آخر الأخبار

تفكيك منظومات الاستبداد (٥٨): الحضارة الغربية تدمر نفسها من أجل الصهيونية

شارك المقال على :

تفكيك منظومات الاستبداد (٥٨): الحضارة الغربية تدمر نفسها من أجل الصهيونية

بقلم: جاسر عودة

عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

لم يهتز المجتمع الغربي في السنوات الأخيرة -وأعيش فيه منذ عقود وأعرفه جيدًا- كما اهتز لاستشهاد الصحفي الرائع البطل / أنس الشريف ورفاقه، فقد وافق استشهاده -تقبله الله في عليين- انقسامًا حاليًا في دوائر صنع القرار السياسي والإعلامي في الغرب بين نخبتين: ”نخبة“ مثقفة ذكية ورثت الحكم عن جيل سابق عليها ربّاها على مهارات الحكم ومتطلبات الريادة الحضارية -من وجهة نظرهم بطبيعة الحال-، وهؤلاء يرون الآن أن الاستمرار في تأييد الصهيونية بلا سقف سوف يدمر الدول الغربية، بل ويدمر معها المنظومة الاجتماعية والثقافية والحضارية الغربية برمتها، و”نخبة“ أخرى من السفهاء البلهاء، الذين تسلقوا سلم السلطة والمال في الغرب ببيع أنفسهم للشيطان ليس إلا، وهم وجمهورهم يمثلون مزيجًا من العنصرية الحمقاء، والصهيونية-المسيحية المتشعوذة، وقانون الغاب، والشهوات القبيحة المتَّبعة، فصعدوا من أسفل طبقات المجتمعات الغربية -أعني الطبقات الاجتماعية والثقافية والسياسية- إلى سدة الحكم فيها، وهؤلاء فقدوا إنسانيتهم منذ زمن بعيد، ولا يفهمون أثر جرائمهم التي يرتكبونها حول العالم خاصة في فلسطين، إلا بأنها استعلاء مجيد، واستثمار جيد، وثمن يدفعونه رخيصًا من أجل التغطية على تاريخ فضائحهم، وهؤلاء لا يعبأون بالمنظومة السياسية أو الاجتماعية أو الحضارية الغربية، بل لا يفهمون أصلًا ما هي السياسة ولا الحضارة، ولا يعبأون بأن يفهموا أو يتعلموا. هذان باختصار مصارعا الحلبة في ناديالنخبة السياسية الغربية اليوم، ويبدو أن كفة النخبة الثانية أرجح من الأولى على الأرض، وبالتالي فنحن في تقديري على أعتاب انهيار تاريخي كبير وسريع في المجتمعات والدول والحضارة الغربية.

والنخبة المثقفة في محاولاتها لاستعادة الدولة والحضارة الغربية من غيبوبتها الحالية، وجدت في استشهاد أنس ورفاقه -والمجاعة التي نتجت عن الحصار الأخير لغزة كذلك- فرصة مناسبة لتحريك المجتمعات الغربية ضد الصهيونية من خلال الإعلام، ذلك لأن كثيرًا منهم عندهم مواقف مبدئية ضد ما يحدث في فلسطين -ولو لم تكن مواقف مبدئية ضد الكيان نفسه-، إلا أنهم يخافون على أنفسهم من الاغتيال، الذي يتحول سريعًا هذه الأيام من اغتيال معنوي بقوة الإعلام أو القانون إلى اغتيال بمعنى القتل، خاصة بعد أن تطورت طرق قتل الساسة كثيرًا منذ أيام جون وروبرت كينيدي، فأرادوا أن تستفيق شعوبهم قليلًا لكي تعينهم في صراعهم، فأوحوا إلى سحرة الإعلام التابع لهم بعرض قصة أنس -ومعها بعض مشاهد التجويع- بلمسة من الإنسانية التي افتقدها الإعلام الغربي -أي التقليدي ومعه خوارزمات شركات التواصل الاجتماعي- منذ سنتين، رغم مئات الألوف الذين قُتلوا وجُوِّعوا، وما زالوا يقتّلون ويجوّعون. وقد لاقت تلك الغمزة الإعلامية الخفيفة تفاعلًا هائلًا في المجتمعات الغربية، فبكى على أنس -رحمه الله- أناس من عمق المجتمعات الغربية في مزارعها ومكاتبها وبيوتها، أناس لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بشؤون السياسة، بل والتفَت عدد منهم إلى الإسلام يبحث عن حقائقه ويسأل! وظاهرة اعتناق الإسلام منذ أكتوبر ٢٠٢٣م -بالمناسبة- ظاهرة كبيرة في المجتمعات الغربية، وصلت إلى ألوف في مجتمعات الملايين، ومئات الألوف في مجتمعات عشرات الملايين، وسوف يكون لها تداعيات هائلة في المستقبل القريب.

إلا أن الانقسام المذكور تجلى في تيار مضاد من الإعلام الغربي -التقليدي ومعه خوارزمات شركات التواصل الاجتماعي-، أراد أن يمتص الأثر الذي أحدثه أنس رحمه الله، فاتجهوا إلى تشويه صورته أو إلى تحويل الانتباه عن أخباره وقصته وموضوع فلسطين كله إلى أي أخبار أخرى، خاصة ما يجذب العوام من أخبار الفنانين واللاعبين والجريمة والفواحش والأسعار، إلى آخرها، وقد نجحوا في ذلك إلى حد كبير! يبدو في نهاية المطاف أن عوامل الضعف والانهيار في المجتمعات ثم الحضارة الغربية أكبر من عوامل التعافي والقوة، ويبدو أنه في سبيل الصهيونية سيستمر الغرب -وخاصة مركزه الثقافي والسياسي والمالي والعسكري في أمريكا- في تدمير نفسه وتفكيك عوامل قوته عاملًا عاملًا، وهدم بنيان حضارته التي سادت الدنيا -من وجهة نظرهم بطبيعة الحال- لَبِنة لَبِنة، ومن أهم مظاهر ذلك ما يلي:

كان الغرب -خاصة في أمريكا- يوازن بين الهيمنة العسكرية البلطجية على دول العالم باستثناء الدول القوية في آسيا، وبين السلطة الناعمة على شعوب هذه الدول، وذلك عن طريق ما يسمونه بمواثيق حقوق الإنسان، والشرعية الدولية، ومحكمة العدل الدولية، وأخلاقيات المهنة، والحريات الشخصية، والعقلانية العلمية، والديمقراطية، إلى آخرها، وينشرون ذلك بالتبادل الثقافي الذي كانوا ينفقون عليه بسخاء، والمنح العلمية والإنسانية، وتمكين قطاع الترفيه -خاصة هوليود وديزني وأخواتها- وقطاع التعليم العالي خاصة جامعاتهم المرموقة، من الغزو الفكري لثقافات الشعوب، والاهتمام بالمسوخ من تلك الشعوب الذين يتغربون لغة ودينًا وهم في أوطانهم، والسعي إلى تجنيدهم وترقيتهم إلى أن يصلوا إلى مراكز صنع القرار، إلى آخره. ونظرًا لتحويل الدول الغربية -وعلى رأسها أمريكا تحت تأثير الصهاينة خاصة في السنتين الأخيرتين- لجلّ السلطات إلى سلطات خشنة، وجلّ المعادلات إلى معادلات عنف وبلطجة، ونظرًا لخسارة الانبهار بهم والتأييد والمحاكاة لهم عند الاتجاه الغالب من الشعوب المستضعفة، بل والشعوب الحليفة أيضًا، فقد ضعفت هذه اللبنة -السلطة الناعمة- وأوشكت على الانهيار.

وكان الغرب -خاصة في أمريكا- يوازن بين العنصرية العامة ضد الأجناس غير البيضاء، وبين الاستفادة من عبقرية الصفوة من هذه الأجناس في آلة البحث العلمي التقني، فامتلأت جامعاتهم وشركاتهم الكبرى بالهنود والأفارقة والعرب والصينيين، وهؤلاء هم الذين أبدعوا جلّ ما وصلت إليه العلوم من تقنيات وأدوية وأجهزة واكتشافات ومخترعات، وسمحوا لهم في مقابل عملهم الدائب بتراكم بعض الثروات ونيل بعض الجوائز والمناصب، ما داموا لا يقتربون من التأثير الفكري والسياسي والحقوقي والفني -إلى حد كبير-، فهذه المجالات كانت وما زالت شبه مقتصرة على الرجل الأبيض، مع تغلغل يهودي كبير فيها. أما الآن، وتحت وطأة الضغط الصهيوني، أصبح عباقرة العرب والهند وأفريقيا والصين من غير المرغوب فيهم أصلًا في الدوائر العلمية والبحثية الغربية، خاصة المسلمين منهم الملتزمين بالإسلام، واليهود الذين يعارضون الصهيونية وهم قطاع معتبر، اللهم إلا من تعيين بعضهم على سبيل الرمزيات والدعاية بعد التأكد من ضعفهم وبيعهم للقضية رغم إبقائهم على شكليات الدين، وهذه لَبِنة مفككة أخرى من أهم لَبِنات المجتمع والحضارة الغربية.

وقد كان الغرب -خاصة في أمريكا- يوازن بين مصالح حيتان رأس المال وبين أن يعيش عموم الناس في المجتمعات الغربية حياة كريمة تحت غطاء من ”الضمانات الاجتماعية“ و”الخدمات العامة“ و”المساحات الخضراء“ وما إليها، ولكن نظرًا لتحويل الدول الغربية -وعلى رأسها أمريكا تحت تأثير الصهاينة- لجل الأموال المتاحة للشعوب إلى نادي الواحد بالمائة، بدءًا من القرارات السياساتية خلال وباء الكورونا، ثم إلى آلة الحرب خاصة في فلسطين وأوكرانيا في السنوات الأخيرة -وصل الرقم الحقيقي للإنفاق على هذين الحربين إلى تريليونات-، فقد بدت علامات الفقر والعوز على الإنسان الغربي الذي كان ينتمي إلى الطبقة المتوسطة التي كانت مرتاحة، وأصبح من الطبيعي أن ترى سائق ”أوبر“ في شوارع الغرب من المسنّين المتقاعدين -من العنصر الأبيض من جيل الخمسينيات من القرن الماضي- الذين لم يعد يكفيهم معاشهم، والذين لا يستطيع أولادهم شراء بيت صغير، ولا العيش الكريم كما عاش آباؤهم، وانتشر في المدن الغربية الكبرى الجوع بين تلاميذ المدارس، والمرض دون إمكانيات للعلاج، والسكن في الحدائق العامة أو مواقف السيارات، وتأجير الأَسِرَّة المتلاصقة في غرفة واحدة ليعيش الشباب فيها، خاصة من الطلبة والعمال، إلى آخره، وهذه لَبِنة أخرى منهارة.

وقد كان الغرب -خاصة في أمريكا- يوازن بينالحريات الشخصية من وجهة نظرهم بطبيعة الحال-وبين الحفاظ على بقية من القيم التي ورثوها من المسيحية التقليدية، خاصة لمن يتصدون للقيادة السياسية أو في المؤسسات القومية الكبيرة، وكانت علاقة رئيس أمريكي بإحدى الطالبات المتدربات في البيت الأبيض فضيحة يوشك أن يستقيل أو يقال بسببها، لا بسبب الدين في حقيقة الأمر، بل نظرًا لخطورتها على الأمن القومي عندهم. فإذا بالجيل الجديد من الساسة كلهم -إلا حالات نادرة للغاية- قد وقعوا في الفخاخ المخابراتية الصهيونية للفضائح والعلاقات والفواحش، دون أن يفضحهم أو يحاكمهم أو يضغط عليهم أحد -إلا لمامًا- ما داموا ملتزمين بالخط السياسي الذي ترسمه لهم دولة الاحتلال. بل أصبح من الطبيعي أن يكون للسياسيين فضائح ومصائب، ويتكلم عنها بعض سفهائهم دون حرج ولا حياء. وهذه لَبِنة أخرى منهارة، وهي خطر على الأمن القومي ومصالح الدول الغربية العليا، قبل أن تكون عن ارتكاب المحرمات.

ولا يتسع المقام للإشارة لبقية أبعاد الخسارة الغربية خاصة في المركز الأمريكي الحالي، من اللَبِنات، بل الأسس المنهارة في الصرح السياسي والحضاري الذي بنوه خلال القرون الماضية – تحت وطأة التأييد الكامل لما تقوم به الصهيونية في العالم خاصة في فلسطين، عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا وعلميًا وثقافيًا واجتماعيًا وتعليميًا وصحيًا وبيئيًا وإداريًا وفنيًا، إلى آخر الجوانب الإنسانية، وصدق الله العظيم: ﴿… إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [سورة يونس: 81].

والواجب علينا كأمة إسلامية هو أن نعي هذه التغيرات العميقة في النظام العالمي، وأن ننهض بمسؤولياتنا الإيمانية والحضارية في الشهادة على الناس والقيام بالقسط في هذه الدنيا، بدءًا بتحرير ديار الإسلام من غاصبيها، وانتهاء بإصلاح الحكْم. آن لأمة الإسلام أن تقود الحضارة الإنسانية، ونقطة الانطلاق هي فلسطين.. تقبل الله أنس الشريف ورفاقه، وجزاهم خيرًا عن دينهم وأمتهم.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

الشيخ جاسر عودة
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان