حملة علماء العراق من أجل غزة .. بين الفرح والبكاء
بقلم الدكتور سعد الحلبوسي[1]
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
حين
تنظر إلى المشهد الإنساني في بغداد وهي تنبض بالحياة في مساجدها، وتتفاعل مع
الواجب الإيماني، فتتحول إلى ساحات تضامن صادق مع غزة الجريحة، لم يكن الأمر مجرد
حملة عابرة لجمع التبرعات، بل كان لوحة إنسانية مؤثرة، فيها من الدموع ما يبلل
الوجوه، وفيها من البسمات ما يشع بالأمل، وفيها من القلوب ما يفيض بالحب والإيمان.
ولما
كنت من الاعضاء المنظمين للحملة التي أطلقها علماء العراق بالتعاون مع مؤسسة الركيزة
في مساجد بغداد، وقد تملكني شعور غامر لا أستطيع وصفه بدقة؛ خليط بين فرح يعلو
أحيانًا حين أرى اندفاع الناس بقلوبهم وأيديهم، وبين بكاء ينهال حين أسمع قصص
العطاء من أفواه البسطاء، أولئك الذين لا يملكون إلا القليل، لكنهم قدّموا ذلك
القليل بكرامة واعتزاز، مشهد يختصر معانٍ كثيرة: معاني البذل والإيثار، ومعاني أن
تشعر بجراح غيرك وكأنها جراحك، ومعاني أن الأمة مهما مرّت بها أزمات وتحديات، فإن
جذوة الخير فيها لا تنطفئ.
لقد
هبّ الناس من كل فئات المجتمع، رجال ونساء، صغار وكبار، فقراء وأغنياء، متعلمون
وبسطاء، كلهم على قلب واحد، كلهم يشاركون في هذه الحملة كأنهم عائلة واحدة، ولم
يكن أحد ينظر إلى ما يملك أو إلى ما عند غيره، بل كان الجميع يتسابقون ليقدّموا ما
يستطيعون، وبعضهم قدّم ما يفوق طاقتهم.
فرأيت
امرأة فقيرة تعمل في بيع المناديل عند إشارات المرور، تقدمت بخجل وهي تخفي في يدها
شيئًا من النقود التي جمعتها طوال يومها الشاق ووضعت ما في يدها في صندوق التبرعات
ثم انسحبت مسرعة، كأنها تخشى أن يراها أحد، أو كأنها تخاف أن يُقال إنها أعطت
القليل، لكنها في الحقيقة قد أعطت كل ما تملك، فهذا المشهد وحده كان كافيًا ليهزّ
القلب ويُذرف الدموع، فالمرأة التي تعيش على رزق يومها فضّلت أن تشارك بعرق جبينها
لأجل إخوانها في غزة.
ولم
يكن ذلك الموقف الوحيد، فقد رأيت رجلاً مسنًا، متقاعدًا يعيش على راتب تقاعدي
محدود، جاء يخطو بخطوات بطيئة، وعلى وجهه علامات المرض والتعب، وضع مبلغًا بسيطًا
من مصروف علاجه الشهري في الصندوق، وعيناه تترقرق بالدموع، وهو يقول بصوت مرتجف: “معذرة
إلى ربي… ما أملك إلا هذا”، كلمات بسيطة لكنها تقطر صدقًا، وتكشف عن روح عاشت
معنى الإيمان حتى في أوقات العجز والمرض.
ثم
جاءت امرأة أخرى لا تملك شيئًا كثيراً لكنها مستورة الحال، ومع ذلك نزعت خاتمها
الذهبي وقدّمته تبرعًا، فما أغلى ذلك الخاتم عندها! ليس فقط من قيمته المادية، بل
لأنه ربما كان هدية من قريب أو ذكرى من عزيز، لكنها ضحّت به ابتغاء وجه الله
ونصرةً لإخوانها المستضعفين.
ولم
يقف المشهد عند الكبار فقط، بل حتى الأطفال كان لهم حضور مدهش، فرأيت طفلا يتيماً،
لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، جاء يحمل ساعة إلكترونية صغيرة أُهديت له بمناسبة
نجاحه في السادس الابتدائي، كان يضعها في يده باعتزاز، لكنها لم تكن أعزّ عنده من أطفال
غزة، فانتزعها وقدّمها تبرعًا، وتلك الساعة التي لا يتجاوز ثمنها عشرة آلاف دينار
عراقي (أي ما يعادل 7 دولار أمريكي)، أقيم عليها مزاد بين العراقيين وغيرهم، حتى وصل
ثمنها أكثر من سبعة آلاف دولار، وما أروع المفاجأة حين أعيدت إليه الساعة مكرّمة
مرفوعة، لتبقى ذكرى في حياته، شاهدة على أن العطاء لا يُقاس بقيمته المادية، بل
بقيمة القلب الذي يمنحه.
وفي
مساجد أخرى، دخل شباب من أهل المحلات التجارية، بعضهم بملابسهم البسيطة، لم يظهروا
بمظهر المتدينين أو رواد المساجد، لكنهم جاؤوا بدافع النخوة والحمية، ولم يبالوا
بنظرات الآخرين، ولم ينتظروا مديحًا أو إشادة، بل أخرجوا ما في جيوبهم بصدق، كأنهم
يعلنون أن الخير لا يُحتكر بلباس أو بمظهر، بل ينبع من أعماق القلوب.
ورأيت
في مساجد أخرى عشرات الأرامل، كل واحدة منهن تحمل همًّا فوق هم، لكنهن جئن بقلوب
ممتلئة بالرحمة، يقدّمن من قوت يومهن، وهن يرددن الدعاء أن يفرّج الله عن غزة كما
فرّج عنهن بعض كروبهن، وكانت دموعهن تسبق تبرعاتهن، وكأن كل دمعة تتحول إلى رسالة تضامن
وصبر إلى نساء غزة الصابرات.
لقد
تحوّلت المساجد في بغداد إلى مشهد إنساني مهيب، فالأيادي البيضاء تمتد من كل جهة،
بعضها يضع النقود، وبعضها يضع الذهب، وبعضها يضع دموعه قبل أن يضع شيئًا آخر، والأطفال
يتخطّون الصفوف كأنهم يشاركون في عرس، والشباب يتحدثون بأصوات متهدجة، والكبار
يرفعون أصواتهم بالدعاء والتكبير، وكان مشهدًا يجمع بين الفرح من جهة والبكاء من
جهة أخرى؛ الفرح لأن الأمة لا تزال بخير، والبكاء لأن غزة لا تزال تعاني.
هذه
المشاهد التي رأيتها بعيني هي شهادة صادقة على أن الخير في هذه الأمة باقٍ إلى يوم
القيامة، وربما تمر الأمة بأوقات ضعف، وربما تنهكها الأزمات، لكن الله يقيّض لها
قلوبًا حية لا تنطفئ، وصدورًا رحيمة لا تقسو، وأيادي ممتدة لا تبخل، وإن فقيرة تضع
رزق يومها في صندوق التبرعات، وطفلاً يتيمًا يهب لعبته الوحيدة، وأرملة تعطي من
قوتها، ورجلاً مسنًا يقتطع من دوائه، وشبابًا يندفعون بحميّتهم العفوية… كلهم
يشهدون بأن أمة محمد ﷺ لا تزال أمة العطاء والإيثار.
وما
كان لهذه الحملة أن تنجح لولا تلك العمائم البيضاء، (علماء العراق الأجلاء) الذين
وقفوا في مقدمة الصفوف، يذكّرون الناس بواجبهم، ويزرعون في القلوب معنى التضامن،
ويثبتون أن رسالة المسجد ليست صلاة فحسب، بل حياة كاملة، فيها دعوة إلى الله،
وفيها نصرة للمظلوم، وفيها إحياء لروح الأخوة الإسلامية، وهؤلاء العلماء لم يكتفوا
بالكلمات، بل كانوا يشاركون الناس، ويجمعون التبرعات بأيديهم، ويذرفون الدموع
معهم، فيتجدد الإيمان في القلوب، ويشعر الناس أن الدين ليس خطبة عابرة، بل فعل حي
يعيش في تفاصيل الواقع.
وإذا
انتقلنا قليلًا في التأمل، نرى أن هذا التضامن ليس جديدًا على الأمة الإسلامية،
فالتاريخ زاخر بمواقف مماثلة، حين كانت القلوب تتحد على نصرة المظلوم، يوم حاصر
المشركون النبي ﷺ وأصحابه في شِعب أبي طالب، كان المسلمون يتقاسمون القوت القليل
بينهم، ويوم جاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو أنه لا يملك قوت أولاده، دعا النبي إلى
التبرع، فما كان من أحد الصحابة إلا أن جاء بصُرّة وضعها في حجر رسول الله، فتبعه
آخر وثالث، حتى امتلأ المكان بالعطاء، فتهلّل وجه النبي r وقال: (من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها).
وهكذا
يتكرر المشهد، من مكة والمدينة قديمًا، إلى بغداد اليوم، إلى كل مدينة إسلامية أخرى،
لأنّ المشترك هو روح التضامن التي لا تموت، وصحيح أن العالم اليوم تغير، وصحيح أن
الأمة تمر بظروف صعبة، لكن في قلب كل مسلم شعلة لا تنطفئ وتنتظر لحظة لتضيء
الطريق.
إن
التضامن مع غزة هو رسالة إيمان، ودليل عملي أن الأمة مهما قُسمت جغرافيًا أو
سياسيًا فهي لا تزال أمة واحدة، وأنّ ذلك الطفل الذي قدّم ساعته لم يكن يعرف
كثيرًا عن السياسة ولا عن تفاصيل الصراع، لكنه عرف ببساطته أن غزة بحاجة إليه، وأن
عليه أن يفعل شيئًا، ولو كان بسيطًا، وهذا يكفي ليفهم الكبار أن روح الأمة محفوظة
في قلوب صغارها.
وإذا
كان البعض يظن أن المسلمين قد شغلتهم همومهم الخاصة عن قضايا الأمة الكبرى، فإن
مشهد بغداد جاء ردًا عمليًا على هذا الظن، وخير دليل هو الفقراء الذين يعانون ضيق
المعيشة لم يتخلوا عن إخوانهم، بل كانوا أول من بادر، وحتى الأغنياء الذين يعيشون
في رخاء لم ينسوا إخوانهم الذين يموتون من الجوع والعدوان، والنساء اللواتي يحملن
أعباء الحياة أثبتن أنهن يحملن معها قلوبًا عظيمة، والشباب الذين قد يُظن أنهم
مشغولون بملذاتهم، أثبتوا أنهم قادرون على الوقوف حين تدعوهم النخوة. وإن هذا المشهد
في بغداد هو درسًا بليغًا للأمة كلها: أن الخير باقٍ، وأن العطاء مستمر، وأن الفرح
والبكاء يمكن أن يلتقيا في قلب واحد، فيصنعا لوحة من أجمل لوحات
الإنسانية والإيمان.
اللهم بارك بهذه الأيادي
السخية المباركة، وبارك بهذه القلوب الرحيمة، وبارك بهذه العمائم البيضاء التي ما
فتئت تعمل نصرةً لدينك ورفعًا لمعاناة المستضعفين، وكن مع أهل غزة، وكن مع كل
مظلوم في مشارق الأرض ومغاربها، واجعل هذا العطاء شاهدًا لنا لا علينا يوم الوقوف بين
يديك، واجعل هذه الدموع وهذه الأموال وهذه التضحيات سببًا للنجاة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
-150x150.jpg)