سنن تؤدَّى في وقت الحرِّ الشديد
اعتنى بجمعها لكم: د. منذر عبد الكريم القضاة
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الحمدُ
لله وحده، والصَّلاة والسَّلام على من لا نبي بعده، وبعد.
عن أبي
هريرة – رضي الله عنه – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اشْتَكَتِ
النَّارُ إلى رَبِّهَا فَقالَتْ: رَبِّ أكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فأذِنَ لَهَا
بنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ في الشِّتَاءِ ونَفَسٍ في الصَّيْفِ، فأشَدُّ ما تَجِدُونَ
مِنَ الحَرِّ، وأَشَدُّ ما تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ([1]).
تعاني
المنطقة العربيَّة هذه الأيام، ومنها الأردن من موجة حرٍّ شديدة أذهلت وأقلقت
النَّاس، وتناقلوا أخبار هذا الحر على منصاتهم الاجتماعية منهم من يتأفف، ومنهم من
يتذمر، ومنهم من اعتبرها تذكير من الله بعذابه يوم القيامة.
وحتَّى
نجعل من عاداتنا في الحر عبادات نؤجر ونثاب عليها دعونا نتعرف إلى السنن التي كان
يفعلها النبي – صلى الله عليه وسلم – في أوقات الحر الشديد، والتي يُستحب للمسلم
التأسي بها، ولكن قبل ذلك علينا في هذا الحرِّ الشديد أن نتذكر:
كيف بنا:
عندما:
“تُدْنَى الشَّمْسُ يَومَ القِيامَةِ مِنَ الخَلْقِ، حتَّى تَكُونَ منهمْ
كَمِقْدارِ مِيلٍ([2])“.
كيف
بالنَّاس عندما يكون: “تُدْنَى الشَّمْسُ يَومَ القِيامَةِ مِنَ الخَلْقِ،
حتَّى تَكُونَ منهمْ كَمِقْدارِ مِيلٍ -قالَ سُلَيْمُ بنُ عامِرٍ: فَواللَّهِ ما
أدْرِي ما يَعْنِي بالمِيلِ؛ أمَسافَةَ الأرْضِ، أمِ المِيلَ الذي تُكْتَحَلُ به
العَيْنُ؟ – قالَ: فَيَكونُ النَّاسُ علَى قَدْرِ أعْمالِهِمْ في العَرَقِ؛
فَمِنْهُمْ مَن يَكونُ إلى كَعْبَيْهِ، ومِنْهُمْ مَن يَكونُ إلى رُكْبَتَيْهِ،
ومِنْهُمْ مَن يَكونُ إلى حَقْوَيْهِ، ومِنْهُمْ مَن يُلْجِمُهُ العَرَقُ
إلْجامًا. قالَ: وأَشارَ رَسولُ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ – بيَدِهِ
إلى فِيهِ([3])“.
والناس
عندها ملاقو الله : ” حُفاةً عُراةً غُرْلًا([4])“.
كيف بنا
عندما: “يُؤْتَى بجَهَنَّمَ يَومَئذٍ لها سَبْعُونَ ألْفَ زِمامٍ، مع كُلِّ
زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَها([5])“.
وكيف بكم
أيها النَّاس من قول الله تعالى: (فِي يَوْمٍ
كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) [سورة المعارج]
هل ينفع
في ذلك اليوم الكسل عن الصلاة؟
هل ينفع
أكل الحرام؟
هل ينفعك
عقوق الوالدين؟
هل ينفعك
خصامك مع أخيك المسلم؟
هل ينفعك
أن تُرضي النَّاس وتغضب ربّ الناس؟
هل ينفعك
أكلك لمال النَّاس بالباطل؟
بالتأكيد
لا ينفع؛ فالعاقل يسمع ويتعظ
ونعود إلى سنن فعلها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في أوقات الحر الشديد،
يمكن للمسلم تطبيقها لمواجهة الحرارة، استناداً إلى ما ورد في الأحاديث والآثار:
1. أن
نتعوذ من حرَّ جهنم.
عن أبي
هريرة – رضي الله عنه – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا تَشَهَّدَ
أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ باللَّهِ مِن أَرْبَعٍ يقولُ: اللَّهُمَّ إنِّي
أَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ
المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ([6])“.
2. الدعاء
عند شدة الحر
كانَ
رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- يَدْعُو ويقولُ: اللَّهُمَّ إنِّي
أعُوذُ بكَ مِن عَذَابِ القَبْرِ، ومِنْ عَذَابِ النَّارِ، ومِنْ فِتْنَةِ
المَحْيَا والمَمَاتِ، ومِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ([7]).
3. الأبراد
في صلاة الظهر (تأخيرها لانكسار الحر):
أَذَّنَ
مُؤَذِّنُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- الظُّهْرَ، فقالَ: أبْرِدْ أبْرِدْ
أوْ قالَ: انْتَظِرِ انْتَظِرْ وقالَ: شِدَّةُ الحَرِّ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ، فإذا
اشْتَدَّ الحَرُّ فأبْرِدُوا عَنِ الصَّلاةِ، حتَّى رَأَيْنا فَيْءَ التُّلُولِ([8]).
التطبيق:
يُستحب تأخير صلاة الظهر في الحر الشديد حتى يخفَّ الهجير، خاصةً في المناطق
الحارة غير المكيفة.
4. الاستظلال
وعدم التعرض المباشر للشمس
وقد كان
النبي – صلى الله عليه وسلم- يوقف الخطبة ليوجه من يقف في الشمس أن يبحث عن مكان
فيه ظل.
عن أبي
حازم قال: أنَّهُ جاء وَرسولُ اللهِ – صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ – يخطُبُ، فقام
في الشَّمسِ، فأمرَه، فتحوَّلَ إلى الظِّلِّ([9]).
5. تجنب
الجلوس بين الشمس والظل
أنَّ
النَّبيَّ – صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ – نَهى أن يُقعَدَ بينَ الظِّلِّ
والشَّمسِ([10]).
عن أبي
هريرة قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ” إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي
الْفَيْءِ، فَقَلَصَ عَنْهُ الظِّلُّ، وَصَارَ بَعْضُهُ فِي الشَّمْسِ وَبَعْضُهُ
فِي الظِّلِّ، فَلْيَقُمْ([11])“.
6. صب
الماء البارد على الرأس للصائم
لقد
رأيتُ النَّبيَّ – صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ – بالعَرْجِ، يصُبُّ علَى رأسِهِ
الماءَ وهو صائمٌ منَ العطشِ؛ أو مِنَ الحرِّ([12]).
7. القيلولة
(النوم نهارًا): تعويض نقص النوم
ليلاً؛ بسبب قصر ليالي الصيف، والاستعانة بها على قيام الليل.
ومما يدل
على أن القيلولة تكون قبل الظهر: قول سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ – رضي الله عنه -:
“مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلاَ نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ ([13])“.
كما يمكن فعل ما يلي:
1- زيادة شرب الماء: الإكثار
من شرب الماء عند ارتفاع درجات الحرارة، لحماية الجسم من الجفاف وتنظيم حرارته،
ويحمي من الإجهاد الحراري.
2- ارتداء الملابس البيضاء:
لبس اللون الأبيض في الثياب في أثناء الحر يعكس أشعة الشمس، ويحافظ على برودة
الجسم.
3- تغطية الرأس: تحمي من
ضربات الشمس، وتقلل فقدان سوائل الجسم عبر التعرق.
وهناك نصائح عملية مستوحاة من السنن تؤدى في وقت الحر الشديد:
1- التبكير بالأعمال: تجنب
الخروج في الظهيرة، حين تكون الشمس في ذروتها.
2- استخدام الرطوبة للتبريد:
يُستحب تبريد الجسم بالماء البارد أو الوضوء.
3- تجنب الإسراف في التبريد:
الاعتدال في استخدام المكيفات والأجهزة الباردة، لئلا يُضَر الجسم بالتبريد
المفاجئ بعد التعرض للحر.
وهذه
السنن ليست عبادة فحسب، بل تجمع بين التأسّي بالنبي – صلى الله عليه وسلم –
وحِكَمٍ صحية أثبتها العلم الحديث.
اللَّهُمَّ
أَجِرْنَا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ
اللَّهُمَّ
إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ
نقلتها
لكم لعلَّ فيها تذكرة وعظة وعودة إلى الله تعالى
[وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ([14])
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
– ([1]) (متفق عليه) صحيح البخاري: رقم الحديث 3260، صحيح مسلم: رقم الحديث 617.
– [(2)] صحيح
مسلم: رقم الحديث 2864.
– ([3]) صحيح مسلم: رقم الحديث 2864.
–([4]) صحيح مسلم: رقم الحديث 2860.
– ([5]) صحيح مسلم: رقم الحديث 2842.
–([6]) صحيح مسلم: رقم الحديث 588.
– [(([7 صحيح البخاري: رقم الحديث 1377
– ([8]) (متفق عليه): صحيح البخاري: رقم الحديث 535، صحيح مسلم: رقم الحديث 616.
– ([9]) رواه أبو داود برقم 4822، والبخاري في الأدب المفرد برقم 894.
– ([10]) إسناده جيد: أخرجه ابن ماجه (3722) واللفظ له، وابن أبي شيبة (25218)،
والحاكم (7714) بمعناه مطولا.
– ([11]) رواه أبو داود (4821) والحديث صححه الألباني في “صحيح أبي داود”.
– ([12]) صححه الألباني – هداية الرواة، الرقم: 1953.
– ([13]) صحيح البخاري: رقم الحديث (6279)، وصحيح مسلم: رقم الحديث(860).
– ([14])
تمَّ عمل هذه المقالة بعد مشاهدة فيديو الليلة الماضية 11/8/2025م على موقع
الأستاذ الدكتور راغب السرجاني عن سنن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحر،
وبالرجوع إلى مقال لي بعنوان: موجة حر، مع إجراء ما لزم من تصرف واسع ليخرج المقال
بهذه الصورة.
-150x150.jpg)