بسم الله الرحمن الرحيم
أسرى المقاومة، ورهائن المساومة
بقلم: أ.د/ عبد الرزاق قسوم
عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين
عندما ظهرت صورة الأسير الصهيوني في وسائل الإعلام، وقد
بدا شاحب اللمحات، أصفر الوجنات، ناتئ العضلات، فعزا ذلك إلى تفشي المجاعة، وسوء
التغذية، يومها ثارت ثائرة المستوطنين الصهاينة، حكاما ومحكومين، وتساءلوا، كيف
لحماس -المظلومة- أن تمنع الغذاء عن أسرانا؟
وبالمقابل، عندما يُظهر الواقع المعيش آلاف الجائعين في
غزة، وفيهم الصبية الرضّع، والشيوخ الركّع، والنساء القنّع، ومنهم من يلفظ أنفاسه،
ومنهم من يحتضر، ومنهم من ينتظر، عندها تتعامى أعين الصهاينة، وتتصامم آذانهم عن
رؤية وسماع أنين الجائعين المعذبين، نافين أن تكون في غزة مجاعة، وأن حماس هي
-وحدها- من أحدثت هذه الفزّاعة.
يحدث الكيل بمكيالين -كالعادة- من جانب الصهاينة في
التعامل مع الأسير الصهيوني المفرد، ومع صيغة منتهى الجموع الفلسطينية المنكوبة
بالاحتلال.
وإذا كان هذا هو الطبيعي من جانب عدو، عوّدنا على النظرة
الفوقية، العنصرية لما سواه، وعلى أنه شعب الله المختار، إذا كان هذا هو المتوقع
من جنس عدواني، إبادي، استئصالي، فكيف نعلل صمت، وتجاهل، شعب أمتنا
“المحتار”(بالحاء) الذي يعايش الواقع الفلسطيني المأساوي في غزة في كل
لحظة، بل ويسمع أنينهم، وحنينهم إلى الخبز والماء، ولا يحرك ساكنا؟
فما الذي يحول، دون رد فعل حكام أمتنا العربية، إزاء هذا
العدوان الهمجي البربري، اللاإنساني؟
ألهذا الحد تكلست أعصابهم، وتبلدت أعراضهم، وتجمدت دماء
عروقهم، وأجسادهم؟
يقول العارفون بفقه السياسة، والمتضلعون في فنون
الكياسة، إن ذلك سببه، أن في بطون المساومين على مبادئ قضيتهم، أن في بطونهم علف
وتبن، وفي شعورهم ألم وغبن، وفي قلوبهم خوف وجبن، وفي ضمائرهم وخز وطعن.
إن مثل هذه الآفات، متى أصابت قوما، جعلتهم منسلبي
الإرادة، منخرمي القيادة، فاقدي السيادة، مذبذبي العبادة، والشهادة.
ذلك أن كل القوانين الدولية، والقيم الإنسانية، والشرائع
الدينية، قد أسقطت ورق التوت عن العدو الصهيوني، بعدما شهد له العالم كله، بالجرم،
والتوحش، والتنكر للقيم الإنسانية؛ فمم يخاف شعب أمتنا المحتار(بالحاء) من الوقوف
في وجه المجرمين، والتخلص من كل المعاهدات، والاتفاقات، وأشكال المفاهمة
والمساومة، مع عدو تلطخت جنباته بدماء الأطفال، والنساء، والرجال؟
أليس من العار، بعد كل ما أتى العدو الصهيوني من جرم
وسفك دم، أن يجد له في أي جزء من أجزاء أرضنا العربية موقع قدم، وفي سمائه رفعا
لأي علم؟
ألا يشعر المطبِّعون، وهم يشاهدون علم العدو يرفع فوق
بنايات أرضهم، بالخزي والعار، وقد تلوث هذا العلم بدماء الأبرياء، وتلون بصديد
وعرق الأصفياء؟
وكيف ينظر حكام أمتنا، المنتمين إلى الإسلام، وهم
يشاهدون مقدسات قدسهم تداس من الأنجاس، وطُهرَه يدنس من الأرجاس، بقيادة الوسواس
الخنّاس؟
وليأخذوا الحكمة من الأعداء في مثل هذه المواقف
“كونوا هودا أو نصارى”، في تضامنهم مع أسراهم، ولو كانوا قلة، فلم لا
يكون قادتنا مع أهل الحق وهم كثر؟
كيف انقلبت الموازين، وانعكست المعايير في وطننا،
فأصابنا النسخ، والمسخ، بعد أن كنا خير أمة أخرجت للناس، ونحن أمة أبي بكر، وعمر،
وعثمان، وعلي، والعباس؟
﴿وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ
إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [سورة الزخرف، الآية 48].
لقد أدى تخاذل أمتنا، وجبن قيادتنا، وانهزامية صفوتنا، إلى عربدة، وغطرسة أعدائنا.
فبعد صور التعذيب التي طالت مدنيينا، ومسجونينا، هاهو
العدو، يشحذ سلاحه المفلول، ليقدم على احتلال غزة بأكملها.
لئن كنا واثقين، من أن إقدام الصهاينة على إصدار قرارات
انتحارية، كفرض السيطرة على الضفة الغربية، ومحاولة احتلال غزة بأكملها، إن هي إلا
حركات أشبه بالحركات التي يقوم بها الثور المذبوح، الذي يتخبط قبل لفظ أنفاسه.
ونزداد يقينا، بأن العدو الصهيوني قد حكم على جيشه
بالانتحار في غزة، وسيخرج من غزة، ذليلا، حقيرا، مهزوما، مكلوما، وعلى نفسها جنت
براقش، كما يقول مثلنا العربي.
فشعب غزة الصامد، ومقاومته الثابتة، سيلقنون العدو
الصهيوني المتغطرس، أقسى دروس الردع والصدع، وستعود غزة وكل فلسطين إلى أهلها،
راياتها مرفوعة، وكلمتها مسموعة، وعندها يتبيّن للتاريخ من بكى ممن تباكى، وفي
الصباح يَحمد القوم السُّرَى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.