آخر الأخبار

المجاعة تخنق غزة

شارك المقال على :

المجاعة تخنق غزة

بقلم: د. محمد دمان
ذبيح

عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين

 

        
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا
محمد المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد.

ألهذا الحد ماتت الضمائر؟!

ألهذا الحد غابت الإنسانية؟!

ألهذا الحد تشتت الأمة في دياجير
الذل والخذلان؟
!

بل أقول ألهذا الحد تعاني أمة
الإسلام من مجاعة النخوة والشهامة والرجولة؟!

إن الواقع وللأسف الشديد يدل على
أنها ندرة في المصطلحات السابقة على نطاق واسع، حتى صار حالنا كحال ذلك الفيلسوف[1] الذي وجدوه يحمل مصباحا في
عز النهار، فعندما سألوه عن ذلك قال: أبحث عن انسان.

    وهذا حال غزة اليوم، وهي تبحث عن رجال ترى
فيهم النخوة والشهامة والرجولة، والغيرة على هذا الدين.

ولكن تحقق الغياب، وتأكد الهجر، كما
قال الشاعر:

مررتُ على المروءة وهي
تبكي  *** 
فقلت علامَ تنتحب الفتاة

فقالت كيف لا أبكي وقومي  ***  جميعا
دون خلق الله ماتوا

مررت على الشجاعة وهي تبكي  ***  فقلت
علام تنتحب الفتاة

فقالت كيف والشجعان مروا  ***  على
المظلوم فابتسموا وفاتوا

مررت على العروبة وهي تبكي  ***  فقلت
علام تنتحب الفتاة

أجابتني بنظرات طوال  ***  فإذ
بالرد أبلغه السكات

وهو ما أدى في الأخير وكنتيجة
حتمية إلى خلق أزمة حضارية في مصطلحي الشهادة والوجود، هذه الأزمة أتت على الأخضر
واليابس، فما عادت أمة الإسلام معها تقوى على الدفاع عن تاريخها وهويتها، ولا
الذود عن عرضها وشرفها، ولا حتى مجرد القدرة على الحفاظ على قطعة من جسدها
المتهالك المنهك، المترامي الأطراف هنا وهناك، وهذا كله مع ما تملك من إمكانيات
جمة، ووسائل عدة، لو استغلت خير استغلال لكانت اليوم قائدة ورائدة لعالم لا يعترف
إلا بلغة القوة، ولا يؤمن إلا بلغة الحديد والنار، ولكن غاب الاستغلال فتجسدت
الآية القرآنية: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا
التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ
مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ﴾
[الجمعة: 05].

    فكانت النتيجة كما قال النبي صلى الله عليه
وسلم: “إذا تبايعتم بالعِينةِ وأخذتم أذنابَ البقرِ ورضيتم بالزرعِ وتركتم
الجهادَ سلط اللهُ عليكم ذُلًّا لا ينزعُه شيءٌ حتى ترجعوا إلى دينِكم
[2]

   وصدق الشيخ محمد الغزالي رحمة الله تعالى عليه
عندما قال: “والأمة التي تستثقل أعباء الكفاح، وتتضايق من مطالب الجهاد، إنها
تحفر لنفسها قبرها، ويكتب على بنيها ذلا لا ينتهي آخر الدهر!”.[3]

    ما أحوج الأمة إلى رسالة الفاروق رضي الله
عنه، فقد قال لأصحابه يوما”: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن لي هذه الدار
مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل الله. ثم قال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة
لؤلؤا وزبرجدا وجوهرا أنفقه في سبيل الله وأتصدق، ثم قال: تمنوا، فقالوا: ما ندري
يا أمير المؤمنين، فقال عمر: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن
الجراح”.[4]

    إنها
رسالة واضحة المباني، عظيمة المعاني، وهي تدل على أن الأمة لا نصر لها إلا
بالرجال، ولا وجود ولا بقاء لها إلا بالرجال، قال الله تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا
اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا
بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾
[الأحزاب: 23].

   فإن غاب، أو فقد هذا المعدن النفيس من البشر
فسنرى بالضرورة ولا محالة من يصفق للباطل، ومن يبيع ويتاجر في سوق الهوية
والتاريخ، ومن لا يتحرك ساكنا لمجاعة أمته، أو حتى موتها..

ومن الحقائق التي لا مفر منها،
ومما نبكي له دما أن هذا النوع من البشر أصبح يعبر وبشكل جلي عن هذه الأمة التي
تمزقت يمنة ويسرة، وأصابها الوهن والضعف على مستوى جميع الأصعدة، وهو ما جعلنا
نتساءل وبحرقة شديدة هل نحن حقا خير أمة أخرجت للناس؟

وأمام هذا التهجير، وهذا التجويع،
وهذه الإبادة كانت الإجابة: صدق الله تعالى، وكذبت أمة المليارين إلا من رحم.

ولكن مهما طالت المعاناة فسيأتي
اليوم الذي تكتب فيه نهايتها، وسيبارك المولى عزو جل في القلة، أو بتعبير آخر
بقايا رجولة حتى نرى هذه الآية القرآنية مجسدة على أرض الواقع، وهذا الوعد الذي لا
يعرف تحويلا ولا تبديلا، قال الله تعالى: ﴿قَالَ
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ
غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

[البقرة: 249].

    فلك الله يا غزة فمن كان الله معه كما قال
ابن القيم رحمه الله تعالى: “فمن ذا الذي يغلبه، أو ينالُه بسوء لو كادته
السماوات والأرض والجبال لكفاه الله مؤونتها…![5]

    لك
الله ياغزة فأنا أرى فيك قول المولى عز وجل: ﴿إِلَّا
تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ
اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ
اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ
تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ
هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[التوبة: 40].

    لك الله يا غزة فأنا أرى فيك حديث النبي صلى
الله عليه وسلم: “لَيَبْلُغَنَّ ‌هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ
وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ
اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ
اللهُ بِهِ الإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الكُفْرَ» وَكَانَ تَمِيمٌ
الدَّارِيُّ يَقُولُ: قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، لَقَدْ أَصَابَ
مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْخَيْرُ وَالشَّرَفُ وَالْعِزُّ، وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ
كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا الذُّلُّ وَالصَّغَارُ وَالْجِزْيَةُ”.[6]

    وإنني على يقين تام، وكأي مسلم على هذه
البسيطة بأن النصر سيكون لغزة، ولمن رفع رايتها، وأن الذل والصغار سيكون للعدو،
ولمن باع وخذل.

    ولست مبالغا إن قلت: إن تهلك هذه العصابة في
غزة العزة فمن سيذود عن هذا الدين بهذا الشكل؟ ومن سيعيد لهذه الأمة مجدها
وكرامتها؟

اللهم نصرك الذي وعدت، فإنك لا
تخلف الميعاد.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* د. محمد دمان ذبيح؛ عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين. جامعة محمد العربي بن مهيدي أم البواقي -الجزائر.

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر
عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

 



[1]
إنه الفيلسوف اليوناني” ديوجين الكلبي “،و الذي اشتهر بهذه القصة
المذكورة في النص.

[2]
– رواه أبو داود برقم 3462.

[3]
محمد
الغزالي، الحق المر، ص :40.

[4]
– أبو نعيم ، حلية الأولياء
وطبقات الأصفياء ، ج01، ص : 102.

[5]
ابن القيم ، إعلام الموقعين ، 2/122.

[6]
– رواه أحمد برقم 16957.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان