت انيوتن إلى إرساء قواعد
الجاذبية والحركة بسبعة قرون كاملة، ولم يقتصر ذلك على جهود البيروني والخازني، بل
سبقه كذلك ابن باجة الأندلسي (تـ533هـ) إلى تقرير القانون الفيزيائي العظيم، أنه؛
(لكل قوة رد فعل).
وفي الرياضيات والهندسة؛ ما تزال مادة الجبر -وهي أدق علم في الرياضيات-
تحمل اسم مخترعها الفيزيائي جابر بن حيان (تـ199هـ)، ويحمل أدقُّ تخصص فيها اسم أبي
جعفر الخوارزمي (تـ232هـ) رائد تطوير الجبر، حيث كان أولَ من اعتبر الصفر رقما
حقيقيا واستخدمه لإرساء النظام العشري الذي سهل الكتابة والحساب، وأدخل المجاهيل
في المعادلات الحسابية فاتحا بذلك المجال لما عرف لاحقا بالخوارزميات، الذي هو
العنصر الأساس في عمل أحدث الحواسيب العصرية، ويؤكد هذا المعنى عميد محرري إحدى
أشهر الصحف الألمانية قائلا: «ما كان للعالم اليوم أن يرى الأنترنت والحاسوب لولا
ما سطره العالم المسلم أبو جعفر الخوارزمي».
كما
أسهم المسلمون في وضع أسس علم الاحتمالات الذي يرتكز عليه اليوم العديد من
النظريات الإحصائية، والاقتصادية والرقمية وغيرها.
وكان
للبتاني (تـ317هـ) والبيروني (تـ440هـ) أعظم دور في تطوير حساب المثلثات، بل كان
لهم الفضل في اختراع علم المثلثات الكروية الذي لا يزال هو المعتمد الأوحد في نظم
الملاحة والفضاء وتوجيه الأقمار الصناعية والصواريخ وتحديد المواقع والاتجاهات حتى
اللحظة.
وفي الفلك والجغرافيا؛ أطلق المسلمون ثورة لم يشهد المتقدمون مثلها،
وعجز اللاحقون عن الزيادة على بعض إنجازاتها، وكان بعضها الآخر أساسا لمعظم ما تم
في العصر الحديث من تقدم في هذين التخصصين.
وقد
شهدت الدولة العباسية الأولى عناية فائقة بهذين التخصصين وغيرهما، تمثلت أجلى
مظاهرها في طفرة المراصد الفلكية التي شجعت الرصد وعمقت البحث وأثْرت المعارفَ
بالاكتشاف والابتكار والتطوير، ولعل من أقدمها وأهمها مرصد جبل قاسيون بدمشق؛ الذي
شيد عام 214هـ، ولا يزال بنيانه اليوم شامخا على قمة الجبل، ومرصد الشماسية ببغداد،
وهما أول ما شيد من المراصد في التاريخ الإسلامي، وكان ما بعدهما من المراصد أكثر
تطورا، كمرصد سامراء الذي صمم فيه الأخوان محمد (تـ259هـ) وأحمد ابني موسى بن شاكر
أول قبة سماوية عرفتها البشرية، وكانت على شكل كرة كبيرة تحمل صور النجوم والبروج
والمنازل، ويدحرجها تدفق مائي محسوب بدقة لتظهر فيها صورة أي نجم في اللحظة التي
يظهر فيها في السماء، وتختفي في اللحظة التي يختفي فيها من السماء.
وقد
أفضت طفرة المراصد هذه إلى جملة من القياسات أكد العلم الحديث دقة أغلبها، ومنها
على سبيل المثال حسابات البتاني (تـ317هـ) لتعيين انحراف سمت الشمس بـ23 درجة و33
دقيقة و52 ثانية، وقياسه لطول السنة الشمسية بدقة عالية لم يتجاوز الفرق بينها
وبين أحدث القياسات المعاصرة أكثر من دقيقتين و26 ثانية، محددا موعد الاعتدالين
والانقلابين بدقة لا تختلف عما توصلت إليه الحسابات الحديثة بأكثر من نحو ساعتين، مشككا
بهذه القياسات في نظرية بطليموس عن مركزية الأرض، ومرجحا كرويتها.
وكان
الفزاري (تـ189هـ) صاحب أقدم محاولة معتبرة لقياس عمر الكون، وأول من عمل
الاسطرلابات المبطحة والمسطحة في الإسلام، ليطور بعده البيروني (تـ440هـ)
الإسطرلاب الأسطواني، ويطور السجسي (تـ477هـ) الاسطرلاب الزورقي ذي القطبين، ويطور
أبو إسحاق التجيبي الزرقالي (تـ480هـ) اسطرلابه “الصفيحة الزرقالية” أو
الاسطرلاب الزرقالي الذي راج كثيرا في الملاحة البحرية في العالم عموما وفي أوروبا
خصوصا حتى القرن السادس عشر الميلادي.
والاسطرلاب
في أدق وصف له هو عبارة عن حاسوب شخصي خفيف المحمل، سهل الاستخدام، دقيق المخرجات،
متعدد الاستخدمات؛ حسابا للزوايا والأبعاد والمواقيت والمطالع والمغارب، ورصدا
للشمس والقمر والنجوم والبروج، وتحديدا للجهات، والاتجاهات، والمسارات، وغيرها.. مع
التنبيه إلى وجود اسطرلابات ثابتة كبيرة الحجم شبيهة بالحواسيب الثابتة، تستخدم في
المراصد والموانئ ونحوهما.
وكان
–كذلك- من أشهر الفلكيين المسلمين عبد الرحمن الصوفي الرازي (تـ376هـ) الذي قدم
رسما لخريطة السماء يتضمن مواقع 250 نجما وأحجامها ودرجة لمعانها، وفهرسا صحح فيه
أخطاء من سبقوه لدراسة النجوم، واكتشف العديد من النجوم وبعض المجرات مثل مجرة
اندورميدا التي وصفها باللطخة السحابية، ومجرتي ماجلان الكبرى والصغرى.
ومنهم
أبو محمد الصاغاني الاسطرلابي (تـ379هـ)، الذي قدم نظرية جليلة في قياس السنة
الاستوائية وفصولها مغايرة لنظرية بطليموس، وأبو سهل الكوهي (تـ390هـ) صاحب مرصد
بغداد وصاحب كتاب “صنعة الاسطرلاب بالبراهين”، وابن يونس المصري
(تـ398هـ) أول مطور لأدق ساعة شمسية عرفت في العصور القديمة.
وكان
البيروني (تـ440هـ) أول من أثبت حركة أوج الشمس، وحدد خطوط العرض والطول بدقة
أكثر، ووضع نظريات بالغة الأهمية في قياس الزوايا الفلكية.
وكان
من إبداعات الزرقالي (تـ480هـ) الكثيرة الرائعة قياسه الدقيق لرحلة ميل أوج الشمس
حيث حددها بمقدار 12.04 ثانية قوسية بالنسبة للنجوم الثوابت، بفارق 0.06 عن أدق
تحديد معاصر لها بمقدار 11.08، كما أثبت أن طول البحر الأبيض المتوسط هو 42 درجة،
خلافا لتقدير بطليموس له بـ62 درجة.
وكان
لابن الشاطر الدمشقي (تـ777هـ) الفضل في نسف نظرية بطليموس حول مركزية الأرض، بعدما
شكك في صحتها العديد ممن سبقوه، كالبتاني (تـ317هـ)، ونجم الدين الكاتبي القزويني
(تـ675هـ) وقطب الدين الشيرازي (تـ710هـ)؛ فقدم بدلا منها نموذجا مبتكرا يثبت
مركزية الشمس. وحدد بدقة متناهية -قبل كوبرنيكوس بقرنين كاملين- مداري عطارد
والقمر، كما وصل إلى قياس لزاوية انحراف دائرة البروج أدق من قياس البتاني المتقدم،
يقل الفارق بينه وبين القياس المعاصر عن 20 ثانية. كما ابتكر العديد من الآلات
كالساعة النحاسية، وطور اسطرلابا آلي الدوران لا يجاوز حجمه نصف ذراع.
ولم
ير المسلمون في شيء من النظريات المذكورة مصادمة للدين، بخلاف الكنيسة الأوربية
التي شكلت محاكم التفتيش لشنق من يقول بكروية الأرض ودورانها.
ويعد
أبو علي الحسن المراكشي (تـ660هـ) أول من طبق خطوط الطول ودوائر العرض بدقة على
الكرة الأرضية، وقدم أدق قياس في عصره لأزيد من ستين مدينة إفريقية، بعد أن اقتصر تطبيق
خطوط العرض والطول عند المتقدمين على القبة السماوية وأجرامها.
وفي التكنولوجيا والميكانيكا؛ التي كانت تسمى حينها “صناعة الحيل”
برع في أواسط القرن الهجري الثالث أبناء موسى بن شاكر الثلاثة، وخاصة أحمد، فصمموا
ما يناهز مئة جهاز متطور، من أغربها تلك “الجرة الذكية” الصديقة للبيئة
المرشِّدة للمياه التي ينساب منها الماء على دفعات مضبوطة بالمقدار وبالتكرر، على
نحو ما نرى اليوم في المغاسل الذكية في الحمامات الحديثة التي تتحكم فيها مستشعرات
ذكية، وقد استخدم هذا الجهاز الأوتماتيكي للتحكم في الري الصناعي للمزارع.
ولعل
من أهم ما توصل إليه الفريق العلمي البحثي لبني موسى بن شاكر في مسيرتهم
الابتكارية هو التوصل إلى أنظمة تحكم آلي تعتمد على مبدإ الارتداد كانت بعد 1200
سنة أحد أبرز أسس أنظمة التحكم في الروبوتات الحديثة، مما يكسبهم بامتياز لقب رواد
النظرية الآلية.
وقد
تقدمت الإشارة إلى نموذج فريد من إنجازات هذا الفريق وهو القبة السماوية الآلية
التي صمموها في مرصدهم الفلكي الشهير بسامراء.
وقد
ألف هذا الفريق كتابه الجماعي المسمى “الحيل”، فضمنوه وصفا مستفيضا
لمائة جهاز تقني من أبرز اختراعاتهم “الروبوتية” النافعة، وظل هذا
الكتاب عبر القرون أهم مرجع في علم الميكانيكا القديم، وفي أسس التكنولوجيا
الحديثة ومبادئها كالأتمتة (IA) التي تعني آلية التشغيل.
وكان
الفلكي الفيزيائي أبو سهل ابن رستم الكوهي (تـ390هـ) الذي اهتم فيزيائيا بالبحث في
القوانين المحددة لمراكز الأثقال في الكتل والأجسام، قد استغل معارفه تلك للبحث
النظري والتجريبي في المبادئ الميكانيكية المعينة على رفع الأثقال بسهولة وجرها
بالقوى اليسيرة.
وبعد
هذا التأسيس المكين في صدر القرن الهجري الثالث، وما تلاه في القرون الأربعة
اللاحقة من إبداعات تكنولوجية وميكانيكية جبارة، شارك فيها عدد هائل من علماء
المسلمين؛ نقل تقي الدين ابن الجزري (تـ602هـ) علم الميكانيكا من طور التأسيس إلى طور
النضج، وألف في ذلك كتابه “الجامع بين العلم والعمل، النافع في صناعة
الحيل”، وقد سبق كتابَ ابن الجزري كتاب ذو أهمية بالغة ألفه علي بن خلف
المرادي في القرن الخامس، وسماه “كتاب الأسرار في نتائج الأفكار” عرف
فيه بنحو 30 جهازا آليا من أغرب ما عمل في علم الحيل إلى حينه.
ولعل
من أهم إبداعات الجزري في الميكانيكا وانفعها للناس اختراعه لأول مضخة مكبسية
ذاتية التشغيل عرفتها البشرية، وهي أول تطبيق عملي للقانون الفيزيائي في تحويل
الحركة الدوارة إلى حركة ترددية (التمثيل المزدوج). وقد أسهمت هذه المضخة في تطوير
أنظمة الري بدمشق وبغداد.
وفي
أواخر القرن الثالث الهجري أيضا، وفي الأندلس في أقصى الغرب الإسلامي كان للتجارب
التكنلوجية حضور عظيم مع المخترع الملهم عباس بن فرناس (تـ274هـ) الذي أرسى قواعد
صناعة الزجاج الشفاف وصنع منه أول نظارات طبية، وابتكر أول قلم حبر في التاريخ،
وطور الساعة المائية (الميقاتة)، وكرس آخر حياته لوضع أسس علم الطيران، فكان أول إنسان
يحلق بجسمه سابحا في الجو لبعض الوقت وعلى ارتفاع شاهق، مستخدما جناحين صنعهما من
الريش والحرير، غير أنه واجه مشكلة فنية أثناء النزول إلى الأرض، إذ غاب عن
حساباته قبل الدخول في تجربته دور الذيل في حفظ التوازن، فارتطم جسمه بالأرض أثناء
الهبوط، مما تسبب له في بعض الكسور، لكنه لم يمت في هذه التجربة خلافا لما يشاع،
بل عاش بعدها اثنتي عشرة سنة.
وربما
لا يعلم الكثيرون أن أبا نصر إسماعيل بن حماد الجوهري (تـ393هـ) صاحب الصحاح في
اللغة، كان –باتفاق المترجمين له- هو صاحب ثاني محاولة للطيران بعد عباس بن فرناس
استخدم فيها جناحين خشبيين وكانت سبب وفاته، ويفسر بعض معاصريه تصرفه هذا بالوسوسة
والجنون، بينما يراه بعض المتأخرين جزءا من عبقريته وسعيه للابتكار والتطوير
التكنولوجي.
وقد
أورد د. قتيبة الشهابي في كتابه “الطيران ورواده في التاريخ الإسلامي”
محاولة ثالثة لقسطنطيني لم تصرح المصادر باسمه، خاض في حدود سنة 493هـ تجربة
مماثلة مستخدما جناحين قماشيين تمزقا أثناء المحاولة، فوقع على الأرض فمات.
هذا؛
ولم تكد الدولة الإسلامية تضعف وتتصدع حتى بدأت هذه النهضة تتلاشى وتتوقف، قبل أن
يستحوذ الغرب على خزائنها منذ انطلاق الحملات الصليبية إلى اليوم.. وبلغت الكارثة أوجها
فنُسب أغلب هذه النظريات إلى من ولدوا بعد تأسيسها بقرون قد تربو على الإثني عشر؛
فكان ذلك أعظم فاتحة لما شهدته القرون الثلاثة الماضية من ركود حضارة المسلمين
ونهوض حضارات غيرهم.
ولا
سبيل إلى استعادة نهضة الأمة وصدارتها إلا بإعادة الأخذ بأسباب العمارة من جديد،
عبر تبصير الأجيال بما كان لأسلافهم من دور مشهود في تطوير العلوم التجريبية على
اختلافها، ودفع لهم إلى الريادة فيها إسهاما في الإحياء الحضاري المنشود.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
-150x150.jpg)