آخر الأخبار

بين شعراء الجاهلية وعلماء الطبيعة

شارك المقال على :

بين شعراء الجاهلية وعلماء الطبيعة

بقلم: د. محمد
أكرم الندوي

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

       قالوا: روي لنا أنك تقارن بين شعراء
الجاهلية وعلماء الطبيعة، إننا استغربنا صنيعك هذا استغرابا شديدا، وحملناه على
الهزل الذي بينه وبين الهزؤ صلة قريبة أو رحم ماسة، قلت: وأي استغراب في ذلك؟

       قالوا: أتقارن الأعراب المتحملين في
الصحارى القاحلة والبوادي الجرداء على نوق هزيلة وفوق الرمال وتحت الشموس والنجوم
تائهين من أجل الماء والكلأ في نجد وتهامة بعلماء الطبيعة الذين حطوا رحالهم على
الكواكب والأقمار، وخاضوا غمار البحار، وبعثوا ميتة الحضارت وبائدة الآثار، وخرقوا
صم الصخور وشم الجبال، ونقلوا الأصوات والصور عبر الأمواج؟ هل توازن بين إنسان عهد
الظلمات وإنسان عهد النور والازدهار.

إن مثل هذه
المقارنة تشي برفعك لأهل الجاهلية ووضعك العلماء، وبخلطك الشنيع بين المقاييس
والموازين، قلت: وأي عيب في ذلك؟ أم يسوءكم القول بالحق كاشفا الستار عن الغطرسة
الحضارية التي قد ذهبت بأبصاركم؟ ألا أسترعي انتباهكم إلى مثال واحد، انظروا إلى
شعراء الجاهلية وخبراء الطبيعة يمرون بالآثار والديار، فيتوافقون في مواقفهم منها
ويختلفون، وهم يتساوون إذ يتوافقون، وتفضل العربُ الإخصائيين الطبيعيين حين
يختلفون.

       قالوا: ما ظننا أن حبك للعرب يعمي بصرك
ويصم سمعك ويغشى عقلك إلى هذا الحد المستهجن، ما هذه العصبية؟ ومن ثم اعتبرت
العقلاء والحكماء العصبية أخت الجهالة والغرور.

       قلت: كرهتكم أشد الكراهية، تحكمون علي قبل
أن تطلعوا على بياني، ما أبعد منهجكم عن مهيع الحق والصواب!

       قالوا: فبين لنا وجه تفضيلك للعرب في
جاهليتها على علماء الطبيعة. قلت: إن الجاهليين مضت عليهم قرون، وما زال شعرهم
يترقرق فيه ماء الحياة، وهم ذوو حكم رائعة، ومعان بديعة، قوية غنية، خصبة ممتعة،
خليقة بالإعجاب والإكبار، خليقة أن تثير في نفوسنا عواطف قلما تثيرها خطوب حياتنا
التي نسميها متحضرة راقية، وهم في تلك المعاني أكثر حداثة من علماء القرن الواحد
والعشرين، إنهم يفضلونهم من أربعة وجوه، فاسمعوا إن كنتم في الحق راغبين، قالوا:
ما هي؟ قلت:

       الأول: الإنسانية: إن العلماء حينما يعثرون
على الآثار يستمتعون بها ولا يعطفهم عاطف على الأمم التي تنسب إليها تلك الآثار،
فلا تجد للعلماء غريزة إنسانية، بينما ترى العرب في الجاهلية لهم قلوب إنسانية،
فيمرون بالديار وقد خلت من أهلها، وبعد عهدهم بها، واختلفت عليها وقائع الحروب
وأحداث الجو، فيقفون عليها متذكرين عهدهم بسكانها، وقد يذرفون الدمعات ويسكبون
العبرات.

قال زهير:

أمن أم أوفى
دمنة لم تكلم *** بحومانة الدراج فالمتثلم

بها العين
والأرآم يمشين خلفة *** وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم

واقرأوا الأبيات
التالية لهما، ثم انظروا إلى لبيد:

عفت الديار
محلها فمقامها … بمنى تأبد غولها فرجامها

فمدافع الريان
عرى رسمها … خلقا كما ضمن الوحي سلامها

دمن تجرم بعد
عهد أنيسها … حجج خلون حلالها وحرامها

ثم اقرأوا هذا
المعنى الذي يهز المشاعر ويحرك الشجون:

فوقفت أسألها
وكيف سؤالنا … صما خوالد ما يبين كلامها

ثم انظروا إلى
زهير كيف يتنقل من ذكرى الأطلال إلى إنذار قومه من مغبة الحروب، وهو معنى لم أر
علماء عصرنا يهمهم، يظهر شاعرنا في ثوب جديد، شيخ مجرب طويل التجربة، ومع ذلك لا
تفارقه شاعريته، فهو يحس الأشياء حسا قويا، ويصورها تصويرا رائعا دقيقا، شبه الحرب
بالرحى، وبالناقة، وبالنار، وبالأرض الخصبة التي تغل لأهلها الغلفة الوفورة، وكل
هذا في لفظ جزل وسهل معا:

وما الحـرب إلا
ما علمتم وذقتـم *** وما هـو عنها بالحـديث المرجـم

متـى تبعـثوها
تبعـثوها ذميمـة *** وتضـر إذا ضريتمـوها فتضـرم

فتعـرككم عرك
الرحى بثفالهـا *** وتلقـح كشـافا ثم تنتج فتتئـم

فتنتـج لكم
غلمان أشأم كلهـم *** كأحمـر عاد ثم ترضـع فتفطـم

فتغـلل لكم ما
لا تغـل لأهلهـا *** قـرى بالعـراق من قفيز ودرهـم

       والثانية: الحب، لقد قرأت ما نطق به
المتغزلون العجم وما تغنى به الشعراء الإسلاميون والمولدون فلم أر لهم ما رأيت
للشعراء الجاهليين من رصانة في اللفظ مع شيء من عنف حينا وجفوة بتأثير من حياة
البادية، وصدق في المعنى، ودقة في وصف العاطفة وتمثيلها، بحيث لا تكاد تقرأ لهم
إلا وتنفعل معهم وتتأثر بهم، وتقطع بعدهم عن التكلف والاصطناع، يقول امرؤ القيس:

كأني غداة البين
يوم تحملوا *** لدى سمرات الحي ناقف حنظل

وقوفا بها صحبي
علي مطيهم *** يقولون لا تهلك أسى وتجمل

وإن شفائي عبرة
مهراقة *** فهل عند رسم دارس من معول

كدأبك من أم
الحويرث قبله *** وجارتها أم الرباب بمأسل

ففاضت دموع
العين مني صبابة *** على النحر حتى بل دمعي محملي

وقال عنترة:

 ولقد ذكرتك والرماح نواهل *** مني وبيض الهند
تقطر من دمي

فوددت تقبيل
السيوف لأنها *** لمعت كبارق ثغرك المتبسم

       والثالثة: الصبر، فحياة البادية كلها تجلد
وتصبر، ولعل هذا المعنى الذي اختار الله العرب لإرث ملة إبراهيم عليه السلام،
اقرأوا قول امرئ القيس:

وليل كموج البحر
أرخى سدوله *** علي بأنواع الهموم ليبتلي

فقلت له لما
تمطى بصلبه *** وأردف أعجازا وناء بكلكل

ألا أيها الليل
الطويل ألا انجلي *** بصبح وما الإصباح منك بأمثل

       والرابعة: الوصف، وصفهم للنوق والحروب،
ووصفهم للأطلال، وآثار الخيام في الديار، وآثار ما تحويه الخيام من المتاع
والأثاث، قد محيث، ولم يبق منها إلا القليل، كأنه بقايا النقش وكأنه وجه الوشم،
اقرأو وصف امرئ القيس لبعض هذه الديار وكأنه يرسم خريطة تسهل لنا الوصول إليها:

قفا نبك من ذكرى
حبيب ومنزل *** بسقط اللوى بين الدخول فحومل

فتوضح فالمقراة
لم يعف رسمه *** لما نسجتها من جنوب وشمأل

ترى بعر الآرام
في عرصاته *** وقيعانها كأنه حب فلفل

ثم اقرأوا قوله
في بليغ الوصف:

وقد أغتدي
والطير في وكناته *** بمنجرد قيد الأوابد هيكل

مكر مفر مقبل
مدبر مع *** كجلمود صخر حطه السيل من عل

كميت يزل اللبد
عن حال متنه *** كما زلت الصفواء بالمتنزل

       قالوا: قد وعينا عنك تفضيلك للعرب واقتنعنا
به اقتناعا، فأخبرنا عن وجه التساوي بين الشعراء والعلماء، قلت: إنهم يتساوون في
أربع نواح، وجماعها قصور النظر، والجهل، والغفلة.

       قالوا: اشرح هذه النواحي، قلت: هي:

       الأولى: عدم ربطهم بين الخلق وخالقه، وبين
النعم ومنعمها، لا يهمهم إلا الظاهر المحسوس، ولا يعلمون الأصل الذي منه منشؤه،
نسوا أن اختلاف الظواهر برهان على وجود العلل الباطنة، ما أشد اغترارهم بالدنيا
العاجلة وأمتعتها الزائلة، فهم كأهل الحشو واللهو، يسمعون ولا يسمعون، يرون ولا
يرون، إن أصل الشرك عدم التعقل، وأصله العكوف على الدنيا، وأصل ذلك عدم الإحساس
بإحسان المنعم واعتراف المنة، وذلك أصل الكفر والظلم والاستكبار والطغيان.

والثانية: عدم
ربطهم الآثار بأسبابها، يمرون بديار الأمم الظالمة، ويقضون أياما وسنين دارسين
لها، وهم لا يعتبرون بها ولا يتعظون، لا ينظرون أن الناس إذا تمكن الضلال من
نفوسهم وفسدت عقولهم كل الفساد، وتدنست أخلاقهم، وأتم الحجة عليهم بإرسال الرسل
أهلكهم وطهر الأرض عنهم تطهيرا.

       والثالثة: انشغالهم عن حالهم، متسكعين في
غواياتهم، يسمعون الذكر وهم في غفلة معرضون، لاهية قوبهم لاعبين، منكرين قضاء الله
بين خلقه، زاعمين أن الله خلق السماء والأرض عبثا، وأنه غير عابئ بالعباد والبلاد.

       والرابعة: نسيانهم مآلهم، إن ما في هذا
الكون يدل على أن لكل شيء نهاية، “ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما
إلا بالحق وأجل مسمى”، فالمعاد بين أمره جلي لكل متبصر سميع، ولكنهم تعاموا
أن كل شيء لغاية وحكمة، وأنه لا بد للإنسان من غاية وجزاء لما عمل من الخير والشر،
لا ريب أن كل من تفكر في خلق السماوات والأرض سبح لله وتوجه إلى المعاد وتذكر
المثول بين يدي مالك يوم الدين، إن العلماء الحقيقيين يتعلمون من المقدمات
النتائج، والآخرة تشهد عليها الآيات، “إنما يخشى الله من عباده
العلماء”.

       قلت: فويل لللأقدمين وويل للآخرين مما
يصفون، وويل للمجرمين من سنة الغلفة التي لا يرجعون عنها، وهم في لذاتهم منهمكون،
و على العكس من هؤلاء وأولئك إبراهيم عليه السلام كيف أداه نظره إلى ربه، فقال:
“لا أحب الآفلين”، ثم قال: “إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات
والأرض حنيفا وما أنا من المشركين”.

 

 

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان